عندما تقرأ عنوانا يتحدث عن المكان وإبراز ثنائية الحضور والغياب والانزياح فالحديث عن الـ»هنا» يصبح حديثا عن هناك، كما انه يلمح إلى حضور جدلي لإشكالية المكان المتجلية في أدب المنافي والحروب والشتات، في أدب المهجر، والأدب الفلسطيني تحديدا الذي استثمر ثيمة المكان استثمارا خلاقا نابعا من مرجعية تاريخية حقيقية وهي الصراع على المكان.
فقضية الفلسطيني ومعاناته الأولى هي مسألة جغرافيا ومكان، وعيش في هناك، وجحيم في هنا حيث تتمزق الذات الفلسطينية بين الفضاءين. هذه إيحاءات هنا وهناك عندنا في الأدب العربي، والتي استثمرها من منظور خاص وذاتي ومغاير، الأديب طالب الرفاعي في روايته الصادرة حديثا بعنوان « في الهنا». في قراءتي هذه لن أقوم بقراءة المتن الروائي بشكل موسع وإن كان لابد من التلميح لبعض المضامين لعدم رغبتي في تكرار آلية التعاطي مع النص، فقد قام زميلي الناقد البحريني فهد حسين بالحديث بإلمام عن موضوعة الرواية في مقال بعنوان « تداخل القضايا في الهنا والهناك»، ولكني أنا اليوم معنية بقضية العنونة والتخييل الذاتي كتقنية سردية أسلوبية يقوم بها طالب الرفاعي في العديد من نصوصه السردية، فنحن اليوم بحاجة لمعرفة آلية إنتاج النصوص الإبداعية أكثر من قراءة مضامين النصوص وفق المناهج الأدبية المتاحة.
العنونة عتبة لقراءة الأنا:-
العنوان دوما هو العتبة الأولى لقراءة النص، وهو الذي يشد القارئ لدخول عالم قراءة النص من خلال إغرائيته وشعريته وغرابته وطرافته. وللأسف إن هذا لم يكن متحققا بقراءتي الشخصية للعنوان، فمنذ البداية شكل لي العنوان إشكالية في تلقي العمل، فهو بني على مغالطة نحوية كبيرة لم تخدم القضية الجمالية في العنوان مستقلا. فلو فككنا أجزاء العنوان: (المحكي الشخوص الأنا والآخر المبتدأ المحذوف + (في الهنا) وهو خبر شبه جملة (في) حرف الجر + الهنا أل التعريف وهو اسم إشارة للمكان، وهو اسم معرفة لا تضاف له (أل) التعريف، فهذه المفارقة النحوية غير جائزة، وحتى إن قبلت فإن الشكل المناسب لها هو أن تكتب بالشكل التالي أل «هنا» كما فعل درويش في كتاباته ليفجر عمق الإحساس بالمكان، وحتى في نحن لا نستخدمها في كلامنا المحكي أو المكتوب فلا نقول أنا في هنا – بل نقول أنا هنا. وهذه مغالطة أخرى من الأديب يعلم بها جيدا ، ولكنه أراد أن يكون مجددا في العنوان، وقد نفهم العنوان تجاوزا ان المضمون الحكائي كتب في موضوعة (الهنا). إلا إن هذا التجديد لم يخدمه؛ فالعنوان لم يكن إغرائيا. ناهيك عن الغلاف الذي لا يمت للموضوع بصلة سوى اعتباطية الدلالة والانفصال عن الموضوع، فما علاقة الدجاجة والشخص المظلل بأسود في الرواية إلا لبيان جوهر وباطن كل من الرجل والمرأة. فنحن أمام ثلاث إشكاليات مبدئية العنوان وتمثيله للمكان المسلطة عليه دائرة الضوء مكتب طالب الرفاعي. وقصة كوثر ومشاري، والغلاف الاعتباطي الدلالة، فكيف نجمع بينهما دلاليا بشكل مبدئي؟
وبعد قراءة المتن الحكائي للرواية والبحث عن دلالة الهنا فإنا نرى الهنا تتوزع بين الدلالة إلى إشكاليات الصراع السني الشيعي، والمرأة الراغبة في التحرر والسكن بشقة لمفردها، والثقافة الأبوية المسيطرة على فضاء (الهنا) منزل الأسرة والمجتمع الكويتي، ليصبح مأسورا بأل التعريف مثل عقدة بطل شخصيته في الثوب معبرا عن مجتمع يعيش مأزوما بكلمة آل. فكانت (الهنا) تشريحا لمجتمع مثالي فوقي استعراضي يرى الغير حقيرا ودنيئا مثل رؤية أهل كوثر الشيعية لحبيبها مشاري السني ووصفه بـ»الحقير». هذه واحدة من إشكاليات (الهنا) التي أراد أن يسلط الضوء عليها طالب الرفاعي. كما يثير (الهنا) العلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة التي قد يتسع مداها في (ال»هناك») من مثل برايتون المدينة البريطانية التي عاش فيها ذروة القصة العاطفية.
ولكن كل هذه الأماكن لا تكون إلا جزءا بسيطا من وعي المؤلف لهناه الخاصة، التي يعبر عنها عبر التخييل الذاتي وإحضار ذاته وجزءا من سيرته الذاتية كمؤلف في النص، ليتحدث عن عزلته في مكتبه في المجلس الوطني للثقافة والفنون مختزلا (الهنا) في مكتب يقضي فيه الروائي حياته العملية معزولا عن المنصب الذي كان استقال منه ليعيش حالة من القراءة الحرة والإبداع وليقول لمن يظنه مهمشا بأنه مستمتع جدا وإنه لا يعيش التهميش بل هي عزلة اختيارية:
« في هذا الهنا في هذه الغرفة الصغيرة تركت وحدي كاتبا ومهندسا.. هناك من اعتقد بتجميدي، دون أن يدرك حجم الخدمة الكبيرة التي يقدمها لي! (الرواية، ص 170)
فهذا كان توظيف الكاتب للهنا الخالي من القيمة الجمالية رغم جمال رؤيته الخاصة في عزلته الإبداعية، ولكنها رؤية براجماتية وظف الكاتب نصه الجمالي، الرواية، نفسها لترويج رؤيته الخاصة بعزلته والرد على عذاله وحساده ومن يظنهم شامتين به بأنه مستمتع جدا بهذا الهنا. رد عليهم ببراجماتية مفرطة ولكنه لم يخدم القيمة الجمالية في نصه الكائنة في قصة كوثر عبر تقنية التخييل الذاتي.
التخييل الذاتي والجوهر الثابت:-
طالب الرفاعي المؤلف ينطلق في رواياته « سمر كلمات»، و «الثوب» و « في الهنا» من تقنية التخييل الذاتي ليمزج بين الخاص والعام، الموضوعي والذاتي، الشخصي، والإنساني، والغيري، في أعماله تتمازج بين الأنا والآخر، أنا المؤلف تلح على دخول عوالم القص، وتعترض بشكل عملي على إلغاء رولان بارت القائلة بموت المؤلف « المؤلف هو ماضي كتابه». وهو ما أراد به بارت في حماية المؤلف من القراءات الأيديولوجية والاجترارية، إلا إن الرفاعي وقد فهم درس بارت جيدا قام بعمل موازنة جيدة بحيث يحاول أن يجعل نفسه إحدى القصص الهامشية في كل من «سمر كلمات» و «الهنا» بينما تكون هي شخصية مشاركة في رواية «الثوب». ولكن هذه الأنا تبقى موجودة في العالم السردي كمحاولة إثبات وجود لهويتها كذات كاتبة في الخيال وفي الواقع، وهو مما يثير بداخل قراء نصوصه الواعيين بالبحث عن سبب هذا التكرار الأسلوبي هذه التقنية وهذا الحضور السردي هل هو نوع من التوثيق الذاتي لقصة حياة المؤلف ولو على شذرات بسيطة وخصوصا ونحن نراه كمؤلف يوجه رسائل رد لقارئه عما يكون تم تداوله حول حياة المؤلف فيبث لهم بين ثنايا العمل الإبداعي ردوده الشخصية عما تم تداوله في الخارج السردي وفي العالم الواقعي المحيط للمؤلف. من مثل رده على من يقول إنه تم عزله وتهميشه، ويرد عليها بهذا السرد القصصي لجزء من يومياته في المكتب، بعيدا عن تقديم سيرة ذاتية حقيقية لحياة طالب الرفاعي في منزله ومشاكله الخاصة فما يقدمه من معلومات عن سيرته هي تفاصيل عادية فقط تمثل الإطار العام لحياته وليست سيرة ذاتية بالمعنى الحقيقي لا تتجاوز اسمه واسم زوجته وبناته.
فيكون احد أهداف النص عبر التخييل الذاتي، بحالة رواية «في الهنا» هو الرد على العذال والحساد، ولو كنت بدلا منه لكتبت مقالة أرد فيها على العذال بدلا من اقحام (أنا) الروائي في الرواية، فهذا التوجيه أراه أثر على القيمة الجمالية الخاصة في العمل الفني. فالسؤال الجمالي في مأزق في الرواية، فالرواية ليست تصفية حسابات شخصية، بل هي عمل جمالي إنساني يتقاطع مع هموم الآخرين. إلا إن هذا لا ينفي أن رؤيته لعزلته المنتقاة والمختارة، كما يؤكد، رؤية مثالية وجميلة تخلق عالما تعويضيا مثاليا لحالة النقص والعزلة المختارة أو الإجبارية.
من إشكاليات اختيار التخييل الذاتي كتقنية هي عملية التكرار التي تحيل لمحاولة اثبات النفس وانعدام البديل وعدم تقديم الجديد والابتكار، وهي ما يرمي بظلاله على اختيار طالب الرفاعي لتكرار تقنية التخييل الذاتي، وموضوعاته وهي قضية الحب بين الرجل والمرأة والعشق الرومانسي الشفيف. فيقدم صورة المرأة المتحدية لواقعها الاجتماعي وتثور ثورة اجتماعية بسبب الحب والاستقلالية. بأن يكرر الأديب اختياراته الإبداعية ويؤديها بشكل متكرر مع اختلافات طفيفة في الظروف الخارجية فبدلا من أن تكون المرأة مطلقة تكون عانس، تعكس جوهر واحد من الشخصية النسائية المتمردة يكون طالب الرفاعي الأديب هو شاهد (Bearing witness) على احداث غيره حتى في الثوب فإنه يكتب حكاية رجل مقموع عبر المرأة ، هذه المرأة التي تصر على إذلال الرجل عاطفيا هي ثيمة متكررة عند طالب الرفاعي.
هذه الموضوعة المتكررة تحيلنا لفكرة الأدائية performity، التي ابتكرتها الفيلسوفة جوديث باتلر في نقدها الموجه لأدائية المرأة في أدوارها، بأن تكرار التصرفات التي تقوم بها النساء وهذا التكرار والأداء هو الذي يجعل من المرأة مخلوق دوني وفق التصور المسبق للمرأة في الغرب. أيضا من دلالات الأدائية في الغرب في الفكر البنيوي هو إن الكاتب يؤدي ما يراه من مشاهد في الحياة. فالأدب هو أدائي عبر محاكاته للواقع، وأضاف إليها جوناثان كولر بأن تحدث عن هذه الأدائية عند اوستن وجوديث باتلر فالأولى تحدثت عن الأدائية بوصفها فعل فردي بأن يفعل الفرد الشيء مرة واحدة من ثم يكرره، بينما باتلر فهي تتحدث عن ظاهرة جماعية تنطبق على النساء والأقليات.
ولكني أود أن أتحدث عن الأدائية من باب محاكاة المبدع لتجاربه الماضية فهو بعد أن يختار تقنية معينة ويعيش حالة تأمل في موضوعات اجتماعية معينة فإنه يبدأ بتكرارها وإعادة إنتاجها يؤديها بشكل متكرر مثلما يقوم فنانو المسرح بإعادة انتاج أدوارهم وتمثيلها بشكل مستمر ويحافظ على ذات الجوهر لنفس المسرحية. هذا هو ما يقوم به الكاتب في خلق أسلوبه الشخصي في الكتابة شكلا ومضمونا عندما ينتج نفس الروح والقالب للعمل الأدبي يغير بالظروف المحيطة الخارجية وبأصواته السردية. وهو ما يحيل إلى فكرة الجوهر الإنساني الثابت بينما الهوية الإنسانية والإبداعية متحولة ومتطورة كما أثبتت نظريات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار، فستارت هول أحد المفكرين المنتمين لنظرية ما بعد الاستعمار يثبت هو وسعيد وبابا بأن الهوية الإنسانية متحولة ومتطورة ومع إبداع الإنسان مادام الإبداع هو إنتاج العقل والفكر المتطور.
قد يقول قائل إن هناك تكرارا في الثيمات والموضوعات في الأدب العربي والأدب الفلسطيني، فإدوارد سعيد ودرويش من المبدعين الذين قاموا بتكرار الثيمات الخاصة بهويتهم ولكن هذا كان في سياق سياسي وإنساني مختلف فالفلسطيني مهدد بمحي ذاكرته ووجوده لذا فإنه يكرر من بعض الموضوعات في كل سياق بدافع أيديولوجي وإنساني محدد يريد إثبات هويته، فما هو هدف طالب الرفاعي من هذا التكرار، هل هويته مهدده بالإزاحة فيريد إثباتها في ثنايا نصه الإبداعي؟!
لقد قارب الروائي موضوعة التقسيم الشيعي الطائفي في الكويت بشكل عرضي وليس جوهريا، فبطلته كوثر الشيعية من الأقلية الطائفية في الكويت تحب مشاري المسؤول السني الكبير في الدولة، ليكون اختلافه الطائفي واحدا من أسباب رفضه بالنسبة لعائلتها إضافة إلى كونه متزوجا ولديه أطفال. الزواج هو أحد الأمور الكاشفة للصراع الحقيقي الخفي بين الهويات السنية والشيعية التي ستكون مقاربة رائعة لو استطاع الروائي استثمار هذه الموضوعة في الحديث عن الصراع السياسي والاجتماعي المتنامي بين الشيعة والسنة في الكويت في تعاملات المجتمع العادية، فقضية زواج السني من الشيعي هي ترف موضوعاتي كان ممكن أن يكون مهما لو طرحه الروائي منذ عشرة أعوام. ولكن في الراهن نحن بحاجة إلى مقاربة القضية الشيعية في الكويت برؤية أعمق يكون أحد تحدياتها هو تقبل الشيعي كابن للكويت وليس عميلا لإيران بخلاف ما يدور بسرديات مجموعات طائفية طافية على سطح سرديات الهوية الكويتية. ثقافة القبول المجتمعي بين أفراد المجتمع أهم بالنسبة لي من ثقافة قبول الزواج بين السني والشيعي.
و بعد:-
الحكاية السردية بحد ذاتها حكاية مشوقة تتمتع بقص سردي لغوي جميل يعتمد على التذكر والاسترجاع والتنبؤ بحدث المستقبل لتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة تسجل رفض الروائي وحيرته أمام قضية تعدد الزوجات بشكل محايد لعدم رغبته بتسريب آرائه الخاصة ولا سيما بقضية قد تخسره شعبيته عن مجموع قارئاته وقد يكون هذا الحياد هو افساح لمجال الاختيارات الشخصية من دون أن يمارس وصاية على الآخر برؤيته. إضافة إلى إن توظيفه لضمير المخاطب في الرواية كان موفقا أكثر من مجموعته القصصية الكرسي، بينما في الرواية كان توظيفه جيدا للأصوات السردية بين أنا السارد المشارك طالب الرفاعي، وسرد كوثر المنقسم على الأنا والمخاطب أنت.
هناك قضية هامة أيضا تخص تجنيس الأعمال الإبداعية وتبيان نوعها، فالرواية العاطفية الاجتماعي مقابلة للرواية السياسية التاريخية البوليسية والخيال العلمي. فنحن نتناول ذلك في كتابتنا عن الروايات ضمنيا، بينما تجنيس العمل يخدم القارئ أكثر ليقرأ ما يتماشى وذائقته، ولا سيما إن هناك تيار كبير من الإنتاج الروائي في العالم العربي يتناول الرواية العاطفية متداخلة مع القضايا الأخرى بشكل عرضي وليس عميق، مع التأكيد على بعض الاستثناءات، فروايات طالب الرفاعي يمكن تصنيفها وفق إطار الأدب العاطفي الاجتماعي.
حاولت في هذه القراءة أن أقدم قراءة تحلل آليات الاختيار الأسلوبي والمضموني للعمل الإبداعي، ومدى جدية الأديب العربي في التطوير والتجديد والابتكار والخروج من القوالب التقليدية عبر طرق المواضيع برؤى متجددة وبذات تجيد من تعديل وتنقيح مراحلها الإبداعية الماضية أسوة بكل مبدع حقيقي يخلق قوالبه الخاصة ولا يقع رهين أحدها.
طالب الرفاعي، رواية «في الهنا»، دار الشروق، الطبعة الأولى، 2014م.
*ناقدة وكاتبة كويتية
سعاد العنزي