إسرائيل وإيران: تصعيد “الخطوط الحمر” وحرب الظل خرجت للعلن

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

ظلت المواجهة على الأرض السورية بين إسرائيل وإيران سرية، وكادت في العام الماضي أن تؤدي إلى مواجهة مفتوحة بعد إسقاط مقاتلة إسرائيلية هي الأولى منذ حرب لبنان عام 1982 وتدمير منشآت لإطلاق الطائرات بدون طيار في قاعدة “تيفور” قرب حمص والتي أقامت فيها قوات الحرس الثوري الإيراني مركز عمليات.

إلا أن حرب الظل المندلعة منذ بداية الثورة السورية عام 2011 ووقوف إيران مع نظام بشار الأسد خرجت للعلن وباتت مفتوحة الأسبوع الماضي عندما دمرت إسرائيل وقتلت 21 شخصا بعد قصف مخزن للسلاح الإيراني في مطار دمشق. وأعلنت مسؤوليتها ولأول مرة عن العملية حيث قالت إنها رد على صاروخ أرض- أرض أطلقه الإيرانيون باتجاه هضبة الجولان المحتلة. ويبدو أن الاعتراف الإسرائيلي مرتبط بمحاولة تأكيد خطوط حمر في سوريا وسط برود في العلاقات مع روسيا التي غضت الطرف عن غارات إسرائيلية ضد مواقع إيرانية ولحزب الله طالما تم الإبلاغ عنها مقدما. إلا أن الترتيبات الجوية تضررت عندما حملت روسيا إسرائيل مسؤولية سقوط مقاتلة روسية ومقتل طاقمها المكون من 15 شخصا في ايلول (سبتمبر) 2018. ويضاف إلى هذا الترتيبات الأمريكية للخروج من سوريا والتي كانت بمثابة مفاجأة لإسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في المنطقة. ورأت إسرائيل وغيرها في الانسحاب الأمريكي من شمال- شرق سوريا انتصارا للمثلث الروسي- الإيراني- التركي. ولأن إسرائيل معنية بإيران ووجودها خاصة بعد توصلها لنتيجة وهي أن روسيا ليست جادة لوقف التأثير الإيراني في سوريا ولن تتدخل إلا في حالة اعتقدت أن الوجود الإيراني يمثل تهديدا على النظام السوري. وتواجه إسرائيل مأزقا في سوريا، فهي تعلم أن إنهاء الوجود الإيراني في سوريا لن تحسمه الغارات الجوية المتقطعة واستهداف مراكز وقوافل سلاح إيرانية لحزب الله وأن ما سيحسم الوضع هو عملية عسكرية برية تتردد بالقيام بها في ظل الوجود الروسي وحرص موسكو على تقوية نظام الأسد بشكل يسمح لها بالخروج من سوريا وعدم التورط طويلا في بلد مزقه صراع 8 أعوام.

وربما عولت إسرائيل على التقارب الخليجي – السوري وفتح دول مثل الإمارات سفارتها كعامل ضغط ضد الوجود الإيراني إلا أن هذا يعتبر تعللا بالأماني كما لاحظ تحليل بصحيفة “فايننشال تايمز” (21/1/2019) وكما كتب المعلق الإسرائيلي تسيبي برئيل بـ “هآرتس” (23/1/2019) عندما قال إن التأثير العربي على الأسد وهم لأن نظامه لم يقطع علاقاته مع إيران عندما طرد من الجامعة العربية. وربما وجد في إيران ورقة ضغط لاستمرار السيطرة على لبنان. ومن هنا فالتأثير العربي الذي يعول عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير واقعي وسيواصل غاراته للحد من التأثير الإيراني ووضع كما تقول إسرائيل خطوطها الحمر وهو عدم السماح لإيران ببناء قواعد عسكرية ثابتة قرب حدودها.

الخروج عن السيطرة

والفرق في الوضع الحالي هو أن الحرب باتت على المكشوف. إلا أن هناك مخاوف من تصعيد الحرب وانتشارها خارج الساحة السورية كما أشار تحليل بمجلة “تايم” الأمريكية (25/1/2019) وقال إن عنف الأسبوع الحالي أكد على المخاوف من أن محاولة كل بلد وضع الخطوط الحمر هو ما دفع بحرب الظل لتصبح مفتوحة. وترى المجلة أن ما يطبع خطوط كل طرف هي استراتيجية ردع. فحسب بيام محسني، مدير برنامج إيران في مركز كيندي بجامعة هارفارد، فوجود إيران والميليشيات التابعة لها قرب الحدود الشمالية لإسرائيل هي محاولة لمنع هجوم إسرائيلي على إيران. ويرى محسني أن هذا الوجود هو بمثابة تغيير لقواعد اللعبة حيث تحاول طهران تحويل سوريا إلى “قاعدة تخندق عسكري”. مع أنها تنفي أي وجود عسكري لها غير المستشارين. ويرى أريان طبطبائي من معهد راند إن الجمهورية الإسلامية خسرت 2.000 من مقاتليها وأن التزامها بسوريا هو الأهم منذ عقود. إلا أن الوجود الإيراني لا ينحصر بقوات الحرس الثوري بل وبالمقاتلين الشيعة الذي أحضرتهم من الخارج والميليشيات المحلية. ويقدر طبطبائي أن عدد المقاتلين الأفغان الذين سقطوا في سوريا يتجاوز عشرات الآلاف. وضمت الخزانة الأمريكية لواء الفاطميين من المقاتلين الأفغان ولواء الزينبيين من المقاتلين الباكستانيين الشيعة لقائمة الجماعات التي تشملها العقوبات الأمريكية. وفي الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل وإيران تجنب مواجهة عسكرية شاملة إلا أن إمكانية حصول خطأ في الجو كما حدث العام الماضي أو ضرب المقاتلات الإسرائيلية هدفا روسيا تظل قائمة وقد تشعل الوضع. وتبدو روسيا معنية بعدم خروج النزاع عن السيطرة فهي كما يقول جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا في مجموعة الأزمات الدولية تحاول لعب دور “حيادي” من ناحية أنها لا تريد إيران الانتصار ولا إسرائيل أيضا. إلا أن الشكوك تظل قائمة حول الدور الروسي بالحد من قدرات إيران على التأثير، خاصة أن خروج أمريكا سيعطي الميليشيات التابعة لها الفرصة للتحرك بحرية في المناطق الحدودية بين سوريا والعراق، وبالضرورة تقوية الممر البري الذي أقامته إيران من حدودها عبر العراق وسوريا حتى البحر المتوسط. كل هذا دفع بإسرائيل الخروج للعلن.

آلاف الغارات

ومن هنا تفهم الطريقة التي تم فيها ترتيب خروج رئيس هيئة الأركان المشتركة غادي ايزيكنوت للتقاعد حيث تحدث إلى صحف إسرائيلية وأمريكية عن عمليات إسرائيل ضد إيران وقال إن المقاتلات الإسرائيلية شنت “آلافا” من الغارات ضد المصالح الإيرانية في سوريا منذ عام 2011 وفي العامين الماضيين شنت مئتي هجوم. وربما كانت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين موجهة للأمريكيين بقدر ما هي موجهة للروس وهي أنهم يستطيعون الاعتماد على أنفسهم لمنع إيران من التمترس في سوريا.

تخبط أمريكا

 وفي هذا السياق أشارت إليزابيث تسوركوف بمقال نشره موقع “نيو ريببلك” (14/1/2019) إلى أن إسرائيل كثفت جهودها ضد إيران في سوريا بعد جولة قام بها مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو بالمنطقة وقصد منها طمأنة الحلفاء وتأكيد التزام أمريكا بأمن الحلفاء حتى بعد خروجها. وترى تسوركوف أن السياسات الأمريكية غير الواضحة أسهمت في تشوش الوضع حيث عبر المسؤولون الإسرائيليون ومنذ انتخاب ترامب عام 2016 عن إحباطهم من التباين بين الخطاب الداعي للحرب مع إيران وبين الأفعال على الأرض. وفي الوقت الذي حاول فيه مسؤولون في الإدارة نقل الخطاب المعادي لتنظيم “الدولة” والتدخل الأمريكي وتحويله إلى محاولات الحد من تأثير إيران إلا أن ترامب رفض المحاولات.  وبدا واضحا في تغريدته التي كتبها في 19 كانون الأول (ديسمبر) الماضي عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو ما بدد أي أمل بقيام الولايات المتحدة بالحد من الطموحات الإيرانية بالمنطقة. وتقول إن إسرائيل عبرت عن قلق أكثر من انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف، على المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن. فسحب القوات الأمريكية وخروج المقاتلين الذين تدعمهم سيقصر من خط الإمدادات الذي استثمرت فيه إيران كثيرا. وكان بولتون قد أكد في زيارته هذا الشهر لإسرائيل بقاء القوات الأمريكية في التنف. وتعتقد أن المحاولات الإسرائيلية لردع إيران مهما كانت كثافتها تظل فاشلة، فهي وإن حاولت منع حزب الله تعزيز ترسانته الصاروخية إلا أنها غير فاعلة لمواجهة التأثير الإيراني على الجيش السوري والميليشيات التي تدعمها علاوة على جهود طهران لكسب عقول وقلوب السوريين من خلال توفير المساعدات الإنسانية لهم. وفي ظل تغير ميزان القوى السوري وانتصار الأسد وحلفائه وعدم استعداد أو رفض روسيا لعب دور الوسيط يعني أن سوريا ستظل ساحة للتنافس الدولي، وأي خطا في النزاع الذي تم احتواؤه الآن قد ينتشر إلى إسرائيل ولبنان. وضمن هذا السياق تفهم محاولة واشنطن التخفيف من آثار القرار المتعجل من خلال البقاء في قاعدة التنف. وأشار تقرير في مجلة “فورين بوليسي” (25/1/2019) إلى أن إدارة ترامب تفكر بالبقاء في القاعدة لمواجهة إيران. مع أن الهدف الرئيسي منها كان مواجهة مقاتلي تنظيم “الدولة”. ونقلت المجلة عن مسؤول عسكري سابق قوله “تعتبر التنف عنصرا مهما لمنع إيران من محاولات إنشاء خط اتصال بري من أراضيها وعبر العراق وسوريا وإلى جنوب لبنان لدعم حزب الله هناك”. وبناء على خطة الانسحاب فستكون القوة المكونة من 200 جندي أمريكي في القاعدة آخر من ينسحب من سوريا. إلا أن الخبراء يرون أن واشنطن ستجد صعوبة في تبرير وجودها في التنف بناء على صلاحيات استخدام القوة العسكرية لقتال القاعدة الصادر عام 2001 ومواصلة استخدامه لمحاربة تنظيم “الدولة” أو ضرب دولة لم تستفزها. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بقرار الرئيس سحب القوات نظرا لأن مهمتها لمحاربة تنظيم “الدولة” قد أنجزت. وتحاول أمريكا عبر هذه الخطوة تطمين إسرائيل والحلفاء بأنها ستواصل العمل على مواجهة إيران حتى آخر جندي لها في سوريا كما أكد بومبيو في القاهرة. لكن خطواتها ترتطم بعراقيل كما بدا في القمة التي أعلن عن عقدها الشهر المقبل في وارسو البولندية لتنظيم الجهود ضد إيران. وقالت روسيا إنها لن تشارك بها. وتحولت حسب “الغارديان” (24/1/2019) إلى مجرد “عصف دماغي” يتناول قضايا متعددة بدلا من التركيز على إيران.

حرب في فيينا

ولا تملك واشنطن غير وسيلة العقوبات ضد إيران والتي تلوح الآن باستخدامها ضد الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن لم تتعاون معها. ففي تقرير لموقع “بلومبيرغ” نقلت فيه عن جهود السفارة الأمريكية في فيينا لدفع الدبلوماسيين لفتح تحقيق في الجانب العسكري من الاتفاقية النووية الإيرانية إلا أنها لم تحقق أي تقدم. وتقوم أمريكا ومنذ أسابيع بممارسة الضغوط على الوكالة مهددة بفرض عقوبات ومطالبة بتفتيش أكثر صرامة للمنشآت النووية الإيرانية حسبما أظهرت وثائق وتصريحات دبلوماسيين. ويعلق الموقع أن محاولة الولايات المتحدة الضغط على الوكالة التي لعب مفتشوها دورا مهما في تطبيق برنامج العقوبات ضد إيران تظل نادرة. وتشير الحادثة إلى المصاعب التي تواجهها في إقناع الحلفاء من أجل متابعتها في سياستها الإيرانية. وحضر اللقاء الذي انعقد في 20 كانون الثاني (يناير) 70 دبلوماسيا يعملون مع الوكالة التي تقوم بمهمة التحقق من التزام إيران ببنود الاتفاقية النووية التي خرج منها ترامب في أيار (مايو) 2018. واستمع الدبلوماسيون إلى ما قال مستشار الأمن القومي جون بولتون عن وجود “أدلة جوهرية” تشير لكذب إيران على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ونقل التقرير عن إيلي جيرمايا الزميل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله إن هناك حسا بالإحباط داخل الإدارة وأن الحملة لإجبار إيران للتفاوض من جديد ليست ناجحة. وجاء في التقرير أن أساس دليل بولتون هو تحليل قام به مركزان معاديان لإيران وهما مركز الدفاع عن الديمقراطية ومعهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن. واستخدم المركزان بيانات حصلا عليها العام الماضي من إسرائيل. وقال الباحثون إنهم اكتشفوا منشأة إيرانية غير معروفة وثغرات في تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحسب الوثائق التي وزعت في اللقاء واطلع عليها موقع “بلومبيرغ” فإن المعلومات الجديدة تقتضي من الوكالة “إحياء التحقيق في ماضي إيران وبرامجها للأسلحة النووية”. وطلبت أمريكا معلومات عن المواقع الإيرانية التي يتم تفتيشها وهددت بعقوبات على برامج التعاون الفني للوكالة مع إيران. ويحاول الدبلوماسيون التعاون مع الولايات المتحدة لتجنب أزمة سيناريو تصعيد يؤدي إلى أزمة مع إيران ويجبر الوكالة الدولية لإعادة النظر في معلومات عمرها 20 عاما ويغلق الباب أمام الدبلوماسية بعواقب مأساوية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية