بغداد-“القدس العربي”: تتفجر بين آونة وأخرى أزمات بين الهيئات الدينية والسياسية (السنية والشيعية) في العديد من مدن العراق، على خلفية اتهامات للوقف الشيعي بمحاولة الاستيلاء على أراض وعقارات عائدة للوقف السني وسط وشمال العراق منذ عام 2003 وحتى الآن.
وانطلقت هذه الأيام موجة انتقادات جديدة من قبل هيئة الوقف السني وسياسيين وأهالي المناطق السنية ضد محاولات الوقف الشيعي للاستيلاء على المزيد من العقارات والأراضي والممتلكات العائدة لهم تحت مختلف المبررات والحجج، وسط سكوت حكومة بغداد عن هذا النزاع الذي خلقه الاحتلال الأمريكي منذ عام 2003 عندما قسم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية إلى وقفين سني وشيعي، ضمن محاولات تقسيم المجتمع العراقي.
وفي هذا الصدد طالب عضو مجلس النواب عن نينوى شيروان الدوبرداني، رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي بـ”التدخل فورا للحد من اغتصاب الأرض في نينوى من قبل ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون”. وأكد في بيان أن “التجاوزات التي تحصل من أكثر جهة، مرفوضة وسيكون لنا موقف حازم تجاه مثل هذه الانتهاكات بحق نينوى داخل مجلس النواب”. وذكر “لقد أوضحنا وكشفنا عن هذه الحقائق وكذلك عن سرقات وتهريب النفط ووجود مكاتب اقتصادية تدار من قبل جهات تابعة للحشد الشعبي في تقريرنا ضمن لجنة تقصي الحقائق والتي سنقوم بإيصالها إلى مكتب رئيس الوزراء”.
وأشار دوبرداني إلى أن “هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها التجاوز على أرض نينوى وأهلها فقد سبق وأن تم الاستيلاء على أراضي نينوى من قبل أكثر من جهة”.
وطالب ديوان الوقف السني، محافظ نينوى نوفل العاكوب، بوضع حد للاستيلاء على الأراضي التابعة له في المحافظة من قبل الوقف الشيعي.
وأصدر مدير الوقف السني في نينوى أبو بكر كنعان، بيانا وجهه إلى محافظ نينوى عن استيلاء الوقف الشيعي مؤخرا على قطعة الأرض التابعة له والواقعة في محلة النبي شيت في الموصل، رغم أن المستندات الرسمية تثبت عائديتها إليه.
وكان الوقف السني في الموصل اشتكى قبل فترة من تجاوزات على بعض أملاكه، ومنها احتجاجه على استيلاء فصيل في “الحشد الشعبي” على جامع الأرقم في الموصل.
ويذكر ان مجلس الوزراء وبعد تكاثر النزاعات على الأملاك والعقارات بين الوقفين السني والشيعي شكل لجنة (العزل والتفكيك) لحل الخلافات حول عائدية الأموال والأراضي الوقفية، إلا أنها أخفقت في مهمتها وأصبح عملها مجمدا بفعل الضغوط السياسية.
وفي مدينة سامراء التاريخية شمال بغداد، بدأت حكومتها وسكانها حراكا سياسيا في العاصمة العراقية والنجف وعبر المحاكم، من أجل إيقاف الانتهاكات الممنهجة التي تتعرض لها منذ 2003 من قبل قوى دينية استولت على أملاك الوقف السني والمواطنين وتسعى لتغيير ديمغرافية المدينة.
وقام رئيس مجلس محافظة صلاح الدين أحمد الكريم، قبل أيام بالإعلان عن رفع دعوى قضائية ضد رئيس ديوان الوقف الشيعي علاء الموسوي وأمين عام العتبة العسكرية ستار المرشدي محملا إياهما المسؤولية عن إغلاق مدينة سامراء القديمة وإلحاق أضرار فادحة بسكانها ومصالحهم.
وتشير دعوى الكريم المرفوعة إلى محكمة سامراء أن “العتبة العسكرية في سامراء والعائدة إلى ديوان الوقف الشيعي، قامت بسد الطرق والمنافذ في المدينة القديمة في سامراء وغلق نحو 2500 من المحال التجارية والفنادق والمطاعم في المنطقة القديمة في سامراء، مما أدى إلى إلحاق ضرر بأهالي المدينة القديمة”.
وطالب رئيس مجلس محافظة صلاح الدين محكمة سامراء إلزام الوقف الشيعي بإزالة الضرر وفتح الطرق والمنافذ في سامراء وإلزامهما بإيقاف العمل في تطوير العتبة العسكرية وذلك لكونها مخالفة للتصميم الأساسي لمدينة سامراء كما طالب الزامهما بتعويض الأهالي عما لحقهم من ضرر.
وتتمتع مدينة سامراء (125 كلم شمال بغداد) بأهمية كبيرة للعراقيين عموما وللشيعة خصوصا نظرا لأنها كانت إحدى عواصم الخلافة العباسية وتضم آثارا إسلامية منها الجامع الكبير والمأذنة الملوية ومرقدا الإمامين علي الهادي وحسن العسكري وهما من الأئمة الاثني عشر للشيعة، وازدادت أهميتها بعد التفجير الإرهابي الذي تعرضت له المراقد الدينية عام 2006 وأسفرت عنه حرب طائفية وقع فيها أعداد كبيرة من الضحايا والمهجرين، ومنذ ذلك الحادث أصبحت المدينة خاضعة لإجراءات أمنية مشددة وتتكفل العتبة العسكرية التابعة لهيئة الوقف الشيعي، ليس في إدارة المراقد الدينية في سامراء فحسب بل وفي ترتيب أوضاع المدينة عموما.
الدكتور حسين غازي السامرائي المتحدث باسم المجمع الفقهي لكبار علماء الفتوى (السنة) تحدث لـ”القدس العربي” عن موقف المجمع الفقهي تجاه تدهور أوضاع سامراء حيث أكد على اهتمام المجمع وأهالي المدينة بهذه القضية مشيرا إلى “حصول مفاوضات عام 2011 بين أهالي وشيوخ وعلماء سامراء مع الوقف الشيعي بخصوص إعادة فتح الشوارع والطرق والأسواق والمدارس الدينية والجامع الكبير المجاورة لمرقدي الإمامين، وكان عذرهم ان الوضع الأمني وأعمال إعادة إعمار المراقد لا يسمحان بذلك وقتها وطلبوا مهلة سنة ونصف لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه”. إلا انه “رغم انقضاء تلك المدة وحتى الآن لم تتم إعادة العمل في الأماكن الدينية المجاورة للضريح بسبب الإجراءات الأمنية ما أدى إلى عزوف الطلبة عن الذهاب إلى المدارس والأماكن الدينية، إضافة إلى استمرار غلق الشوارع والأسواق”.
وذكر السامرائي ان “المجمع الفقهي تحرك مبكرا، وأرسل وفودا إلى السيد مقتدى الصدر، وطلبنا عونه لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي السابق في سامراء، حيث أبدى الصدر تفهمه واستعداده للتعاون في طرح الأمر على الجهات المعنية. كما زار وفد من المجمع السيد مهدي الكربلائي وكيل المرجع الشيعي الأكبر علي السيستاني وطرح الموضوع عليه بدون فائدة”.
وكشف السامرائي ان “عدم الاستجابة لمطالب أهالي سامراء وشيوخها وعلمائها لرفع معاناتهم، ونتيجة ضغطهم على مجلس المحافظة، جعل حكومة صلاح الدين تبادر إلى تحريك دعوى قضائية لاسترجاع حقوق المدينة المنكوبة، ليكون هذا التحرك جادا وفعليا”.
وقبل التحرك قضائيا، كان رئيس مجلس محافظة صلاح الدين أحمد الكريم، انتقد إدارة (العتبة العسكرية) متهما إياها بمصادرة أراضي أهالي سامراء.
وشن عبد الكريم في مؤتمر صحافي ضم أعضاء الحكومة المحلية ووجهاء مدينة سامراء، حملة على العتبة العسكرية التي حملها المسؤولية لكونها المعرقل الوحيد لفتح مناطق سامراء وعدم السماح لأصحابها باستثمارها أو تشغيلها، لتنفيذ مطامعهم ومحاولة الاستحواذ عليها، داعيا مرجعية النجف إلى التدخل لحل مشاكل سامراء مع العتبة العسكرية، كما كشف أنه أبلغ رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بتفاصيل معاناة أهالي سامراء.
وتفيد مصادر لـ”القدس العربي” ان سكانها الذين أغلبهم من أهل السنة يعانون منذ سنوات وخاصة بعد التفجير الإرهابي الذي وقع في المراقد المقدسة شباط/فبراير 2006 وتسبب في دمار هائل فيها وما أعقبته من حرب طائفية على يد ميليشيات مسلحة رغم أن لا ذنب لأهلها في ذلك التفجير.
وأكدت المصادر ذاتها إن الإجراءات الأمنية والتقييدات على أوضاع سامراء، ازدادت بعد محاولات تنظيم “الدولة” عام 2014 السيطرة على المدينة عقب احتلاله الموصل مؤكدين ان أبناء المدينة والحشد العشائري فيها ساهموا بالدفاع عنها ضد التنظيم ويتعاونون مع الجهات الأمنية في هذا المجال.
وبطبيعة الحال فإن حراك أهالي وحكومة سامراء لم يرق للكثير من القوى الشيعية، حيث انتقد القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي باقر الزبيدي مطالبات أهالي المدينة بإعادة افتتاح المدينة القديمة التي تضم مرقد الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي، ووصفها بأنها “ممارسات خبيثة من بعض السياسيين من أجل زيادة الاحتقان”.
وقال الزبيدي، الذي كان وزيرا للداخلية في منشور على صفحته في فيسبوك، إن هذا التحرك تزامن مع ضغوط مشبوهة لرفع الجدار الذي يفصل محيط سامراء والمراقد المقدسة عن الفضاءات التي تحيط بها، والتي تعتبر بيئة خصبة لتحرك جرذان داعش، مطالبا “بالتعامل بحزم مع مثيري الفتنة لكي نجنب المدينة وأهلها تكرار مأساة الاعتداء الآثم على العتبة العسكرية” حسب قوله.
ومعروف ان وزارة الداخلية تحت قيادة الزبيدي تعرضت لانتقادات واسعة من القوى السياسية والدينية السنية والوطنية ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية لما نسب إليها من انتهاكات واعتداءات على أبناء مكون معين في العراق آنذاك.
ويرى المتابعون لهذه الأزمة ان الاستيلاء على عقارات وأملاك الوقف السني التي تشكل ثروة هائلة من قبل بعض القوى والشخصيات السياسية والدينية الشيعية، هدفه استثمار تلك الأملاك تجاريا لتحقيق أرباح ومنافع لتلك القوى والشخصيات، وهو جزء من الفساد المستشري في العراق، وسط الفوضى الأمنية والسياسية السائدة في البلد منذ 2003.