أثار فوز رواية «فرانكشتاين في بغداد»، للكاتب العراقي الشاب أحمد سعداوي، بالنسخة العربية من جائزة بوكر البريطانية، ردود أفعال عديدة و متناقضة، منها ما تعلق بالجائزة نفسها وهويتها ولجنة تحكيمها والجهة الممولة لها، ومنها ما تعلق بالرواية الفائزة ذاتها وكاتبها وتوقيت فوزها.
لن نطيل الوقوف عند المحور الأول لأنه خارج الاهتمامات الرئيسة بهذه الدراسة، ونكتفي بملاحظة أن هذه الجائزة البريطانية المنشأ تأسست سنة 1968 وهي تُمنح في العادة لأفضل رواية كتبها «مواطن» من المملكة المتحدة أو من دول الكومنولث أو من جمهورية أيرلندا، كما يقول تعريفها الرسمي. وكلمة «مواطن» هنا قد لا تكون خالية من المعنى، و قد تعني إنها ليست خاصة بالأدباء والكتاب المحترفين بل بالمواطنين العاديين الذين يجربون حظهم التأليفي ضمن ما بات يعرف في الغرب بـ «الرواية بروفايل» أو الرواية اليتيمة. سنة 2007، أُطلقت نسخة عربية « إماراتية» من هذه الجائزة بتمويل سخي من إمارة أبو ظبي، و أنيطت إدارتها وتمويلها بدائرة حكومية هي «هيئة أبو ظبي للثقافة والسياحة»!
يعتقد كثيرون أنَّ أسباب هذه المبادرة الإماراتية لاستيراد الجائزة، و هذا التمويل السخي لها لا تنتمي للثقافة والأدب بشكل صميم، بل ربما تتعلق بجهود بعض الدول الخليجية لتأثيث سمعة دولية «براقة» من خلال القيام ببعض الأنشطة الرياضية والثقافية والعلمية. وهناك الكثير من الأدلة على صحة هذا التفسير فقد بلغ هذا النشاط «التأثيثي» مستويات لا سباق لها تمثل بشراء أو استئجار الرياضيين الأجانب وتجنيسهم بجنسياتها، وإطلاق مهرجانات سينمائية ومسرحية في بلدان لا تنتج أي أفلام سينمائية أو مسرحيات، بل ولا يسمح بعضها بوجود دور عرض سينمائية أو قاعات مسرحية أساسا، وقد يعتبرها بعض مسؤولي هذه الدول رجسا من عمل الشيطان!
وقد اعترف رئيس لجنة تحكيم الجائزة الحالي، د.سعد البازعي، بأن وجود واستمرار هذه النسخة العربية من الجائزة رهنٌ باستمرار ( دعم هيئة أبو ظبي للثقافة والسياحة لها، وبدون هذا الدعم سيفتقر العالم العربي إلى مثل هذه الجوائز، ولكنني أتمنى أن تعتمد الجائزة على مصادر تمويل داخلية تضمن لها الاستمرار. عكاظ عدد 4635 في 24 شباط 2014 ) أي أن د. البازعي يقترح تغيير تمويل الجائزة من كونه هبة أو مكرمة من الإمارة أو الأمير وتحويل الجائزة إلى مؤسسة تقوم على الملكية الخاصة الربحية والممولة ذاتيا.
إنّ قراءة متمعنة في نص الرواية الفائزة بالجائزة، لا تسمح لنا بتأييد وجهة نظر من شطبوا عليها تماما وأخرجوها من جنس الرواية الأدبية وحملوها أكثر من طاقتها وأكثر مما ورد فيها من نقاط ضعف وأخطاء، ولا مع الذين احتفلوا بها واعتبروها إنجازا أدبيا مهما و بالغوا في نقاط قوتها أو اختلقوا لها بعضاً من تلك النقاط. يمكن أن نختصر وجهة النظر النقدية التي ندافع عنها بالقول أن نص المعنون «فرانكشتاين في بغداد» هو رواية تتمتع بكافة مقومات هذا الجنس الأدبي، ولهذا النص نقاط قوة بارزة لا بد من التوقف عندها تحليليا، مثلما أنّ فيه نقاط ضعف مؤسفة لا تليق بالسردية العراقية ككل، ولا بهذا النص المتفرد من حيث موضوعه لهذا الكاتب الشاب والواعد ينبغي إظهارها والتوقف عندها تحليليا أيضا.
لن نستعرض الرواية مطولا، فقد فعل زملاء آخرون ذلك، بل يمكن أن نوجز فنقول إنّ « الحكاية الروائية» تدور حول شخص هامشي، وأغلب شخصيات الرواية هامشية بمعنى ما، و لهذا الأمر دلالاته الاجتماعية العميقة، والتي قد تفسر لنا هامشية ما تبقى من حطام الطبقة الوسطى في المجتمع العراق وهشاشتها بل وتحولها إلى حاضن للرثاثة في مختلف صورها، يقوم هذا الشخص الهامشي والذي يمتهن بيع وشراء الأغراض العتيقة والمستعملة، بجمع أجزاء من جثث ضحايا التفجيرات الإجرامية التي ترتكبها العصابات التكفيرية في العراق، ثم تحل في الجثة المجمعة روح حارس فندق يقتل في تفجير آخر، ويبدأ هذا المركب من أجزاء الجثث وروح الحارس القتيل وقد اتخذ شكل عملاق بشع الهيئة والُمحيى وسريع الحركة رشيقها بالانتقام من أشخاص لهم صلة بمعاناة العراقيين قبل وبعد الاحتلال الأمريكي ومن بينهم مقاتلون أجانب في منظمات المرتزقة ولكن اللافت أن فرانكشتاين بغداد لم يستهدف عسكريا أميركيا واحدا! غير أن الأحداث تضطرب وتزداد غموضا، ونجد هذا العملاق المعاقِب للأشرار يتحول إلى قاتل عادي لا ينجو من قبضته حتى الشحاذين الأبرياء أو السابلة الفقراء، ويتابع الراوي هذا العملاق في الوقت الذي يتابعه أيضا جهاز أمني كاريكتوري مؤلف من منجمين وقارئي الطالع وتنتهي الأحداث بتفجير انتحاري في الحي الذي أقام و تم تخليق العملاق فيه يدمر أغلب المنازل ويقتل ويصيب الكثيرين ولكن «الشسمه» ينجو من الموت، وهو في الواقع مصم روائيا بحيث لا يؤثر به الرصاص و شظايا الانفجارات، ونراه يودعنا في الصفحة الأخيرة وهو يداعب قط السيدة إيليشوا.
من الواضح أننا بإزاء نص روائي يمكن أن يصنف ضمن الكوميديا السوداء، مثلما يمت بصلة مضمونية لما يمكن تسميته بالأدب المسوخي من النوع الرخيص والمتداول في «نثر البشاعة» وأفلام الرعب الهوليوودية ولكن هذا على مستوى النظرة الأولى للشكل أما إذا تعمقنا أكثر في حيثيات العمل فسنجد انه أكثر براءة مما قد يبدو في ظاهره وهذه البراءة تتلبس بنوع من الفجائعية الحزينة التي ينتجها الواقع العراقي اليومي وتفاصيله الدموية.
لقد قيل الكثير بخصوص عنوان الرواية فثمة مَن دافع عنه ضمن حق المبدع في ابتكار عناوينه لأسباب يراها هو وقد لا يراها غيره، و انتقده آخرون على اعتباره نوعا من افتعال رافعة إعلانية رخيصة و ذات رنين ومذاق أجنبي لزيادة التأثير على الجمهور المتلقي. والواقع فإن اختيار المؤلف لهذا الاسم لا يخلو من الغرضية، رغم أن لبطل الرواية أسماء أخرى مستعملة في النص منها «الذي لا اسم له» واسم آخر باللهجة العراقية هو «الشسمه» وهذه المفردة تختصر عبارة ( الذي أي شيء اسمه ). ولكن هذه الغرضية للأسف خلطت الأوراق على صعيد المضمون بشدة بسبب اختلاف هوية هذا المخلوق وهل هو نتاج للواقع العراقي الدموي ولد من رحم هذا الواقع ليعكس صبوات العاجزين عن مواجهة الشر والألم وإلحاق الهزيمة به. شيء يشبه إلى درجة الانطباق أحلام يقظة المراهق المهان والذي يتمنى أن ينتقم ممن ألحق به الإهانة والأذى بطريقة سهلة وسحرية كأن يمتلك طاقية إخفاء أو قدرات سحرية عجيبة تمكنه من الانتقام من عدوه وتحطيمه جسديا؟ أم هو تطبيق حرفي أو شبه حرفي لنسخة مسطحة من فرانكشتاين الأوروبي على ظروف العراق المحتل والذي يُقْتَل فيه الناس على الهوية الطائفية وأحيانا دون الحاجة حتى لمعرفة الهوية؟
الناقد الفلسطيني المعروف فيصل دراج، علق على اسم الرواية بالقول، إن الروائي ( ألصق على عنوان روايته «هوية موضوعه»، فاستقدم فرانكنشتاين إلى بغداد، فللاسم جاذبيته الوافدة، واتخذ لذاته موقع ميري شيلي، التي عالجت موضوعاً له خصوصية مغايرة) وأضاف موضحا ( استحضر المؤلف رعب بغداد من الاسم الجاهز، واختصره في إنسان هامشي يلهو، في شكل فقير، بأوصال مقطعة. ولذلك ضاع الرعب المعيش في تجليات خارجية بسيطة..) إن كلام دراج هنا لا يخلو من المغزى الحقيقي، ولكن استنتاجه الخاص باحتجاب البشر و غياب رعبهم الحقيقي لم يكن دقيقا كل الدقة، ودراج نفسه يؤكد عكس هذا الاستنتاج حين يطري ويقيم إيجابيا ما سماه الجزء الوحيد الذي ( أنقذ الرواية، أي الجزء الوحيد فيها الذي يصف ويسرد، ماثل في شخصية «المجنونة»، تلك العجوز المسيحية المؤطرة بالأطلال والأطياف والأشباح، والتي لا يجبرها الرعب على مغادرة بيتها القديم). أما ثنائية «الوصف / السرد» التي يعتمدها دراج في رصده النقدي لنص الرواية فينطوي على الكثير من التبسيط لا سيما وأن المؤلف كان متمكنا في الجانب الوصفي مثلما كان متمكنا في الآليات السردية التي اعتمدها. أما تقييم دراج للغة التي اعتمدها سعداوي بكونها «لغة صحافية عادية» فهو ليس مأخذا جديا وثمة الكثير من الأعمال الروائية العالمية الهامة، ومنها أغلب روايات وقصص ماركيز التي اعتمدت اللغة الصحافية العادية، بل المأخذ الجدي والخطير نجده في الخلل اللغوي الخطير الذي عانت منه هذه «اللغة» عند سعداوي، وضاعف من تأثيره أن الرواية صدرت عن دار نشر لا تقيم أي اعتبار لإصداراتها ولا تراجعها ما جعل بعض الهفوات والخطاء الإعرابية والإملائية تظهر كفضائح من قبيل (كان محموداً مرتاحاً/ص 276/ وهو يكظّ على أسنانه /ص 248..الخ)، أمر دفع الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف للتبرؤ من أعماله الشعرية الكاملة التي نشرتها هذه الدار في رسالة مفتوحة طالبا ألا يقرن اسمه باسم تلك الدار!
وبصدد اسم الرواية أيضا، يلاحظ الناقد العراقي حميد الحريزي أن اسم رواية سعداوي ( يحيل الى رواية فرانكنشتاين لماري شيلي، هذا الارتباط الذي جعل من ( فرانكنشتاين ) كمعادل لخالق و مصنع السوبرمان القبيح المنتقم، على الرغم من اختلاف دوافع الانتقام بين مخلوق فرانكنشتاين شيلي عن دوافع مخلوق فرنكنشتاين سعداوي «الشسمه «). ثم يخرج الزميل الحريزي باستنتاج مفاده أن في الرواية (اشارة واضحة الى عجز النظام الرأسمالي الموسوس بالعلم عن توفير السعادة والسلام والوئام لمخلوقاته العلميه الخارقة للطبيعة وعدم قدرته على التحكم في همجيتها وعدوانيتها على بني الانسان، مما يعني في نهاية المطاف تدمير ذاته وحضارته وكيانه جراء تهوره ونجاوزه، معتبرا أن الوصف الذي يقدمه البحار لفرانكشتاين هو ( وصف واقعي للبرجوازية خالقة التقدم والجمال والرفاه للبشرية خصوصا في بداية وأوج نهضتها، ولازالت جذابةً رغم تهورها وتدهورها وتحديها لنواميس الطبيعة وتمرد مخلوقاتها عليها) أما خالق فرانكشتاين البغدادي «سوبرمان المجتمع العراقي في عهد الاحتلال» كما يسميه ، فيراها الناقد ( شخصية رثة، كذابة، تعتاش على كل ما هو قديم ومستهلك، لا تملك من العلم والمعرفة ما يؤهلها لتخليق سوبرمان العلم الخارق وهي دلالة على رثاثة وتخلف مجتمعاتنا وهشاشة وبدائية وتشوه طبقاته الاجتماعية، حيث موت وتبعية الطبقة الوسطى مشعة الفكر الحر والمستنير صوب الطبقة البرجوازية العليا ونقيضها الطبقة العاملة، كل هذا بسبب وأد الطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة وتحولها الى طبقة برجوازية طفيلية مسخ، بسبب ريعية الدولة واعتمادها على البترول …). إن هذه الرؤية الطبقية المسطحة والمليئة بالثقوب والأخطاء لا تفسر شيئا لا في الرواية ولا في الواقع العراقي المعيش، وهي تذكرنا بالقراءات الجدانوفية العتيقة في ميدان الأدب «الحزبي» والتي فات أوانها. وهذا ما يوجب علينا البحث عن مفاتيح أخرى مقنعة لقراءة الرواية ليس في ضوء هذا التحليل النظري الشبيه بالمسطرة الجاهزة وهذا ما سنحاول مقاربته في قراءة نقدية أخرى قريبا.
كاتب عراقي
علاء اللامي