مدريد-“القدس العربي”:
يجري الحديث عن فرضية تدخل عسكري للولايات المتحدة في فنزويلا لتنصيب رئيس البرلمان خوزان غواديو رئيسا للبلاد وإنهاء رئاسة نيكولا س مادورو، لكن هذا الحل، إضافة الى عوامل سياسية، يبقى من المستحيل، وفي حالة تنفيذه قد يفجر الأوضاع في أمريكا اللاتينية.
وتعاظم الحديث عن هذا الحل في أعقاب تسريب ملاحظات رسمها مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جون بولتون عن إمكانية تواجد خمسة آلاف جندي أمريكي في كولومبيا كمقدمة للغزو العسكري. لكن معطيات الواقع تجعل فرضية الحل العسكري مستبعدة للغاية.
في هذا الصدد، تعتبر فنزويلا الدولة الوحيدة في أمريكا اللاتينية التي تتوفر على منظومة الدفاع الصاروخية إس 300 الروسية الصنع، وهذا سيكون عائقا أمام الطائرات الأمريكية التي قد تهاجم الأهداف الفنزويلية مثل مقر الرئاسة أو ثكنة عسكرية. ويدرك البنتاغون أن سلاحه الجوي سيكون مناسبة لتجريب روسيا عن طريق فنزويلا منظومة الدفع إس 300 ضد الطائرات الأمريكية. كما يتوفر الجيش الفنزويلي على خمسة آلاف صواريخ أرض جو MANPADS روسية متطورة محمولة قادرة على تشكيل خطر كبير على حركة الملاحة العسكرية والمدنية. ولا ترغب واشنطن في حالة من الفوضى تجعل هذه الصواريخ التي تشبه ستينغر تخرج عن سيطرة الجيش الرسمي.
في الوقت ذاته، لا تتوفر معظم دول المنطقة على سلاح جوي، فدولة مثل البرازيل بالكاد ستشتري طائرات غرينبين السويدية، ولا يمكن لقواتها البرية المشاركة والتقدم في غياب التغطية الجوية، لاسيما في ظل امتلاك فنزويلا مقاتلات متطورة وهي “إف 16” الأمريكية وسوخوي 30 الروسية. ولهذا، لا ترغب البرازيل التي رئيسها بولسونارو وهو عسكري سابق وموالي لواشنطن، الحديث عن أي حل عسكري لأنها ستكون ضحيته.
الى جانب الجيش الفنزويلي الرسمي، هناك وحدات الدفاع الشعبي الموالية للنظام والتي قد تجعل تقدم أي جيش عملية مستحيلة، لأن الجيوش النظامية تتجنب كثيرا مواجهة الجماعات المسلحة لاسيما في منطقة أدغال وجغرافية معقدة مثل فنزويلا. وعكس ما جرى في بعض الدول ومنها العربية مثل ليبيا، لا يوجد إجماع ضد إقالة نيكولاس مادورو بل هناك نسبة هامة من الشعب تؤيده بينما النسبة الأخرى ضده وليس بالضرورة مع خوان غوايدو. ويكفي أنه بعد تأزم الأوضاع، وإعلان خوان غايدو نفسه رئيسا، تراجعت نسبة المشاركين في التظاهرات ضد مادورو خوفا من انزلاق البلاد نحو المجهول.
ويضاف الى كل هذا، كل تدخل عسكري أمريكي في فنزويلا قد يتسبب في عودة الحركات اليسارية الراديكالية الى السلاح خاصة في كولومبيا، مما سيعني عودة شبح المواجهات المسلحة في المنطقة التي سادت خلال الثمانينات وجزء من التسعينات باستثناء في كولومبيا التي استمرت حتى السنين الأخيرة.
وإذا قررت الولايات المتحدة غزو فنزويلا للإطاحة بمادورو، عليها تعبئة الأسطول الرابع المخصص لأمريكا اللاتينية دون الرهان على الانطلاق من أراضي دولة مجاورة مثل كولومبيا، هذه الأخيرة انخرطت في فرض عقوبات على فنزويلا والاعتراف برئيس البرلمان خوان غوايدو رئيسا ، لكنها لن تغامر بالترخيص لقوات أمريكية الانطلاق لغزو فنزويلا لأنها ستكون هدفا للنيران الفنزويلية وستسبب في حقد تاريخي بين شعبي البلدين.
ويبقى الأساسي هو رهان الولايات المتحدة على استبعاد المؤسسة العسكرية الفنزويلية من الصراع وكل هجوم يعني جعلها متشبثة أكثر وأكثر بمادورو، بل هناك دول في أمريكا اللاتينية التي لا تستبعد تولي الجيش تسيير البلاد لمرحلة مؤقتة في انتظار إجراء انتخابات رئاسية تحت إشراف دولي.
عندما قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي السنة الماضية، انفجرت موجة من التحليلات السياسية التي تنذر باقتراب وقوع هجوم أمريكي على إيران، ومرت الشهور ولم يحدث أي هجوم. وفي حالة فنزويلا، يعد حدوث هجوم أمريكي على هذا البلد من المستحيلات.