الجيش الإسرائيلي يرجح كفة اليمين الاستيطاني

حجم الخط
0

رئيس أركان يخرج ورئيس أركان يدخل. وداعاً يا آيزنكوت وأهلاً وسهلاً يا كوخافي. بعد أربعين سنة من الخدمة العسكرية، منها أربع سنوات باعتباره الجندي رقم واحد، خلع آيزنكوت الزي العسكري وتحول إلى مواطن عادي. كلمات كثيرة ستكتب عنه كقائد وعن الجيش الإسرائيلي تحت قيادته. ولكن في كل ما يتعلق بالموضوع الأكثر حسماً، سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية والحصار على قطاع غزة، يمكن منذ الآن القول إن ولاية الجنرال آيزنكوت كانت استمراراً مباشراً ومتطوراً لولايات أسلافه. مرحلة آيزنكوت في العملية يمكن تمييزها من خلال التوتر الذي نشأ بين حادثتين موثقتين وبارزتين: الموقف المصمم الذي عبر عنه آيزنكوت في قضية اليئور ازاريا من جهة، وإطلاق النار القاتل للجنود الذي تسبب بموت أكثر من 200 متظاهر على الحدود في القطاع.
بين هاتين النقطتين يمر خط واحد وواضح «تعليمات عسكرية». في حين أن ازاريا قدم للمحاكمة بعد توثيقه وهو يقتل خارقاً لتعليمات فتح إطلاق النار للجيش الإسرائيلي، فإن إطلاق النار الكثيف على متظاهرين، معظمهم غير مسلحين، تم وفقاً لهذه التعليمات. هكذا على الأقل قررت النيابة العسكرية في هذا الصيف التي تبنت بشكل عام جهود التحقيق الخاصة بقيادة الأركان وقررت فتح تحقيق فيما يتعلق بظروف قتل متظاهرين. ولكن كل من خدم في المناطق يعرف بأنه لا يوجد شيء غامض، متغير وقابل للتفسير أكثر من تعليمات فتح إطلاق النار.
«بين المكتب في مقر وزارة الدفاع وما يحدث على الأرض يقف أشخاص. هؤلاء الأشخاص يتلقون تعليمات خطية وأقوالاً شفوية وخفية، التي فيها تناقض كبير وازدواجية كبيرة. نفس القادة الذين يقرأون أمراً ما، يبثون لهم أمراً مختلفاً تماماً»، كتب عوفر شيلح في 2006 قبل تحوله إلى سياسي. هذه الفجوة بين المكتوب والمسموع ـ حقيقة أن الواقع هو الذي يملي الإجراءات ـ فهي لبنة واحدة من لبنات جهاز الاحتلال العسكري، الذي تطور وهو يشمل الآن أيضاً طبقتين من التمويه، الطبقة القضائية والطبقة المتعلقة بالوعي. الرد شبه التلقائي للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي الذي يكرر إعلانه للجمهور بأن «كل شيء تمام»، ينحرف عن دور الجيش باعتباره الذراع التنفيذية للمستوى السياسي. التفسير يتحول إلى تسويغ. وباجتيازه هذا الخط يتطوع الجيش الإسرائيلي، ليس لصالحه ولا لصالحنا، بأن يحول نفسه إلى جهاز دعاية لمعسكر مؤيدي الاحتلال ومؤيدي اليمين.
رغم أن معظمنا يعرف كيفية التعامل مع المتحدثين بلسان اليمين ومن يؤيدون الاستيطان بالشك المطلوب، إلا أنه عندما يسمي ضباط برتب رفيعة المتظاهرين غير المسلحين بالمخربين، ويصفون روتين عنف الاحتلال كحاجة أمنية أولى، فإن الجمهور في إسرائيل يجد صعوبة في تصديق أن هناك بشراً يعيشون من وراء الجدران.
مثلاً، هكذا كان الأمر في حالة قتل المسعفة رزان النجار في بداية شهر حزيران. ثلاث مرات غير المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي روايته عن الحادثة، إلى أن أحسن صنعاً المتحدث باللغة العربية في وصفه عندما عرض صورتها مع أجنحة مرسومة وقال إن «رزان النجار لم تكن ملاك رحمة». حقيقة أن تحقيقات شاملة أثبتت أن المسعفة من غزة قتلت بسبب الإهمال من قبل جنود الجيش الإسرائيلي، وأنه لم يكن هناك ما يهدد حياتهم بالخطر عند إطلاقهم النار، لن تغير الصورة التي نقشت في الوعي وتم التوقيع عليها من قبل الجمهور الإسرائيلي.
يمكننا تخيل وضع كان فيه رئيس الأركان آيزنكوت يقول لرئيس الحكومة أثناء الإعداد لمسيرات العودة في غزة: «أجل، سيدي، المهمة الأمنية واضحة. الجيش سيمنع اقتحام الجدار وسيستخدم كل الوسائل من أجل ذلك. هذا سيشمل إطلاق النار الحية واسعة النطاق، الذي يعني أن الكثير من المدنيين سيقتلون. أنا سأنفذ، لكن أنت، فقط أنت، ستواجه التداعيات وستقدم التفسيرات». إذا كان هذا السيناريو يبدو مرفوضاً، فإن هذا يبدو بسبب حقيقة أن تعودنا على الإسهام في التفسير الذي يعطيه الجيش لمن يؤيدون الاحتلال، إلى درجة تبدو فيها طبيعية. ومن المهم أن نقول ونذكر بأن مهمة الجيش ليس إخفاء الحقيقة عن الجمهور، لأن المهمة التي أرسل لتنفيذها ترتبط بالعنف وسلب الحقوق الأساسية الثابتة. دوره كجسم أرسل لتنفيذ مهمات باسم المجتمع الإسرائيلي هو أن يبلغ عن الحقيقة ويقول ـ أجل، هكذا كان الأمر. هذا هو الاحتلال وهذا ثمنه.
حقيقة أن جيش الشعب الذي يحظى بثقة الجمهور الساحقة ويتطوع للدفاع عن سياسة الحكومة، تحول الجيش الإسرائيلي إلى المتحدث رقم واحد باسم الاحتلال والدفاع عنه إلى أمر واضح. نحن كمجتمع يسهل علينا تجاهل ما يعرفه كل جندي خدم ذات يوم في المناطق: من أجل صيانة الاحتلال، الأمر يحتاج إلى استخدام العنف اليومي. من يؤيدون الاحتلال مطلوب منهم إخفاء هذه الحقيقة البسيطة، ولو بسبب التأثير المدمر لهذا العنف علينا جميعاً.
هؤلاء الضباط يمثلون الحلم السياسي لليمين الاستيطاني أمام العدسات. هذا أيضاً تدخل أجنبي في الانتخابات ـ ليس من قبل روسيا، بل من قبل جسم رسمي ومحايد ظاهريًا، ولكن تأثيره حاسم.
بعد فترة التجميد المحددة ربما سينضم المواطن آيزنكوت إلى أسلافه، ويطلب تغيير الواقع الذي ساهم في ترسيخه. في حينه، عندما يريد تحطيم الصمت، سيواجه صعوبة في اختراق سور الإنكار. وهو سيحسن الصنع إذا منح الجمهور تقريراً عن الاحتلال وتأثيراته. وسيكون من المهم أكثر، لو أن من سيعقبه في المنصب، الجنرال افيف كوخافي، يقوم بإلغاء إجراء «اليد السهلة على الزناد».

آفنر غبرياهو
هآرتس 24/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية