الدين والثورة

حجم الخط
0

ما استفزني لكتابة هذا المقال ما نشر في جريدة ‘القدس العربي’ بتاريخ 7 شباط/ فبراير حول خطب بعض الأئمة في السعودية ضد ثورة الشعوب. أول ما يجب أن يشار إليه هو دعوة هؤلاء الأئمة والخطباء إلى عدم تشويه الصورة الجميلة للإسلام. فالدين الإسلامي دين ثورة بالأساس. أليس الإسلام ثورة ضد الوثنية؟ أليس الإسلام ثورة ضد العصبية القبلية؟ أليس الإسلام ثورة ضد الظلم والفساد؟ أليس الإسلام ثورة ضد التمييز بين البشر على مختلف المستويات؟

هل حقق الحكام العرب رفاها لشعوبهم؟ هل طبق الحكام دساتيرهم التي سطرت حسب هواهم؟ هل وزعت الثروة توزيعا عادلا؟ من كان يؤمن بالله ورسوله فليقل خيرا أو ليصمت. إن الساكت على الظلم شيطان أخرس. فما بالك بمن يقف إلى جانب الشيطان نفسه باسم الإسلام؟

لو نظرنا إلى تونس والثورة التي قامت فيها، أولا يكذب كل من يدعي ولو تلميحا أن لأطراف أجنبية دخلا في هذه الثورة من أي نوع كان، حتى المعارضة المعترف بها وغير المعترف بها لم يكن لها حراك في انبثاق هذه الثورة وتفجيرها، هل دعا الإسلام إلى قطع الأرزاق؟ شاب سدت في وجهه كل أبواب الرزق فأحدث لنفسه عملا يسترزق منه. عربة خضر وفواكه يجوب بها شوارع بلدته صباح مساء يبيع بضاعته لينفق على نفسه وأمه وأخواته، من هامش الربح. أي جريرة ارتكبها هذا الشاب حسب الشرائع السماوية والشرائع الوضعية. يطارد هذا الشاب في لقمة عيشه. ينكدون عليه حياته، ثم تصفعه امرأة على مرأى من الناس في مكان عام. ينطلق الشاب يطرق الأبواب لتقديم شكواه فتوصد دونه كل الأبواب، يسكب الشاب على نفسه البنزين ويشعل جسده بعد أن اشتعل من داخله، وبفعله تقوم ثورة في تونس. أيها الشيخ هل دعا الإسلام إلى منع المرء في بلاد الإسلام من الاسترزاق؟ هل أباح الإسلام إهدار كرامة المسلم حتى تصفعه امرأة أمام الناس من دون أي ذنب اقترفه؟ هل أوصى الإسلام بإيصاد أبواب أولي الأمر أمام المظلومين؟ وكانت شرارة الثورة في تونس، ثورة اقتلعت الطغيان والظلم والجبروت، ثورة كشفت ما كان يخفيه ما ظهر من جبل الجليد، لم يكن الحاكم التونسي قبل الثورة دكتاتورا فحسب، بل كان وزوجته من أكبر عصابات الإجرام والفساد من كل الأنواع. أتدري أيها الشيخ الذي لست جليلا أن الحاكم التونسي كان يعتبر صلاة الفجر حاضرا بالمسجد جريمة؟ أتدري أيها الشيخ الذي لست جليلا أن التونسية التي كانت تستر شعر رأسها تطارد وتستدعى إلى مراكز البوليس وتمنع من الدراسة والعمل، ويصبح سترها لشعر رأسها جريمة. أتدري أيها الشيخ الذي لست جليلا أن الثروات التونسية نهبت نهبا ولم يسلم لا المال العين ولا المال العقار ولا حتى آثار البلاد. زر تونس أيها الشيخ الذي لست جليلا واستمع إلى من افتكت أراضيهم وافتكت منازلهم وافتكت شركاتهم وستعلم أي جحيم كان يعانيه الشعب التونسي، والحزب الحاكم يبارك ويساند ويدعم، والبوليس يحمي السارق ويعاقب المسروق، والقضاء لا يحكم بالقانون، بل يحكم بما يملى عليه. أتدري أيها الشيخ الذي لست جليلا أن الحاكم التونسي أقسم بالله العظيم أنه يحافظ على الدستور ويطبق القانون. لكنه كلما انتهت مدة حكمه دستوريا يحنث في قسمه ليعبث بالدستور ويمدد في أمد طغيانه؟ هذا في تونس سمحت لنفسي بالإطناب لأنني تونسي ويشرفني أن أكون تونسيا والشأن شأني لا شأنك أيها الشيخ الذي لست جليلا. في مصر والشأن يهم المصريين ولا حق لي ولا حق لك في الخوض في شأن المصريين فالبيت بيتهم وهم أدرى بأمورهم. لكن أطرح عليك أيها الشيخ الذي لست جليلا سؤالين.. السؤال الأول: أية شريعة تبيح للحاكم المصري بيع الغاز لإسرائيل بثلث الثمن العالمي، وبيع نفس الغاز للمصريين بالثمن العالمي؟ أجبني جوابا يقنعني أيها الشيخ الذي لست جليلا. السؤال الثاني: أية شريعة تبيح للحاكم المصري إغلاق كل المنافذ بين العالم وسكان غزة؟ بما أنك تخطب من منبر في المملكة السعودية، أسألك سؤالا واحدا وأمر. هل توزع الثروة من ريع البترول توزيعا عادلا بين كل رعايا المملكة؟ إذا كنتم تخشون الحاكم لعدم قدرتكم على تحمل جبروته إذا عارضتم، أو خوفا من فقد الامتيازات، فاتركوا الشعوب تصارع مصائرها ويكفيكم أن تتحدثوا عن الحيض والنكاح والطلاق واتركوا الخلق للخالق، أو إذا كنتم فعلا أعداء للثورة، فإن الثورة تكفل لكم الحق في إبداء آرائكم لكن انسبوا مواقفكم لأنفسكم لا للإسلام، لأن الإثم وقتها يصبح إثمين، وصدق الله حيث يقول: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون. صدق الله العظيم.

عبد الوهاب الفقيه رمضان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية