■ في الصفحة قبل الأخيرة من روايته «سجين المرايا» (الطبعة 14 بيروت 2018) يشير الكويتي سعود السنعوسي إلى المكان الذي أرسل منه عبد العزيز- بطل الرواية والسارد الوحيد لها – رسالته الأخيرة إلى من يهمه الأمر، الموسومة بالعنوان «عبر البريد» إلى بيت الزنبق على أنه الموقع الذي أرسِلتْ منه. وبيت الزنبق هذا هو- في الواقع – محل صغير لبيع الأزهار، ونباتات الزينة، ملحقة به حديقة صغيرة لرجل عجوز في إحدى ضواحي لندن. تتعلق هذه التسمية بحكاية طويلة، فعبد العزيز، الذي كان في التاسعة من عمره عندما اجتاح العراقيون الكويت، فقد أباه في الأثناء، وفقد بعد ذلك أمه، ثم جده بابا إبراهيم. واستولى خاله على ميراث العائلة، وبلغ العشرين من عمره وهو كثير الحزن والأسى على أمه بدرجة أكبر من غيرها، وعاش بسبب تلك الكوارث، التي مر بها، خجولا، منطويًا، ضعيف الشخصية، لا سيما أمام الجنْس الآخر. ووقع بصره، ذات ليلة، على هاتف محمول نسيه أحد الحضور على مقعد في صالة السينما، فأخذه، وهو يعتزم تسليمه لأحد الموظفين الذين كانوا قد غادروا السينما إلى بيوتهم، فحاول تسليمه للشرطة الذين نصحوه بالاحتفاظ به ريثما يتصل صاحبه.
كان الهاتفُ من تلك الأجهزة ذات اللون الوردي الأنيق، الذي لا يليق إلا بالجنس اللطيف، وكان ما توقَّعه، فقد اتصلتْ به إحداهنَّ (ريم) واتفقا على إحضار الهاتف لمنزل الفتاة. عرف بعد زيارته للمنزل، وتسليم الجهاز لوالد الفتاة، أنها ريم ابنة سلطان سيف أحد قادة المقاومة، وأحد الأشخاص الذين شهدوا مقتل داود عبد العزيز، والد الفتى. وتوثقت عرى العلاقة بين الاثنين؛ ريم وعبد العزيز، ليكتشف أنها تحبُّ الإنكليزية، وتبعث أكثر رسائلها القصيرة بها، ومن شدة تعلقه بالفتاة قرَّر الذهاب إلى بريطانيا لتعلم الإنكليزية في كلية متخصصة بتدريسها للأجانب. فاجتمع له في هذه الرحلة التعليمية ـ إذا جاز التعبير- الكثير من التجارب، والخبرات، وتفتَّحتْ عيناه على أسرار كانت خفيَّة عليْه في ما مضى.
كان الهاتفُ من تلك الأجهزة ذات اللون الوردي الأنيق، الذي لا يليق إلا بالجنس اللطيف، وكان ما توقَّعه، فقد اتصلتْ به إحداهنَّ (ريم) واتفقا على إحضار الهاتف لمنزل الفتاة.
بيت الزنبق
فقد تعرف على ذلك العجوز المحبّ للأزهار، الدائم التشذيب لشجيرات حديقته الصغيرة، الملم بمعلومات كثيرة عن كل نبتة، وعن كل زهرة، وعندما التقاه، وسمع منه كلمة Lily وكانت ريم تستعملها مشيرة للزنابق، من تلك اللحظة أطلق على دكان العجوز اسم بيت الزنبق The lily house وتغيرت لديه الكثير من المفاهيم، علاوة على أن السيدة جاكلين ـ وهي ربة البيت التي تستضيفه مدة الدراسة في إحدى غرف منزلها المؤلف من طابقين- أخضَعَتْه لبرنامج الحياة اليومية للإنكليز. وعرَّفته على كاترين، وهي فتاةٌ في مثل عمره تقيمُ في الحجرة المقابلة لحجرته في الدور الثاني. نشأت الصداقة بين عبد العزيز الكويتي، والبريطانية كاترين، وقد دعاها مرارا إلى بيت الزنبق، واستضافته هي الأخرى في المقهى الذي تعمل فيه، وفي مطاعم، وكانت ترافقه يوميًا في الطريق إلى الكلية، ودعته مرة إلى مسرحية «شبح الأوبرا» ثم إلى الفندق. ومما استغربه في تلك الدعوة أنها حجزت لها وله غرفتين متداخلتين لا يفصلهما عن بعضهما سوى باب. ولطالما قضيا بعض الوقت على العشب الرطب قرْب البحيرة، وتحت ضوء القمر. وظنَّ عبد العزيز أن حياته انقلبت رأسًا على عقب: «أصبحت أرى حياتي من منظور آخر، أصبحت أفضل حالا مما كنتُ عليه قبل سفري». ولشدة انبهاره بلندن، وما يحيط بها من ضَواحٍ، وما فيها من أناس ينظرون للحياة نظرة ملؤها التفاؤل، والفرح، فقد تجاوز مدة الأشهر الثلاثة المتفق عليها في الدراسة. وعندما قرر العودة إلى الكويت تلقى رسالة قصيرة على هاتفه المحمول، وهي الأولى، والوحيدة، التي تلقاها من الوطن، تنذره بفقدان الوظيفة لتأخره عن موعد العودة. وأخيرًا، وجد السبَبَ وجيهًا للمقارنة بين حياته في الكويت وهنا في لندن. يتذكر زملاءه الموظفين، وأحاديثهم السمجة عن الجنس، وعلى الرغم من أنَّ في ذاكرته صفحاتٍ مبْهرة عن أمه، وعن جدته، وعن طفولته، إلا أن هذا كله تلاشى، وهو ينظر إلى كاترين التي راحت تبكي بمرارة لأن هذا الكويتي (الجلف) عبد العزيز سيُغادر، ولن تراه مجددًا. فيا لهؤلاء، كيف يمكن للمرء ألا يغرق في بحر محبتهم، لا سيما إذا قارنه بموقف تلك التي جاء إلى بريطانيا من أجل أن يكسر حاجز اللغة بينها وبينه: ريم سلطان سيف.
