■ يحمل بطل رواية «حارس التبغ» لعلي بدر الهم الوجودي المعروف: وهو علاقة الإنسان بواقعه. هل نحن نختاره أم أنه مفروض علينا. فقد كان ضياعه بين ثلاث حضارات وثلاث هويات متعارضة، يعاني من تأثير الرهبة والخوف على الافتراضات أو الخيارات المتاحة. فهي خيارات الواحد منها يحجب الآخر ولكن لا يلغيه. وباعتقادي هذا هو موضوع رواية «غبار» ليائيل دايان. ومع أن الرواية صغيرة وأشبه بقصيدة عن حب الأرض، لكنه حب من طرف واحد. إنها ترتكب الخطأ الذي يعمي الغريزة عند المثليين، ويحولها من الموضوع إلى الذات. بمعنى أنه يكبلها بقيود نفسها. فالحب في رواية دايان هو بين الثلاثي غير الأوديبي: يهودية ويهودي وأرض مهجورة ولا وجود لها إلا في الأساطير التوراتية. في حين غابت صورة العرب من المشهد. ناهيك عن الماضي الإسلامي للمجتمع. وبظني إن شخصيات «غبار» نسخة معدلة من فلسفة دانييل ديفو عن ملحمة البورجوازية الصغيرة وهي تبحث لنفسها عن رأسمال ثابت وقضية. وإذا كان لا بد من تفاصيل. نستطيع القول إن الرواية الإسرائيلية بشكل عام أشبه بحوار مع الذات. فهي بمثابة مرحلة «عودة الروح» عند توفيق الحكيم. إنها اكتشاف لحضارة مهدورة وقضية نائمة. بينما تستمر الأرض بحالة ذهول وغياب عن الوعي لأنها أب وأم، أو بطل مخنث، يقدم لك المهد والشعور بالأمان في العلاقات الرحمانية (وهنا أستعير الكلمة من زكي الأرسوزي). فالمشاعر تأخذ دور وعي أنطولوجي بما هو ظاهر وبحد ذاته. بتعبير آخر: الأرض تلعب دورا لا يمكن تحديده، لأنه حالة التباس بين أمنية وواقع، الأمنية رومانسية ومخملية، والواقع خشن وصعب، ويفرض عليك الكدح بدون مزيد من العطاء، وهو كدح مشروط وغيبي ويغطيه الغبار، وكل ذلك بمبادرة رمزية تدل على الضياع واللاجدوى ولكن الضرورة.
الحب في رواية دايان هو بين الثلاثي غير الأوديبي: يهودية ويهودي وأرض مهجورة ولا وجود لها إلا في الأساطير التوراتية. في حين غابت صورة العرب من المشهد.
البطل اليهودي
هذه العلاقة لم تكن لتجد معادلا موضوعيا لها في الحياة المادية، وكان من المفروض على البطل اليهودي أن ينتقل إلى العالم الآخر ليبحث عن نفسه بين ركام النظريات ورواسب التاريخ، كي يفهم موضعه الدائم من وجوده الطارئ والأسطوري (كما فعل إتجار كيريت في رواياته القصيرة وقصصه). وإتجار كيريت، بسخريته وفكاهته السوداء، وحده من وظف عناصر من «رسالة الغفران» لينظر إلى العالم الحقيقي، وهو ينمو في داخله وضمن مساحات احتلها الفراغ الروحي مع أوهام ذات عتاد قومي أو ديني. ولا يوجد مثال أوضح من الأدب الإسرائيلي لتوضيح فكرة التعايش مع الشك والندم بمعنى الإحساس بالخطأ الداهم (وليس الخطيئة). فالحالة ليست دينية (نحن لا نحمل إثما ميتافيزيقيا) ولكنها مشكلة مع التاريخ وموقع الذات منه (كما يؤكد عاموس عوز في أولى أعماله الروائية «حبيبي ميخائيل»). والإشارات في هذه الرواية لها علاقة بالذاكرة قبل أن تكون ناجمة عن الروح. وهي ذاكرة ملفقة في معظم الأحيان، بمعنى أنها ذاكرة مفضّلة. وهذا هو سبب الشك المنهجي، وتراه بشكل إسقاطات على الذات، بينما هو في الأدب الفلسطيني بشكل تفجع ونواح. يعني هو موضوع لقضية تحتاج لإثبات.
لا يوجد في أدب عوز عدو واضح ولكن خوف من حالة تاريخية رمزية لها مضمون وجودي.
العدو المفترض
لا يوجد في أدب عوز عدو واضح ولكن خوف من حالة تاريخية رمزية لها مضمون وجودي. فالبحث عن الأرض تحدوه دوافع غامضة، ودائما يخيم الضباب على جو الأحداث أو تلفه رياح الخماسين بالإظلام والسواد، والحروب تأخذ شكل تطهير للأرض، ونادرا ما تلجأ الشخصيات للحوار. وهنا كل المسألة. انعدام الحوار بسبب غياب المحاور. وتترتب على ذلك أزمة حقيقية هي في عدم الاستعداد لتعريف الأرض من خلال الإنسان، وكأن الواقع تابع للذاكرة، وأن الذاكرة جاهزة. إنها ذاكرة فرويدية يهيمن الأركيتايب على كل أطوارها، وبدون أي مجال لقطيعة معرفية. ولكن يمكن أن تتلمس عدة أشكال من التجاور بحكم الأمر الواقع. وفي رأيي إن الأدب الإسرائيلي المعاصر الذي ينحو بشكل واضح للتعايش، ويبحث عن حل منطقي ويشمل كل الأطراف، هو في واقعه بديل نفسي، وبعيد عن المضمون الروحي للحضارة العارية. وبتعبير آخر، إنه يستبدل الشحن والغلو، بالبذل والتمهيد. وتجتاحه أساليب من غسيل الدماغ، أو تفريغ الأرض مقابل التفريغ الروحي. وفي هذه الفجوة يفترض إنشاء صيغة تفاهم. لكن ما يجري فعلا هو إعادة تشكيل للذات، وفق مصالح أنانية. وأعتقد أن مثل هذه الصيغة هي جزء من خدعة يجب أن تنطلي على الآخر بقدر ما تنطلي على نفسي. إنها تكمل تحرير الذاكرة من نفسها أو من الحقيقة، بتحرير الواقع من حاضره أو من ماضيه. وعليه لم يكن هناك حل لمشكلة الحب المختلط، فقد حكم عليه بالفشل، وبشكل يعيد للذهن الصراع مع الذات والبيئة (كما في قصائد هاغيت غروسمان أو روايات أهارون أبلفيلد). إنه غرام بين لاشعور الإنسان ونفسه. بمعنى أنه تصعيد من الذات وللذات، وتقترن به المشاعر السيادية مع المشاعر المكبوتة باعتبار أنه صراع غرائز ضمن جوهر واحد. لذلك لا نتوقع في النتيجة غير نهايات راديكالية ومجحفة كالموت أو الجنون.
حبكة المرويات الإسرائيلية أو ظاهرتها في سردها الملحمي للواقع تركز على إعداد الذات والاندماج بالأرض والطبيعة بدون أي فرق بين عناصر التذكير والتأنيث، أو بين مشاعر السعادة والرهبة.
أسطورة المخلّص
إن حبكة المرويات الإسرائيلية أو ظاهرتها في سردها الملحمي للواقع تركز على إعداد الذات والاندماج بالأرض والطبيعة بدون أي فرق بين عناصر التذكير والتأنيث، أو بين مشاعر السعادة والرهبة. وهكذا إنها تكسر مبدأ إيمانيا للوجود هو مبدأ الرقابة خشية من الموت. إنها سرديات تنطوي على فكرة جاهزة وتحاول تجريدها بحكاية، حتى أن الأرض موجودة بحالة انتظار للمخلص (وهو أيضا مستثمر رأسمالي) يقيس كل شيء بميزان الربح والخسارة. وفي معظم الحالات تبدو السماء وكأنها نسخة عن الأرض، أو انعكاس ذهاني (كما ورد في بداية الكلمات والأشياء لفوكو). فالواقع تجريدي وغير نسبي ويفتقد لقانون السببية. ولا تعرف سببا منطقيا واحدا لحالة التصوف والانطواء التي تدمج الإنسان بالأرض.
ومن المؤكد أن السبب التاريخي غير وارد، فهو سبب مكتوب باللوح المحفوظ (إن صحت العبارة). وأي رحلة لليهودية السياسية في السرد تبدو لي أشبه بالبحث عن ينبوع الشباب الأبدي. فالسعادة مرتبطة بالعودة إلى الينابيع، وبدورة أسطورية مكتوبة قبل ظهور الإنسان. ولا شك أن التفسير اللاهوتي للتاريخ يختلف جذريا عن التفسير الواقعي له. أما بالنسبة للمعارك الطاحنة، التي تحفل بها هذه الأعمال، هي مشاحنات مازوشية إن نظرت لها بنظرة ثاقبة، أو صراع مؤلم مع القدر وتعجيل بالمصير المحتم. ففي حال غياب العدو الحقيقي، والتعامل مع الطبيعة على أنها اعتداء على الذات، لا يترك مجالا لغير النشاط الذهني. فالتاريخ هنا يمشي على رأسه.
ويجب على الواقع أن يعكس رغبة ذاكرة مسبقة الصنع.
وضمن هذا الجو لا يمكن أن تستغرب الأشكال المتعددة للغرام الممنوع. ويفسر أنطوان شلحت هذه المشكلة بقوله: إن للأدب الإسرائيلي غاية مضمرة، لا ثاني لها، وهو الدوران حول ذاته، وتجميل وجه الإيديولوجيا الصهيونية. وطبعا يقصد السياسة الكولونيالية التي تضع نصب عينها القضم أو الاستيعاب.
٭ كاتب سوري