القاهرة ـ «القدس العربي»: بدا وجه الرئيس السيسي أمس مفعماً بالحيوية والنضارة، وكأن العمر عا د به عشر سنوات للخلف، وازدانت بصوره الصحف وهو يقبل رأس سيدة من أمهات الشهداء بمناسبة عيد الشرطة، ذلك العيد الذي ترك ظلاله على جميع الصفحات الأولى والداخلية لسائر الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 24 يناير/كانون الثاني، فيما خفت بريق ثورة يناير/ كانون الثاني للحد الذي باتت محاولة العثور على رائحة تعاطف معها في وسائل الإعلام المختلفة، أمرا محكوما عليه بالفشل.
صفية نموذج من ملايين وحملة «خليها تصدي» في مواجهة جشع تجار السيارات في مصر
تحدث الرئيس السيسي عن الإصلاح الاقتصادي والقرارات الصعبة التي كان لا مفر من اتخاذها، والتي دونها كانت البلاد ستواجه مصيراً مشؤوماً وهو الخطر الذي لا يغفل السيسي في أن يذكّر به شعبه في مختلف المناسبات، وبينما كان الرئيس يثني على الشرطة ودورها الوطني قبل ساعات من حلول الذكرى الثامنة لثورة يناير، كان كثير من كتاب السلطة ينهشون في جسد الثورة ورموزها، وليس ببعيد عن هذا الرأي ما ذهب إليه أحد أبرز كتاب «الأهرام» ورئيس مجلس إدارتها الأسبق مرسي عطا الله، الذي أعلن أمس أنه قرر نزولاً عند رغبات البعض بحفظ الاعتبار ليوم 25 يناير/كانون الثاني كعيد للشرطة المصرية وحدها.
وزخرت الصحف على مدار الأيام الماضية بالعديد من السهام الموجهة من قبل العديد من الكتاب للهجوم على شباب الثورة، للحد الذي ارتقى بهم أكثر من كاتب لمستوى المسجلين خطر والمتآمرين على مستقبل مصر، فيما وجد الديكتاتور المخلوع مبارك وأفراد أسرته من يربّت على أكتافهم ويشيد بتاريخهم الذي انتهى مآله للمحاكم، بنوع من الفخر. وفي صحف أمس الخميس تصدر خطاب الرئيس السيسي، الذي ألقاه في عيد الشرطة، عناوين واهتمامات صحف القاهرة، التي اهتمت كذلك بالحديث عن الأمل الذي يقترب من خروج مصر من شدتها، حيث انتشرت التصريحات على لسان العديد من المسؤولين الذين أكدوا اقتراب موسم جني الحصاد:

عندها ستنجح الثورة
«ثماني سنوات بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، ومازال الحدث موضوعا للنقاش والجدل والتقييم. يرى البعض، كما يطرح جمال عبد الجواد في «الأهرام»، أن يناير أتاح فرصة لتحول ديمقراطي، وأن هذه الفرصة تم إهدارها أثناء التطورات التي تلت ذلك. لا أظن أن يناير أتاح فرصة حقيقية لتحول ديمقراطي، فيناير لم يكن أكثر من سراب خدع البعض فاعتبره فرصة ديمقراطية، غير أن الديمقراطية لها شروط لم يتوافر أغلبها في مصر، هناك نوعان من الشروط للتحول الديمقراطي، يتعلق النوع الأول بالظروف الموضوعية وخصائص المجتمع، فليست كل المجتمعات جاهزة للديمقراطية بالقدر نفسه، إنما تحدث الديمقراطية حينما ينضج الاقتصاد والطبقات وبنية المؤسسات والثقافة والقيم. على الجانب الآخر هناك الشروط المتعلقة بالعلاقة بين أجنحة النخبة بقسميها الحاكمة والمعارضة، وبالطريقة التي تجري بها عملية الانتقال، وهو ما أركز عليه في هذا المقال. في التجارب الناجحة للتحول الديمقراطي حدث التحول عندما انقسمت النخبة الحاكمة بين محافظين متمسكين بمواصلة تركيز السلطة في يد النخبة الحاكمة، وتضييق هامش الحريات العامة، وإصلاحيين متأثرين بالقيم الديمقراطية والليبرالية، ويخشون من عواقب إطالة أمد الحكم السلطوي.
يحدث هذا في الوقت الذي يحدث فيه انشقاق مماثل في صفوف المعارضة، بين متشددين يريدون الإطاحة بالنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بطريقة ثورية، ومعتدلين يريدون إصلاح النظام القائم وليس الإطاحة به. ينجح التحول الديمقراطي عندما ينجح الإصلاحيون في إضعاف المحافظين داخل نخبة الحكم، وعندما ينجح المعتدلون في تهميش المتشددين في أوساط المعارضة؛ وعندما يتحالف الإصلاحيون من الحكام، مع المعتدلين من المعارضين، من أجل إحداث إصلاح سياسي ديمقراطي يحافظ على المقومات الأساسية للنظام الاجتماعي والاقتصادي، وعلى القيم الأساسية للدولة والمجتمع. التحول الديمقراطي هو عملية إصلاحية، أما الثورات فإنها تأتي في الأغلب بنظم سلطوية جديدة، وفى الخبرة المصرية فإن كل تحرك جماهيري كبير تبعته انتكاسة للديمقراطية».
تأثر فخامته
يصر يحيى حسين أحد أبرز وجوه المعارضة المدنية أن يفتش في جراح الجماهير كما فعل أمس في «المشهد»: «قيل إن فخامته تأثر بحالة صفية، وهي سيدةٌ مُسنة انتشرت صورتها وهي نائمةٌ بالقرب من محطة مترو في ليالي البرد القارس، الذي مرّ بمصر في الأسبوع الماضي، فتحركت كل أجهزة الدولة لإنقاذها.. ثم قيل إن (الأجهزة) وقد انتقلت إليها روح الرحمة فجأة قامت بنقل 280 من الصفايا (جمع صفية) من صقيع الشوارع والأرصفة إلى دفء دور الرعاية. والحقيقة أن أي خطوة في هذا الاتجاه محمودة.. حتى لو اقتصرت على صفيةٍ واحدة، إلا أن المرء لا يملك إزاء هذه الرحمة الرئاسية المفاجئة إلا أن يتساءل متعجبا (أَتَعلَمُ أَمْ أَنْتَ لا تَعلَمُ؟).. لا أقصد هل تعلم أن (الصفايا) جَرَّاء قراراتك الفردية لم يعودوا قاصرين على مُشَّرَدي الشوارع والأرصفة.. وإنما امتلأت بهم ملايين البيوت التي هتكت (إصلاحاتك) سَترها، وإنما أقصد هل تعلم ما يعانيه المعارضون في سجونك؟ لدرجة أن يقول العالم الجليل الأستاذ الدكتور يحيى القزاز بلسان زملائه من قامات مصر وساداتها، كالمقاتل السفير معصوم مرزوق والباحث العلامة الدكتور رائد سلامة (لا نطلب معاملة مميزة.. لا نطلب إلا أن نُعامَل معاملة القَتَلَة وتجار المخدرات».
إرهاب من؟
اهتمت سوزان حرفي في «المشهد» بالرد على المحامي مختار نوح الذي اتهمها بممارسة الإرهاب عبر إحدى مقالاتها: «لأقف عند اتهام المعارضة بالإرهاب، فذلك قول عظيم وأنت أستاذي العزيز خير العارفين، فكم من حرب باسم مواجهة الإرهاب قامت وقضت على دول، وباسمها تنكل إسرائيل بالمقاومة وبحق الفلسطينيين في التحرر، وبها يتم تمزيق سوريا، وتحت رايتها يتم قمع شعوب وتكميم أفواه، بدون تفرقة بين من يحمل سلاحا ومن يعترض بكلمة. فعن أي إرهاب تتحدث وإرهاب من لمن، فمن يملك أدوات الإرهاب هو النظام، ولا يتوانى عن استخدامها، ويتحرك وفق شروطه هو، فيضج بأي صوت معارض، ويستبعد كل مخالف، ويتعامل مع الشعب كأنه في معسكر عليه التحرك بالأمر والنهي، كما يحتكر المنابر ويغلق منافذ التعبير سياسية وإعلامية. فكم من الصحف الخاصة والحزبية يمكن أن يمر عليها مقال رأي ولا يتخطى مكتب مسؤولها للنشر، وكم من مديري قنوات ورؤساء تحرير ومقدمي برامج تم استبعادهم لا لشيء إلا لأنهم نطقوا بانتقاد الوضع العام، أو خالفوا بعض توجيهات الأجهزة الأمنية لهم أو لقنواتهم. وكم من ملاحق لأنه اعترض على سياسات وقرارات، ومن أبواب رزق أغلقت، ومعارض تم استهدافه بالتجريح والاغتيال المعنوي والتعرض الفج لشخصه ولعائلته، وكم من أبواب للتحقيقات والقضايا والسجون فُتحت، ما دفع بالكثير من المعارضين لتجنب السياسة وما فيها حتى حين. إذا كانت المعارضة موقف له فخامة موروثة كما تقول، فثمنها لم يعد يوازي فخامة ثوبها، فمن يتصدى لها يلقى آثاما، ويقع بين إرهابين؛ إرهاب السلطة وإرهاب التنظيمات الإسلامية الذي نواجهه جميعا. ثم تصف المعارضة بالإرهاب! وأربأ بك أستاذي العزيز؛ وأعلم أن اتهامك هذا ليس استدعاء لأجهزة السلطة لمزيد من التنكيل بمعارضة كانت بالأمس شريكة وداعمة للنظام».
أهلا بفاعل الخير
«كانت القمة العربية، كما يعترف نصري الصايغ، الذي أعادت «الشروق» نشر مقالته الأخيرة بحاجة إلى «فاعل خير»، إلى من يعتلي المنصة ويتجرأ على بدء الحفل الجنائزي طبعا، المناسبة لا تستحق الرثاء. لا شيء نفقده فيها: لا روح، لا حياة، لا شيء قط. لا.. دفن الجامعة ليس خسارة، وبقاؤها فادح.. لا تستحق خبرا عاديا في صحيفة رثة، وإن تجرأ أحد على الصدق يختصرها يقول: كانت كأنها لم تكن. «القمة» الأخيرة في بيروت، كانت عقوبة للبنان. بدأ الكلام اللبناني العادى، «فائق الأهمية»، «عروبيا» خجولا، أمام «أعراب» الخراب. بدأ الفراغ يملأ القاعة، فيما الكلمات هواء بحروف معروفة النهايات. تتحسر على ما فات قليلا. يومها، كان للهزائم وقع المفاجأة. هزائم اليوم المتمادية، نشيد سياسي تتناوب عليه إيقاعات الشماتة: كل عربي تبرع بهزيمة عربي آخر. توحد العرب في القتل والإبادة والوأد. لم يتبقَ كيان عاقل. احتفال جنوني في الإخلاص للقتل، بكل أشكاله. «القمة» الأخيرة، هي آخر مطاف الاختلال العربي. هم في الأصل، كانوا دولا بقياس عشائر وقبائل وأقوام، كان يلزم أن تكون بائدة. لا. منحت زمام القيادة. الجزيرة العربية حرم أمريكي ــ غربي. سوريا الطبيعية، مسرح لصراع الإخوة الأعداء، ثم ملعب لإسلام الدماء، وفرجة لدول تتحالف على تكويم الجثث ورعاية الإبادة.. بلاد مقفلة من كل الجهات، باستثناء المعابر العلنية إلى تل أبيب. تاريخها، على فخامة مظهره، «فياسكو». قادة متربصون بقادة. دول ذات وزن تاريخي في مواجهة ممالك وإمارات ذات دعم دولي، لولاه، لتواضعت وتآخت مع شقيقاتها الجمهورية. كانت الجامعة حاوية لدول قومية ملتزمة ودول قومية تتنازع في ما بينها، فيما الممالك تنصب الشباك المالية، ليقع المحتاج في فخ المتخم. حضرت الجامعة العربية خسائر العرب جميعا. حضرت النكبة، ثم النكسة، ثم الحروب الداخلية، ثم كل الحروب، ثم أم الحروب الراهنة. وعوض أن تكون حكما، كانت واجهة لجبهات القتال. قتلى هذه الجامعة العربية، بعدد الملايين. وغريب، أن هذه الجامعة، لا تزال تجرجر أذيال الحروب والخيبات حتى ما بعد الآن. ثم، أي جامعة هذه؟».
الحق لا يضيع
تذكّر كثيرون من بينهم مي عزام في «المصري اليوم» ثورة يناير/كانون الثاني: «لا شيء طيبا يضيع، وثورة يناير/كانون الثاني طيبة، استغلها أصحاب المصالح، لكنهم تكالبوا على القشور الزائلة، وبقي لنا جوهر ثورتنا: كسر حاجز الخوف، والاعتراف بقوة الشارع، وحلم لا يفارقنا، وربما يكون مصدر شجننا. ثماني سنوات مضت على ثورة يناير/كانون الثاني، لكن مسيرة التغيير المنتظر متعثرة. نسير منذ عقود طويلة في دائرة جهنمية، لا نستطيع الخروج منها. يطول السفر، ثم نجد أنفسنا في النهاية عند نقطة البداية: تصور عدم وجود بديل. نواجه دوما اختبار السيئ والأسوأ، وكأننا عاجزون عن إيجاد تصور لاختيار ثالث نشارك في صنعه. ثورتا يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران كانتا بحثا عن الاختيار الثالث. صحيح أننا لم نُوفَّق في مسعانا، لكن الندم على أي منهما يشتت مسارنا؛ فالثورتان تمثلان الخطوات الأولى في طريق الألف ميل. طريق طويل وشاق كُتب علينا، كانت بدايته مظاهراتٍ وخروجا للميادين للتعبير العلني عن رفض حاضر يسرق منا المستقبل. ثورة الشارع مرحلة وانتهت، لكن علينا أن نتمسك بما حصلنا عليه بجدارة: الثقة بقدرتنا على التأثير والفعل، وأننا كمواطنين لنا حق في أن نكون شركاء في وضع أسس دولة المؤسسات التي تحترم دستورها ولا تتغول فيها سلطة على باقي السلطات، وأن نعيش في دولة تحترم القانون وتعامل المواطنين بلا تمييز أو تفرقة، تحارب الفساد وتعمل وفق منظومة تتصف بالشفافية والنزاهة وعدم التستر على أي مسؤول. ميدان التحرير الذي كان يسع الجميع ضاق على المستقبل. نحتاج لتصور آخر يجمعنا. النخبة هي القبطان الذي يوجه سفينة الوطن، وعليها أن تعترف بتقصيرها في توجيه دفته بسبب انقسامها وتشرذمها. وعلينا أن نفكر جميعا في تطوير أدواتنا ليصبح لنا صوت مسموع وقدرة على التأثير على صانع القرار، وألا يُفقدنا التعنت ثقتنا بقوتنا.
«يناير» وما عليها
من بين الذين تعرضوا للثورة أمس بالنقد اللاذع الدكتور إبراهيم السايح في «الوطن»: «كمية «الاستلواح» والغباوة والعنصرية والبذاءة والعنف، فضلا عن الاسترزاق والعمالة والعدمية، وكل درجات الحماقة، هي الناتج الذي تبقى بعد أسابيع قليلة من اندلاع الهوجة الينايرية، وبعد مرور سنوات على هذا الحدث، وبصرف النظر عن تسميته ثورة أو انتفاضة أو هوجة أو مؤامرة (إلخ)، فإن التقييم العملي الوحيد الذي يخرج به أي شخص شارك في الأحداث لوجه الله ولصالح الوطن بدون أدنى انتظار لأي قدر من المصالح الشخصية يتلخص في أن هذه الأحداث كانت في جوهرها مجرد سعي لتداول الاستبداد والفساد، وليست سعيا للديمقراطية وتداول السلطة.
قيل إن الشباب هم أصحاب الثورة، فمارس هؤلاء الشباب كل الحماقات الممكنة وغير الممكنة، حتى أضاعوا على البلاد كل فرص التحول الديمقراطي الحقيقي، وقيل إن صناديق الاقتراع هي الفيصل في كل شيء، فجاءت هذه الصناديق بأصوات الزيت والسكر والذقون الطويلة والأيدي المتوضئة والنفوس الخربة والعقول المريضة وبلطجية السنج والمطاوي والرشاشات والسيارات المفخخة «إلخ إلخ إلخ».. كل الناس في مصر تحولوا إلى كائنات راديكالية لا يعجبها أي شيء، رغم أنهم هم أنفسهم لا يعجبون أحدا، ورغم أن معظمهم لا يفعل شيئا سوى الأكل والشرب والكلام، وكانت أسوأ أيامنا وأكثرها فشلا وبؤسا هي تلك التي شهدت الاستجابة الكاملة لإرادة إخواننا الثوار، ففي تلك المرحلة تم تنصيب الدكتور عصام شرف رئيسا للحكومة صاحبة أكبر قدر من التلويش والخسائر والعشوائية، حيث قال رئيسها إن «الشعب جريح» ولا يمكن السيطرة عليه في الوقت الراهن، ثم حلّت علينا بركات الإخوان والفصائل اليسارية والليبرالية التي تحالفت معهم، وصرنا بعدها في محفل كوميدي عبثي يرأسه شخص لا علاقة له بحكم أو حِكمة، ثم دخل فخامته بالبلاد إلى مستنقع بلا حدود من العشوائية والحماقة والعبط كاد يفضي إلى حرب أهلية لولا قوة الجيش، وقبلها رحمة الله بهذا البلد المنكوب».
نكسة والأدلة موجودة
وصلنا حيث الدكتور مصطفى عبد الرازق في «الوفد» مقيما الحدث نفسه: «لقد فقدت الثورة زخمها على مستويات عدة إن لم يكن على جميع المستويات، بشكل يمكن معه القول حقيقة إنها أصبحت في خبر كان. صحيح أن ذلك لم يتم بين يوم وليلة، وصحيح أن الكثيرين من المتابعين عن قرب لمسار الثورة نبهوا لذلك منذ البدايات، إلا أن حجم التغير في النظر لما جرى يتطلب وقفة لعلها تكون بمثابة جردة حساب، ليس فقط لتقييم ما جرى وإنما لتحديد ما يمكن أن يتم في المستقبل. كنت قد كتبت في السنة الأولى للثورة في الإشارة إلى قوتها وسطوتها، مشبها موقف الرافضين لها بموقف المنافقين في صدر الإسلام، الذين لم يجدوا أمامهم سوى التعبير عن قبولهم الإسلام علنا، فيما تمور قلوبهم بالرفض له. ليس المجال هنا محاولة لتحليل أسباب ذلك التحول فذلك متعذر لأسباب تتعلق بالمساحة وأسباب أخرى قد لا يكون الخوض فيها مسموحا به، أو قد يدخل في نطاق المرفوض التصريح به، لكن المظاهر تبدو كاشفة لتحول ثورة يناير/كانون الثاني إلى مطية لكل «مشتاق»، متصورا أن ذلك ربما يكون البوابة الملكية للعبور إلى طموحاته! وبعد أن كان المعارضون للثورة يتوارون خجلا مثل المفطر في نهار رمضان، أصبح هؤلاء يمعنون في الإعلان عن موقفهم لتعزيز الانطباع بفكرة أن يناير كانت أي شيء آخر بدلا من كونها ثورة. ولعل تحليل الخطاب الإعلامي المصري بكل مستوياته ونوعياته من مكتوب ومرئي، وتحليل الخطاب السياسي يشير إلى محاولة تحويل يناير/كانون الثاني في الوعي المصري العام إلى «نكسة» أو «وكسة»، وأنها لم تكن سوى مؤامرة دبرت بليل من قبل بعض الأطراف التي لا تريد الخير لمصر».
ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إنجاح الحملات الشعبية ومن بينها حملة «خليها تصدي» على فيسبوك التي يقودها، كما يجزم حازم الشرقاوي في «الأخبار»، بعض الأفراد وتجاوز أعضاؤها النصف مليون متابع، وذلك في مواجهة جشع بعض تجار السيارات في مصر، بعدم تخفيض الأسعار بعد وصول السيارات الأوروبية إلى «صفر جمارك»، وقد بدأت هذه الحملة تأتي بثمارها بقيام بعض وكلاء السيارات بالإعلان عن الأسعار الجديدة بتخفيضات متفاوتة، فضلا عن شكاواهم بحدوث ركود شديد في سوق السيارات.
التفاعل الشعبي أمر محمود في مواجهة الجشع وتخفيض معدلات التضخم في الأسعار، ولكن هناك دورا مهما على الدولة وهو التعامل بنظام الفاتورة الاستيرادية، وفاتورة البيع مع وضع هامش ربح يتناسب مع كل سلعة على حدة.
وفِي حال تطبيق نظام الفاتورة الاستيرادية التي تحدد سعر السلعة من بلد المنشأ، ووضع هامش ربح على بيعها النهائي ستنجح الحكومة في ضمان عدم تزوير الفواتير وحصولها على الرسوم والجمارك والضرائب المستحقة، فضلا عن طرح السلعة في الأسواق بسعرها المناسب بدون مبالغة، ما يسهم في الحد من معدلات التضخم في الأسواق. إن عملية ضبط إيقاع الأسواق تتطلــــب إجراءات واضحة تحد من تلاعب بعض المستوردين ممن يتفننون في تغيير الفـــواتـــير من بلــــد المنشأ، حيث تقدم فاتورة سلعة بأقل من ســـعرها في الدولة الأم بهدف التهرب الجمركي والرسومي، فضلا عن طــرحها بأسعار فلكية في السوق المصري. أعتقد أن الحكومة قادرة على وضع ضوابط تسهم في ضبط السوق وحماية مداخيل الدولة من خلال تحديد هامش ربح لكل سلعة على حدة».
الشرطة وكفى
يظل يوم الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام 1952 يوما خالدا في تاريخ مصر على حد رأي مرسي عطا الله في «الأهرام»، باعتباره اليوم الذي جسدت فيه قوات الشرطة المصرية روح المقاومة الشعبية ضد قوات الاحتلال البريطاني.. في هذا اليوم المجيد ولدت بذرة ثورة يوليو/تموز 1952 كرد فعل للغضب الشعبي المتنامي ضد الصلف والغرور الذي تمارسه قوات الاحتلال البريطاني ضد الشعب المصري على طول قناة السويس والمدن والقري المجاورة لها بعد انسحابها من القاهرة والإسكندرية والدلتا، تنفيذا لمعاهدة 1936 التي وقعها زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس ثم قرر إلغاءها استجابة للضغط الشعبي عام 1951. والحقيقة أن حزب الوفد استطاع أن يسترد سمعته وهيبته النضالية التي كونها في ثورة عام 1919 على يد الزعيم سعد زغلول، بالارتفاع إلى مستوى الحدث والتحدي في وقائع وأحداث 25 يناير 1952، التي بدأت بإنذار وقح وجهه الجنرال أرسكين قائد القوات البريطانية إلى محافظ الإسماعيلية صباح يوم 24 يناير، يطالب فيه بسحب جميع قوات بلوكات النظام من المدينة وضرورة خروج هذه القوات المصرية في غضون 12 ساعة بدون سلاح. كان ما كان من معركة غير متكافئة سقط فيها نحو 60 شهيدا من الجنود المصريين مقابل 3 جنود بريطانيين فقط، ولم يكن غريبا أو مفاجئا أن تنتفض مصر غضبا ليقع حريق القاهرة في اليوم التالي مباشرة يوم 26 يناير/كانون الثاني 1952 حيث شهدت العاصمة أضخم مظاهرات ومنها بدأ العد التنازلي لسقوط نظام حكم أسرة محمد علي وقيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952. ولعلي بذلك أكون قد استجبت لنداءات عديدة تطالب بحفظ الاعتبار ليوم 25 يناير كعيد للشرطة المصرية وحدها».
ثورة وطارت
نبقى مع ظلال ثورة يناير التي يقيمها محمود خليل في «الوطن»: «أي ثورة تبدأ بحلم كبير، وعندما تنزل من سماء الحلم إلى أرض الواقع فقد تجدها قد حققت جزءا أو أغلب أهدافها. اختلف الأمر بالنسبة لثورة يناير/كانون الثاني، وكان السر في ذلك ركوب الإخوان فوق ظهرها وأصبحت التهمة الكبرى التي توجَّه إلى المشاركين فيها أنهم مكَّنوا الإخوان من الصعود إلى سُدة الحكم. وهذه التهمة – في جوانب عديدة منها- غير موضوعية. وأصحاب هذا الاتهام يعلمون أكثر من غيرهم أن دولة مبارك هي التي مكَّنت للإخوان، وهي التي كانت تتصافق معهم، وهي التي لعبت دورا في محاصرة جميع القوى السياسية الأخرى، وتركت الساحة فارغة للإخوان لتشكل «المعارضة المستأنسة» لنظام مبارك. الواقفون في «التحرير» كانوا يهتفون للدولة المدنية وليس لدولة دينية تتناقض مع التركيبة الثقافية المعاصرة للمصريين، الذين يحترمون الدين كعلاقة تربط بين العبد وربه ويترتب عليها الارتقاء بسلوك الإنسان. الواقفون في «التحرير» هتفوا لدستور مدني ودولة قانون وعدالة وحقوق إنسان. وعندما صعد الإخوان بفكرهم المتناقض مع ثقافة الغالبية من أبناء هذا الشعب كان «الينايرجية» أول مَن خرجوا مطالبين بتنحيتهم عن الحكم. هذه حقائق تاريخية لا يقفز عليها عاقل. المدافعون عن نظام «مبارك» كانوا يفضلون الاستقرار على ما عداه. وهذا حقهم، وتلك وجهة نظرهم، والاستقرار هو المعادلة الأكثر تفضيلا من جانب الشعوب. وليس لعاقل أن ينكر قيمته وضرورته للمجتمعات، لكن عندما يصبح الاستقرار أداة لاستمرار أسرة في حكم دولة جمهورية لا تعرف التوريث، فإن الأمر يستوجب إعادة النظر، وعندما يصبح وسيلة لتكريس فكرة احتكار السلطة والثروة والفرص في إطار مجموعات ثابتة لا تتحول ولا تتغير، فإن الأمر يستحق المراجعة. وعندما يغدو مظلة يستتر تحتها الفساد والاستبداد، فإن إيثاره على التغيير يثير التعجب. سيبقى الانقسام حول الثورات سمة أساسية من سماتها».
متهمة أم ضحية؟
الكلام عن رهف الفتاة السعودية لا يتوقف ولطه الشريف وجهة نظر طرحها في موقع «الشبكة العربية»: «الحفاوة والمسارعة إلى قبول طلب اللجوء المقدم من الفتاة من دولتين غربيتين كأستراليا وكندا، الذي تم في بضع ساعات قليلة! لم يكن نصرة لحقوق الإنسان كما يدعون، وإلا فأحوال المعذبين والمهمشين في مشارق الأرض ومغاربها في اليمن وفلسطين وســـوريا والروهينجـــا وتركستان الشرقية «الصين» وكشمير، لو أن أحدا من هؤلاء المضطهـــدين تقدم لطلب اللجوء فلربما ـ وهو واقع ـ تأخرت تلك الدول الرحيمـــة في الرد علـــيه، أو لربما تجاهلوا طلبه جملة وتفصيلا. والحقيقة التي ينبغي علينا الإقرار بها وعدم إغفالها هو أن ظــهور الفــتاة الســـعودية «رهف» بهذا الشكل الذي انتهى بها إلى التبجــح بارتكاب المحرمات، بل وأكل لحم الخنزير على قذارته، له أسبابه في قبح نفــس الفــتاة وتمـــردها، لكنه لم يكن منبت الصلة كذلك بواقعهـــا التي تعيشه والأعراف الخانقة التي تمسحت بالإسلام والفتاوى المُفصّلة التي صدرت تملقـــا وتزلفا لطويل العمر ولي النِعم! نعم لم تكن السعودية هي النموذج الأمثل لتطبـــيق الإســلام، مع ما اتسم به القائمون على مقاليد الشؤون الدينية من الانغلاق الفكري والتشدد المذهبي ومصادرة آراء المدارس والمذاهب الأخرى، بل واحتقار الآراء والفتاوى المخالفة والاستعلاء في التعاطي مع ما سوى رأيهم واختيارهم الفقهي، وهو ما أنتج لنا السلفية المتشنجة في القشور والفروع، المغمضة عينيها عن عظائم الأمور طالما أزعجت ولي النعم».
شكرا يا دكتور
هذا المشهد رآه الدكتور أيمن الجندي ويخبرنا به في «المصري اليوم» يقول: «كنت عائدا للبيت قبل الفجر بساعتين مارا بشارع الدقي. الطقس شديد البرودة. والهواء يلسع الوجوه. وأنا أسير ببطء ليلا، لأن القاهرة تستهويني بأنوارها.
أنقل مؤشر الراديو بين الإذاعات، وأستمتع بما يقدمونه. لاحظت وجود شاب يسير بسيارته أيضا أمامي، ويقف بمعدل كل محطة أتوبيس ورغم البرودة الشديدة ينزل من سيارته ليقوم بفرش قطعة من الموكيت الأحمر الداكن على الرصيف وقريبا من مداخل العمارات بمساحة (ترابيزة) السفرة الصغيرة تقريبا.
يفرشها في أماكن محددة، ثم يستقل سيارته. ويكرر ما يفعله كل مئة متر وهكذا. فأبطأتُ سرعتي، وتعمدت السير خلفـــه، وهو لا يلاحظ! المثير أنني وجدته يكرر ما فعله بطـــول الشــــارع قبـــل أن ينحـــرف متجها لمنطقة «بين السرايات»، وهو ما أثار فضولي، فسبقته، وأشــرت إليه لأستوقفه! قال إنه طبيب في إحـــدى الجهات الحكومية، وكان عائدا من عمله في وقت متأخر، منذ عشرة أيام، ورأى «فرّانا» كهلا قريبا من بيته، يفرش الخيش القديم في الشوارع، لكي تستدفئ به القطط والكلاب.
وقال إنه لاحظ بالفعل أنها تتلوى من برد الأرصفة، وتقشعر من تيارات الهواء وصقيع هياكل السيارات، وبالطبع لا تستطيع تغطية نفسها، فتلجأ للنوم فوق خيش الفرّان. وأردف قائلا: ولأننا في منزلنا قمنا بتغيير موكيت الأرضيات في الفترة نفسها، فقد حذوت حذو هذا الفرّان العجوز، وقررت تقطيع الموكيت هكذا والتصدق به على القطط والكلاب، بعد أن تهدأ حركة الشوارع! شكرا يا دكتور أمير؛ إذا كنت تفعل ذلك مع مخلوقات الله، فكيف هي تصرفاتك مع مرضاك؟».
مستشفى الولادة مغلق
تعرض مستشفى الجلاء لتصدع في أحد أهم أقسامه، ما أسفر عن إغلاق القسم الخاص بالفقراء، وهو الأمر الذي اهتم به عمرو جاد في «اليوم السابع»: «هناك منطق غريب وراء وجود واحدة من أهم مستشفيات الولادة في مصر وأكثرها ازدحاما في منطقة وسط البلد التي لا تهدأ، كيف يمكن لأطفال أن يستقبلوا الحياة وسط كل هذا الضجيج والدخان وصراخ البشر، وحتى إذا تجاوزنا التعاسة التي تشع من منظره الخارجي، لا يمكن تجاوز كل العقد التي ترتبط بالمستشفى، والزحام الذي يسببه في هذه النقطة الساخنة، وربما تكون التصدعات الأخيرة التي أحدثتها عملية حفر أنفاق المترو على بعض جدران المستشفى، سببا كافيا لكي تنظر وزيرة الصحة لأهمية ذلك المستشفى وكثافة ما يقدمه من خدمات، فتجد له مكانا بديلا أكثر هدوءا وآدمية وحفاظا على صحة الأم وجنينها، أو على الأقل يعطي انطباعا متفائلا للقادمين إلى الدنيا بأنها ليست بهذا السوء».
عيد الثقافة
«بدأت قبل أيام فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، في أجواء يصفها وائل السمري في «اليوم السابع» بأنها تتسم بالرقي والتحديث والبهجة، فمعرض الكتاب هذا العام لأول مرة يقام في مقره الجديد، وأذكر أنه كان هناك العديد من الأصوات المعارضة لنقل المعرض إلى هذا المقر الجديد في التجمع الخامس، خوفا من عدم إقبال الجماهير في الشكل المعتاد، أو خشية مهاجمة المثقفين، وكان من ضمن هؤلاء المترددين رئيس هيئة الكتاب نفسه، وفي الحقيقة فإنني بقدر ما كنت أحمل ذكريات جميلة لمقر معرض الكتاب في أرض المعارض في مدينة نصر، لكنني في الوقت ذاته كنت لا أرضى عن أن يصل معرض كتاب مصر إلى هذا الوضع المتردي الذي لمسته بنفسى في العام الماضي، حينما أدرت ندوة الفنان التشكيلي المصري العالمي أحمد مصطفى، ولهذا أيدت بشدة أن يتم نقل معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى هذا المقر الجديد، وأحمد الله أن توافقت الإرادة السياسية وإرادة وزارة الثقافة بقيادة الدكتورة الراقية إيناس عبدالدايم مع ما فيه الصالح العام. افتتح المعرض للجمهور، ورأينا كيف ذهب الناس إلى المعرض في كثافة ملحوظة، رغم أن هيئة الكتاب كانت قد أعلنت على الموقع الرسمى للمعرض أن هذا اليوم لن يسمح فيه بدخول الجماهير إلى المعرض! لكن الجماهير زحفت إلى أرض المعارض، ليثبتوا أن مصر مازالت تعيش تحت تأثير الشغف، وأن جمهور الكتاب لن يستطيع أن يترك معرض الكتاب في أي وقت وفي أي مكان، وفي الحقيقة رغم الافتتاح «العادي» للدورة الـ50 لمعرض الكتاب، لكن الجمهور المصري يستطيع أن يثبت دائما أنه البطل الأول للمعرض، وأنه المحرك الأساسي للنشاط الثقافي في مصر».