القاهرة ـ «القدس العربي»: 8 أعوام مضت على تنحي الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، تحت ضغط حراك شعبي أنهى نحو 30 عاماً من حكمه. أحداث كثيرة حصلت، أبرزها الإطاحة بأول رئيس منتخب بعد ثورة 25 يناير، وإحكام جنرال عسكري قبضته على الحكم، عبر استبداد أسوأ مما سبق.
«القدس العربي» تستطلع في ذكرى الانتفاضة التي عوّل المصريون عليها كثيراً لتغيير شروط حياتهم، آراء ناشطين شاركا في الثورة، وقيادي إسلامي، للوقوف على نظرتهم لمآلات حدث 25 يناير.
الناشط حسام مؤنس، قال تعليقاً على الذكرى : «ربما لم يكن أكثر المتشائمين بعد ثورة 25 يناير، يتوقع أن يكون هذا مسارها ومصيرها بعد ثماني سنوات من لحظات بدت أشبه بميلاد جديد لمصر وشعبها، ليس فقط على مستوى عدم تحقق أي من أهداف الثورة وشعاراتها التي رفعها الملايين في الميادين، وإنما كذلك الارتداد إلى أوضاع أكثر سوءا مما كانت عليه قبل الثورة، سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لغالبية المصريين، الذين تضاعفت معاناتهم نتيجة ما سموه بالإصلاح الاقتصادي على روشتة صندوق النقد الدولي، أو على صعيد الديمقراطية والمجال السياسي والحريات العامة التي تلاشت هوامشها الشكلية، التي كانت متاحة نسبيا في سنوات ما قبل الثورة، وأيضا على صعيد استعادة مصر لدورها ووزنها الإقليمي والدولي الذي تقزم في الوقت الراهن إلى مدى غير مسبوق، حتى ليكاد يقتصر على المراهنة على دور في مواجهة الإرهاب والتطرف، يحمي القوى الإقليمية والدولية من امتداد آثاره، مع التبشير بعصر جديد من التطبيع مع العدو وسيادة السلام الدافئ معه».
خطايا ومعارك فرعية
وانتقد «خطايا إدارة المراحل الانتقالية وتسليم السلطة لخصوم الثورة، والانجرار لمعارك فرعية والتشتت والانقسام، وغيرها من الكمائن المتعددة، لكن الصحيح أيضا أن هؤلاء الذين حكموا ويحكمون مستمرون في تشويه أنبل فعل شعبي في تاريخ مصر الحديث، والانتقام من كل من شارك فيه، وتوصيف الثورة كمؤامرة، رغم أنهم من تآمروا عليها، ونسبة كل الأزمات والمآسي التى يعيشها المصريون، لهذه الثورة بينما هي قامت بالأساس ضد السياسات والممارسات التي أفضت لهذا المربع الذي كانت ولا تزال مصر فيه. ولا يمكن إنكار أن كل ذلك ترك أثرا لدى قطاعات من المجتمع المصري».
وأعتبر أن «أخطر ما تواجهه ثورة يناير في ذكراها الثامنة هو مدى قدرة المنتمين لها على التصدي لمحاولات أعدائها المستمرة في تفريغها من أي غطاء شعبي لها، ليس فقط للقضاء على أي احتمالات لتكرارها، بل الأهم هو عدم إتاحة أي مساحة لتبلور مشروعها وتجدد حلمها والمطالبة مجددا بأهدافها».
ومن هنا، وفق الناشط المصري «يصبح الواجب الرئيسي على المؤمنين والمنتمين لثورة يناير أن يستعيدوا القدرة على الحلم الذي وإن تعثر فإنه لا يموت، والتمسك بالأمل الذي هو أول طريق العمل واستعادة روح يناير لدى أوسع قطاعات وشرائح المجتمع المصري، من خلال تجديد اليقين بأن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي كانت أهدافا للثورة، وما زالت مطالب للشعب، هي الطريق الصحيح للمستقبل الذي يبدو مشروع يناير بابا وحيدا له».
ضد البكائيات
وبين أن «الاعتراف بالانكسار واجب»، مستدركاً : «من دون أن يتحول إلى بكائيات لا تغني ولا تسمن، الأوجب هو معرفة الأسباب التي أدت إليه بشكل جماعي، لا عبر مراجعات فردية أو حلقية لن تمكن أصحابها من البناء عليها للمستقبل».
وزاد في السياق ذاته «الشعور بالإحباط مشروع، من دون أن يصبح طريقا لرفع رايات الاستسلام للهزيمة، لكن الأكثر مشروعية هو السعي لاستعادة الوعي المصحوب بالأمل في أن المستقبل لا يمكن أن يظل محكوما بأهل الماضي وأفكارهم، وإلقاء اللوم على الغير وارد ومقبول، من دون أن ينفي أهمية الاعتراف بمسؤولية الأخطاء، وكل ذلك لا يبدأ ولا ينتهي إلا بالرهان على قدرة المصريين على الاستفادة من الدروس والحضور في الوقت المناسب بالطريقة التى تناسبهم. والمهم حينها أن يكون لدى أبناء يناير ما يستطيعون أن يطرحونه ويقدمونه».
إعلام الزيف
أما الناشط الصحافي عمرو بدر اعتبر أنه «لا داعي للقلق على ثورة يناير مهما كان حجم التشويه ورغبات الحصار والإساءة، فالأحداث الكبرى في التاريخ لا يمكن لأحد مهما كانت قوته أن يمحوها بجرة قلم، لا يمكن لإعلام الزيف أن يدوس على ثورة أسقطت المستبدين، حتى إن كانت قد تعثرت قبل أن تسقط الاستبداد ذاته».
وأوضح «بعد 8 سنوات من ثورة يناير الخالدة غابت الاحتجاجات، لكن استيقظت القوة الكامنة التي خلقتها، ورسمت طريقها أجيال جديدة تستكمل الطريق، هذه الأجيال التي أضحت رقما صعبا في معادلة السياسة في مصر، استطاع نظام الحكم الحالي أن يحاصر المجال العام تماما، وكسب أعداء يناير جولة في حصار وقمع الحيوية السياسية الهائلة التي تلت الثورة، لكن المؤكد أن الوعي الذي خلقته يناير أكبر من قدرة أي قوى على حصاره، هذا الوعي الذي سيجعل من انتصار 25 يناير أمرا مؤكدا مهما طال الزمن».
وحسب بدر «انتصار ثورة يناير يرتبط ارتباطا وثيقا بالأسباب التي أدت إلى خروج الناس إلى الميادين بالملايين في 2011، ببساطة شديدة غابت الحرية وتراجع العدل الاجتماعي، فانطلق الناس إلى الميادين ينادون بنظام جديد قائم على الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وكما أن الثورة ليست غاية بل وسيلة لحياة كريمة لكل الناس، لا يمكن لأي عاقل أن يظن أنه قادر على قتل يناير، أو حصار أحلامها في النفوس ما دامت الأسباب التي قامت الثورة بسببها ما زالت قائمة».
وتابع : «ما دام المواطن يشعر بغياب العدالة والحرية والكرامة، فالشعوب التي تقدم تضحيات بقدر التضحيات التي قدمها المصريون في يناير، لا يمكن أن تسلم بالهزيمة بسهولة، فآلاف الشهداء والمصابين والمظاهرات والاحتجاجات والأحلام بحياة جديدة ووطن جديد، هي أسلحة أقوى من كل محاولات الحصار والتشويه».
تيار عام
المؤكد، طبقاً للناشط والصحافي المصري أن «ثورة يناير خلقت تيارا جديدا في الحياة العامة في مصر، رموز هذا التيار تنتشر بدرجة معقولة في الأحزاب السياسية الجادة، وفي النقابات، بل حتى في الإبداع الفني والأدبي، هذا التيار ما زال محاصرا إلا أن صوته يرتفع بقوة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، مساحة حرة يستغلها هذا التيار في تغيير الوعي العام وترتيب الأجندة المجتمعية، هذه الأجيال هي القوة الكامنة التي خلقتها يناير وراحت تتسرب ببطء في شرايين المجتمع، لينمو وعيه بشكل مختلف، وعي يرفع ويدافع عن الأهداف الكبرى نفسها التي رفعتها الثورة، الحريات العامة والدولة المدنية الديمقراطية والعدل الاجتماعي والمساواة كلها قيم يناضل هذا الجيل الرائع دفاعا عنها، هذا الجيل الذي نراه دائما غاضبا من المشهد العام، لكنه ما زال يحاول ويتمسك بأحلام الميادين والشوارع الحرة التي عاشها في يناير 2011».
سياسات 24 يناير
وأضاف أن «مصر ما زالت تعيش حتى الآن بأفكار وسياسات 25 يناير 2011، وخلال 8 سنوات لم يطرح أحد بديلا للنظام القديم إلا ثورة يناير بشعاراتها الكبرى، شعارات لم يترجمها أحد إلى خطط وبرامج عمل، لكنها تبقى البديل الوحيد للسلطة الحالية، البديل الذي يطرح الحرية في مواجهة الاستبداد، والعدل في مواجهة الظلم الاجتماعي والاستئثار بالثروة، والكرامة في مواجهة إهانة الإنسان وقمعه، هذه الشعارات التي تسربت لوعي الناس ووجدانهم لا يمكن أن تتراجع أو تنهزم، لاسيما إذا علمنا أن غالبية المصريين من فئات عمرية شابة، أي إن المكون الأكبر للشعب المصري هو من تلك الأجيال التي تفاعلت مع يناير وشاركت فيها، وحلمت معها بوطن جديد، ومثلما كان لكل جيل قضية تلهمه أكاد أجزم أن حلم الحرية الذي رفعته ثورة يناير هو الإلهام الأكبر لأجيال لن تستسلم إلا بتحقيق حلمها الذي تستحقه».
وشدد على أن «يناير لن تنهزم لأنها تمثل المستقبل في مواجهة الماضي، التطور في مواجهة الجمود، الأفكار الشابة في مواجهة أفكار عجوز بليدة، والتاريخ يؤكد أن التطور الإنساني لا يتوقف أبدا، وكل من يضع نفسه في مواجهة المستقبل والتطور والحداثة يخسر المعركة في النهاية، حتى لو استطاع أن يكسب جولة أو أكثر».
وزاد: «يناير ستنتصر مهما طال الزمن، وتيارها الملهم والمبدع سيسود، ووعيها الذي رسخته سينتشر في شرايين المجتمع المتيبسة، هكذا قال التاريخ وهكذا يجب أن يفكر كل من يدرك حقائق اللحظة التي نعيشها وضرورات المستقبل الذي ننتظره».
ضرورة حتمية
القيادي في حزب «الحرية والعدالة»، عبد الموجود الدرديري بين أن «ثورة يناير كانت ضرورة تاريخية وحتمية ولا مناص منها، بعد أن كانت البلاد قاب قوسين من وصول حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، إلى حكم آل مبارك، وتسخير كل إمكانيات الدولة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والإعلامية لحكم آل مبارك وزمرة قليلة من رجال المال والأعمال».
وزاد: «الحديث عن أنها أصبحت ذكرى ربما يبدو صحيحا من الوجهة النظرية لأن الثورة المضادة بقيادة الطغمة العسكرية الحاكمة، استطاعت وبمساعدة الدولة العميقة وبعض دول الجوار الظالمة لنا ولشعوبها، بالارتداد على مكتسبات الثورة الشعبية؛ بهدف استعادة الحكم من يد الشعب مجددا، الذي مارس عدة استحقاقات انتخابية للمرة الأولى في حياته، كالانتخابات الرئاسية والبرلمانية والاستفتاء على الدستور».
وأوضح أن «انتصار الثورة المضادة المؤقت، وإن استمر لسنوات، لن يغير من طبيعة إرادة الشعب المصري في التحرر من الحكم العسكري، وحكم الفرد الواحد، الذي استأثر بالحكم وحده حتى من دون رفاقه الذين أطاح بهم الواحد تلو الآخر، من دون مقدمات».
وتابع : «ليس معنى النجاح الظاهري لتلك الطغمة على الثورة الشعبية استمرارها للأبد، فليس كل ما يلمع ذهبا كما يقول شكسبير، وتحت المياه الراكدة تكمن التماسيح الشرسة، فلا يأمن هؤلاء حالة الهدوء التي يعيشها الشعب المصري الآن، بسبب الدولة البوليسية والانغلاق السياسي والانحدار الاقتصادي، وهكذا ظن مبارك من قبل، ويمكن القول إن أسباب السكوت هي نفسها موجبات الثورة التالية، التي يغذيها رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، من حيث لا يدري، فخطفه لأكثر من 60 ألفا من خيرة أبناء مصر، وفرضه سجنا مفتوحا على بقية الشعب المصري والتجويع الاقتصادي لإسكات الناس هذه وغيرها ستكون وقود أي حراك ثوري، إن لم يكن انفجارا ثوريا».
ثورة مقبلة
وأضاف: «كما أن ثورة يناير كانت ضرورة تاريخية من أجل الانتقال بمصر من مرحلة الاستبداد والفساد، التي امتدت طوال حكم زعماء من رحم الاستعمار المحلي».
وأوضح أن «انقلاب يوليو كان مؤامرة عسكرية»، معتبراً أن «الثورة المقبلة ستكون ضرورة حتمية، من أجل إزاحة النظام وطبقاته المتعفنة متسلحا بكل الخبرات السابقة».
ويبقى السؤال، وفق الدرديري «ما هي التحديات التي تواجه أي حراك ثوري مقبل ومستقبله؟ لعل الإجابة في القول إن الثورة لا تعد ولا تصنع، ولكن الاستعداد لها بات ضرورة، كما أن حدوثها بات أكثر ضرورة، وعلى جميع القوى السياسية والوطنية تعميق الحوار استعدادا للحظة السقوط من أجل النهوض». وبين أن «مصر الآن تزخر بالكثير من الشخصيات الوطنية والمخلصة، والجماعات المؤمنة بضرورة التغيير السلمي الديمقراطي، التي انتهجت بعد ثورة 25 يناير عملا سياسيا رائعا وناجحا بامتياز، أشاد به القاصي والداني، من دون أي تزوير، أو تضليل، وعبر الشعب المصري وعن اختياراته بنزاهة مطلقة. أرى أن هناك ضرورة للحوار مع الجميع، من دون استثناء حول عقد وطني بين كل أبناء الشعب الراغبين في التحرر من مشاحنات الماضي، وأيضا التوافق على عقد اجتماعي بين كل الأطياف السياسية لإدارة مؤسسات الدولة، واحترام خيارات الشعب، وتقديم مصلحة الوطن، والتعلم من أخطاء الماضي».
وشدد على أن «مستقبل أي حراك وطني مقبل للتغيير مرهون بحوار وتوافق وطني جامع بضرورة استعادة مكتسبات ثورة يناير، والحفاظ على النهج السلمي، وتقديم الكوادر الشبابية، وتغليب لغة المواطنة والشراكة في جميع الإجراءات والفعاليات التي ستنجم عن أي حراك شعبي. ولا يمكن أن تهزم الأمة المصرية وفيها هذا الكم من العقلاء والحكماء والوطنيين والمخلصين، وهذا العدد من أبناء الوطن الجادين المجتهدين في الخلاص من حكم السيسي الذي يجر البلاد نحو هاوية لا قرار لها، بمباركة من آل سعود وآل زايد والكيان الصهيوني».