1
العشقُ العلني هو من المحظورات في ثقافتنا القديمة، وينبغي أن لا يذهب بنا الظن إلى أن ثقافتنا القديمة هي ثقافة اللاحُب أو أن بيئتنا القديمة هي بيئة اللاعشق، بل هي ثقافة الحب وبيئة العشق، غير أن المجتمع العربي كان قديما يفرض على وشيجة الحب السرية والكتمان، وكان يُحيط – قديما دوما – آصرة العشق بالصمت والسكوت. ولسنا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذا المجتمع هو مجتمعُ الحب الصامت والعشق الخافت، ﻷنه يُجابهُ تدويل الحَمِيمِي وعلمنة الذاتي، ويَحْظُرُ – كذلك ، «المشاعة العِشْقِية» والدعَاية العاطفية، ويُرَوجُ بالمقابل لِحُب الزوايا المعتمة، ولعشق الهوامش غير المأهولة، أي لوصالٍ يُقتنصُ في غفلة من العواذل، ولِلقاءٍ يُغتنمُ بعيدا عن مدارات الأنا القَبَلِي، ولِلَمةٍ تُختلسُ أثناء قيلولة القبيلة. ونحن، هنا، لسنا نفتري على ثقافتنا القديمة، ﻷن القصائد الشعرية – كحفريات على هذه الأزمنة – تَشِيحُ عن هذه الحقائق، فوشيجةُ الحُب كما تحفظها هذه الحفريات، مُنْكَتِبَةٌ – دوما – في زمن الليل، مُنْعَقِدَةٌ – عادة – في هوامش القبيلة، مَحْفُوفَةٌ دوما بالمَشَاق والصعاب، ومَمْهُورَةٌ عادة بالتحدي والمغامرة. من هنا، يمكن القول إن الحُب في ثقافتنا القديمة هو تَحَدي المغامرين الذين لا يهابون ركوب الصعاب، وهو من زاوية أخرى مِحْنَة الأرواح التي تُدَحْرِجُ بدون جدوى صَخْرَةَ الأعراف.
وبالمختصر المفيد، نقول إن ثقافتنا القديمة تَحْظُرُ، عرفيا، الحُب العَلَنِي أو المُجَاهَرَة بالعشق، غير أنها، في المقابل، تتواطأُ مجتمعيا مع كل حُب ينكتب في الخفاء، أو في عبارة أخرى، إن العقل العربي كان قديما يَحْجُرُ على فِعْلِ الحب لَما يُبنى للمعلوم، في حين يَغُض على فعل الحب لَما يُبْنَى للمجهول. يُعارضُ، علناً، العشقَ – المعرفة، في حين يُؤَيدُ، سرا، العشقَ – النكرة. يُعَاقِبُ العَاشِقَيْن لَما يُشارُ إلى عشقهما بالبَنَان، ويُسامحُ المُحِبيْن لما يَستعينان على حُبهما بالكتمان.
ثقافتنا القديمة تُحاربُ العشق العلني، أو تجرم المُجَاهرة بالعشق. ومنه، فالعشقُ العلني هو جُنْحَةٌ في ثقافتنا القديمة، أو بصيغة أخرى، إن المُجَاهَرة بالعشق هو جِنَاية في أعرافنا القديمة.
لا مَشَاحَة من القول، إذن، إن ثقافتنا القديمة تُحاربُ العشق العلني، أو تجرم المُجَاهرة بالعشق. ومنه، فالعشقُ العلني هو جُنْحَةٌ في ثقافتنا القديمة، أو بصيغة أخرى، إن المُجَاهَرة بالعشق هو جِنَاية في أعرافنا القديمة. ولا ينقلبُ العشق إلى جُنْحة إلا حين يَتَغَزلُ الشاعر بالمرأة – الحبيبة. بهذا المعنى، فالقبيلةُ لا ترمي الشاعرَ – العاشقَ بِتُهْمَة (العشق العلني) إلا حين يقترفُ الحُب عن سَبْقِ جَهْرٍ وَتَصْرِيح. ولا شك في أن القصيدة، والحال هذه، هي شهادةُ الإدانة، أو هي وثيقة تُوَثقُ آثار الجريمة. وحَرِي بالتسجيل أن القبيلة تَحْرِمُ الشاعر إذا ضُبِطَ مُتَلَبساً بِجُنحة العشق العلني، من الزواج بالمرأة – الحبيبة، أو بتعبير آخر إن القبيلة تُطَلقُ رمزيا، الشاعر – المُتَلَبس من المرأة – الحبيبة، بل إنها تُخْضِعهما للمراقبة، وتَفرضُ على المتورطين «حَجْراً عِشْقِياً». وقد يصلُ الحُكْمُ – في بعض الحالات – إلى فرض «الإقامة الجبرية» على المرأة – الحبيبة أو الزواج القَسْرِي درءا للعار وطمسا للفضيحة.
2
قيس بن الملوح هو شاعرٌ ضُبِطَ مُتَلَبساً بجنحة العشق العلني، وهو من جهة أخرى، من الشعراء الذين ذاقوا العذاب الأليم بسبب زعزعة أعراف القبيلة، أو هو من الشعراء الذين طَبَقَتْ عليهم القبيلة «حَد» (المُجَاهرة بالعشق). والحُكْمُ – كما تُوَثقُهُ المرويات السائرة – هو حرمان قيس بن الملوح من الزواج بِليلى العامرية. ونحن، هنا، ليس يشغلنا أن نضيء الخَضات النفسية والانهيارات الجسدية التي كابدها قيس بن الملوح بسبب هذا الحكم، بقدر ما يشغلنا أن نَجْلُوَ الأسباب وأن نستكنه الدوافع التي وَرطَتْ مجنون ليلى في جنحة العشق العلني، أو بصيغة أخرى، إننا، هنا، منشغلون بالبحث عن جواب للسؤال الآتي: لماذا تغزل قيس بن الملوح بليلى، على الرغم من أن قيس فَقيهٌ بالعواقب الوخيمة لهذا الفعل الآثم في شريعة القبيلة؟ ونحن، هنا، غيرُ مقدمين إجابات قاطعة (ومن يملك أصلا الجرأة على ذلك) بل نحن طارحونَ افتراضات قد تَصلحُ جوابا على هذا السؤال، وقد تبرر، من جهة أخرى، العناد أو الثورة القَيْسِية (نسبة إلى قيس بن الملوح):
الافتراض الأول: المُجَاهَرَةُ بالعشق هي احتجاجٌ على شريعة الكتمان واستعادةٌ لفضيلة الجهر، أو بتوصيف آخر، إن قيس بن الملوح جَاهَرَ بالعشق نِكَايَةً في أعراف القبيلة التي تَحْجُبُ الجميل (الحب كقدر جميل) وتُذيعُ القبيح (الحرب كابتلاء قبيح). تَحْظُرُ الطهارة (الحب كَمُطَهر)، وتزكي البشاعة (الحرب كَمُلَوث). تُحاربُ الدفء والأمن (الحب كملجأ)، وتُشجعُ على الثأر والقصاص (الحرب كَمِقْصَلة).
المجاهرة بالعشق هي مُحَاوَلَةُ لِقَلْبِ كل القيم ولِهَدْمِ كل الأعراف، ومن هذه القيم الوصاية على المرأة، والزواج القَسْرِي، وكَبتِ الأحاسيس، وتجريم الدعاية العاطفية.
من هنا، فالمجاهرة بالعشق هي دعوةٌ ضمنية إلى إخفاء المرئي (الحرب كطقس يومي بين القبائل العربية) وإظهار اللامَرْئي (الحب كعادة سرية بين الأفراد). وهي نداءٌ ضمني إلى تجريم اللاإنساني (سفك الدماء) وتشريع الإنساني (الحب). وصرخةٌ – غير مباشرة – لاستهجان اللامُسْتَهْجَن بين القبائل (البغض والثأر) وتشريف اللامُشَرف في القبائل (الحب والسلم). لا شك، إذن، في أن المجاهرة بالعشق هي مُحَاوَلَةُ لِقَلْبِ كل القيم ولِهَدْمِ كل الأعراف، ومن هذه القيم الوصاية على المرأة، والزواج القَسْرِي، وكَبتِ الأحاسيس، وتجريم الدعاية العاطفية، وكَأَن (مجنون ليلى) حين جاهر بالعشق يُؤسسُ لقيم جديدة، كقيمة الحرية والاستقلال، وقيمة الرغبة والإشباع. ويُدَشنُ أعرافا غير معهودة، كَعُرْف الاختيار والمسؤولية، وعُرْف الفردانية والاختلاف. ويُشَرعُ لفضائل غير دارجة، كفضيلة الجمال والأنس، وفضيلة الدفء والأمن.
الافتراض الثاني: المجاهرة بالعشق هي من أعراض الاعتلال النفسي والاختلال الوجداني، فإصرارُ قيس بن الملوح على الدعاية العاطفية – علما أن (مجنون ليلى) غير جاهل بأعراف القبيلة، وبالتالي بالعقوبات التي تسلط على كل مُتَلَبس بِجُنْحة (العشق العلني) – هو دليل على أن هذا الشاعر هو شخصية مَازُوخِية، وهذا النوع من الشخصيات – كما هو متداول في علم النفس – يتلذذ بتعذيب الذات، بل يَجْتَرِحُ على الدوام مسالك أخرى لجلد الذات الذي ينقلبُ إلى مُشْرَب للذة ومنبعٍ للمتعة. والمتتبعُ لقصة قيس بن الملوح وتَمَلْمُلَاتِها لا بد أن يلاحظ أن هذا الشاعر لم يكن يوما يداوي جراحاته النازفة والمُتَغَلْغِلَة، بل كان يُوَفرُ لها أسباب الاستدامة في النزيف وعوامل التمادي في التغلغل. ولا بد أن يلاحظ، كذلك، أن قيس بن الملوح لم يكن يُجْبِرُ قلبه الكَسِير ولم يكن يُطْفِئُ وجدانه المحترق، بل كان يُدْمِي هذا القلب بِمُدْيَةِ الأحلام غير الواقعية، ويُلْهِبُ هذا الوجدان بزيت الأماني المُسْتَحيلة. غير أن قيس بن الملوح وَاجِدٌ – من يدري – في هذه العذابات مُتعة وفي هذه الأَنات لذة، ومُغْتَنِمٌ ربما من هذه المأساة سعادةً قصوى وراحةً مديدةً.
الافتراض الثالث: المُجَاهرة بالعشق هي دليلٌ يُثْبِتُ أن قيس بن الملوح عاشقٌ للقصيدة ومُحِب للشعر، وهي – بالمقابل – حُجةٌ تنفي أن قيس بن الملوح عاشقٌ لِليلى العامرية، بل إنها سبيلٌ إلى الحُب الأَولِ (أَيْ الشعر)، وطريقٌ إلى المنزل الأَولِ (أَيْ القصيدة). ﻷن قيس بن الملوح لو كان حريصا على ليلى لما تَغَزلَ بها، خَاصة وأنه عالمٌ بأهوال هذا الفعل الآثمِ في عُرْف القبيلة. وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن ليلى العامرية هي مِعْراج قيس بن الملــوح إلى ملكوت الكلمة، وأن الحُب هو الغَيثُ الذي يَرْوِي حَب الشعرِ في حُقُول قيس. من هنا، فَمجنون ليلى هو والحال هذه (مجنون القصيدة)، وأن القصيدة – والحال هذه – هي المرأة الحبيبة أو هي الأنثى الحُلُم التي كابد قيس بن الملوح من أجل عينيها، وأن ليلى العامرية هي والحال هذه، «قُرْبَان» تَقَربَ به قيس بن الملوح من «رَبات الشعر».
٭ كاتب مغربي