ما يملأ خيال السارد، في هذه الرواية، سجين المرايا، موقفان، يرتبط كل منهما بمكان، موقف ريم أو مريم- شخصية واحدة- مرتبطٌ بالكويت، حيث الحياة القاحلة.
قبول الآخر
لم يكن الافتتان وحده هو ما أذهل عبد العزيز تجاه الآخر الغربي، ففي واقعةٍ جرت وهم يتناولون العَشاء على مائدة السيدة جاكلين، بحضور ابنها آدم، وكاترين، وبعد أن قدمته لابنها، سأل آدم «مُسْلم؟» فأجابه عبد العزيز مرتبكا أنْ نعم. فأشاح آدم بوجهه نحو أمه بنظرة اشمئزاز، قائلا: «كمْ أنتِ مُتهوِّرة!».
وهذه الإشارة تؤكد أن الغرب – في رأي السارد ها هنا – ليس على سوية واحدة. فجاكلين بعد قليل قدمت اعتذارًا لعبد العزيز «جئت لأعْتذر عما بدر من آدم. لقد كانَ فظًا معَك». وهذه البادرة من جاكلين كانتْ درسًا لعبد العزيز الذي يوشك على العودة إلى وطنه الكويت، حيث لا يتقبل الآخرون الآخر. فقد اكتشف بعيد عودته ما في بلاده من تزييف، فريم، التي أحبَّها، تبين له أنها ليست (ريم) وإنما هي (مريم) وأن كل ما كان بينهما مغلف بقشرة الخديعة. فعندما تواصلا، واستجابت لاتصاله، استخدمت لغة مواربة كأنها تخاطب امرأة لا رجُلا، وذكرتْ لها- له- أنها في مجمع تجاري، رفقة الوالدة، وعندما تنتهي من التسوق سوف تتصل بها- به- عندئذٍ حرص على اللحاق بها في المجمع، لا لإحراجها، ولكن ليراها ولو من بعيد؛ فقد كاد الشوق يقتله، ورؤيتها قد تطيل عمره. ووجد سيارتها في المكان الذي اعتادت على إيقافها فيه. وانتظر داخل سيارته يستمع لأغاني نجاة، ومضت ساعات بدون أن تظهر، لا هي، ولا الوالدة، وحاول الاتصال بها ليتلقى بصفة متكررة عبارة الهاتف مغلق.
وبعد الانتظار، اكتشف أنَّ مريم لم تكن داخل المجمَّع، بل كانت في سيارة شخص آخر قام بإحضــــارها للمرآب، وذلك الآخر هو الشاب الذي ســـبق لها أن تحدثت عن علاقتها المنتهية به، وكانا يتبادلان الأحاديث ضاحكين عندما انطلقت سيارة الشاب، وهي تلوِّح له مودعة: هاي…
موقفان ومكانان
من هذا يتضح أنَّ ما يملأ خيال السارد، في هذه الرواية، سجين المرايا، موقفان، يرتبط كل منهما بمكان، موقف ريم أو مريم- شخصية واحدة- مرتبطٌ بالكويت، حيث الحياة القاحلة، والشمس التي تسوط الأدمغة بشواظ من نار، وموقف كاترين، أو جاكلين، المرتبطتين ببيت الزنبق، والمقهى، والبحيرة، والخضرة الرطبة تحت ضوء القمر الفضي، وحيث الناس الذين لا يستطيع المرءُ إلا أن يهيم بهمْ حبًا، وإعجابًا، حتى إن بدرت منهم مواقف متشنجة في بعض الأحيان. سجين المرايا إذن، على الرغم من أن بداياتها توحي بانغلاق البطل، فقد انتهت نهاية أخرى، إذ اكتشف كم كان مخدوعًا، وكم كان عليه أن يغيّر من نظرته للأنا أولا، وثانيًا للآخر.
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن