حرب الهيمنة على العقول: الحرب النفسية

الحرب خدعة، والخداع حرفة، ولكي يصير الخداع من الطراز الأول من الواجب أن يكون أساسه كذبة ثابتة الأركان. وكما صرح واعظ إنكليزي في العصر الفيكتوري في إحدى خطبه: «بإمكان الكذبة أن تلف نصف العالم، في حين تكون الحقيقة مازالت تشرع فقط في ارتداء حذائها». والغريب في الأمر أن المقولة انتشرت منذ ذاك الحين إلى وقتنا هذا، وإن تم إغفال اسم قائلها؛ ليس فقط لما لاقته من استحسان؛ بل لأنها تمس غايةً يحاول الجميع بلوغها، ألا وهي: السيطرة على الآخر باستخدام الخداع.
ولعل هذه أهم وسائل الحرب النفسية Psychological Warfare التي تسعى إلى اتخاذ إجراء تتم ممارسته من خلال استحضار وسائل نفسية تمس الإنسان وتخترق اللاوعي، بهدف إثارة ردة فعل نابعة من اللاوعي. وهناك وسائل مختلفة لتحقيق ذلك. فعند استهداف أفراد بعينهم، يجب أولاً ضرب ثوابت معتقداتهم، من منظومة أخلاقية، وثوابت دينية، وعواطف، ودوافع وسلوك. وتستهدف الحرب النفسية قبل أي شيء تدمير الحالة المعنوية على جميع الأصعدة. ومن ثم، يتم استخدام هذا التكنيك في الحروب لإحباط الأعداء، وفي معسكرات التعذيب لانتزاع اعترافات من أفراد ليقرون فيها جرائم لم يقترفوها قط. ولكن وقبل أي شيء، يتم استخدام الحرب النفسية في حالة السلم، خاصة في العصر الحديث، في جميع الأغراض الدعائية، وعادة تستهدف تدمير منظومة القيم لدى الأفراد، كذلك ردود أفعالهم، وهذا من خلال اختلاق «كذبة كبرى» تمس عمقهم النفسي وتضرب اللاوعي.
وكان أول من أشار إلى ذلك الأمر الزعيم الألماني أدولف هتلر عام 1925، حين كان يَسطر كتابه الشهير «كفاحي». وأسلوب الكذبة الكبرى، كما يقول هتلر، يقضي باختلاق «كذبة كبرى هائلة» تجعل كل من يستمع لها ينفي أن يكون هناك أي شخص «يتمتع بتلك الدرجة العالية من الوقاحة التي تمكنه من أن يشوه الحقيقة بهذا الشكل الشنيع»؛ أي أنه يجب أن تكون الكذبة محبوكة؛ يجب أن لا تصير الكذبة الشيطانية التي تم تلفيقها محل شك. وقد ذكر هتلر أن هذا الأسلوب الدعائي احترفه اليهود لإلقاء اللوم على هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى على عاتق الجنرال الألماني إريك لوندورف، الذي كان زعيماً وطنياً، وسياسياً بارزاُ اشتهر بمعاداته للسامية.

تقتضي الكذبة نشر حالة من الإلهاء العام لشن اعتداء بشكل غير مباشر، من خلال استخدام وسائل عدة، من أهمها: «العمليات السوداء»، وهي عمليات تمويهية لا يفهم أصلاً الطرف الذي يؤديها الغرض الرئيسي من قيامه بتلك المهمة.

وبناء على هذا، تقتضي الكذبة نشر حالة من الإلهاء العام لشن اعتداء بشكل غير مباشر، من خلال استخدام وسائل عدة، من أهمها: «العمليات السوداء»، وهي عمليات تمويهية لا يفهم أصلاً الطرف الذي يؤديها الغرض الرئيسي من قيامه بتلك المهمة، وكذلك استخدام تكنيك «العلامة الخاطئة»، الذي من خلاله لا يمكن أبداً تحديد هوية مقترف أي فعل من شأنه جذب الانتباه، مع ملاحظة أن ذاك الفعل يصير مدخلاً لجرائم وصراعات لا تنتهي؛ ويتم ذلك من خلال خلق فرد أو مجموعة مسؤولة عن نشاط ما شكله مقبول ومشروع اجتماعياً، لكن مخبره خداع غير مقبول أخلاقياً. ومن ثم، يتم استنزاف الرأي العام والهيمنة عليه، إلى أن يصير الجميع على قلب رجل واحد، فيتكون رأي عام موحد، لا يقوى أي فرد بعده على تكوين رأي مخالف، أو التفكير في معارضة من هم في الطرف الأقوى.
ومن الجدير بالذكر، فإن أسلوب الحرب النفسية ليس من مستحدثات العصر، حيث إنه قديم قدم الزمن؛ حيث استخدمته الأمم بداية من عصور قبل الميلاد لتحقيق غايات، الهدف منها الفوز سواء في ساحات الحرب، كما حدث في حرب رفح بين مصر الفرعونية والإمبراطورية الأخمينية عام 525 ق.م.، أو تحقيق انتصارات على المستوى الاجتماعي مثلما فعل الإسكندر المقدوني، بدءاً من عام 326 ق. م. عندما قام بغزو عدة دول في أوروبا والشرق الأوسط، وخلّف وراءه جاليات وموظفين مقدونيين لحث الشعوب التي تم غزوها على أن تقبل على الحضارة اليونانية، وألا تنفر من المستعمر. أضف إلى ذلك، دفع جنوده دفعاً أن يصاهروا السكان المحليين، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل كان يصرف لجنوده المهور التي سوف يقدمونها للعروس. وحاول أيضاً نابوليون بونابرت أن يسير على نهجه عندما شرع في تأسيس امبراطورية فرنسية بغزوه أوروبا وبقاع أخرى في العالم، بدءاً من عام 1803.
وفي حين أن يوزف غوبلز لم يكن أول مستخدماً لتكنيك الحرب النفسية في العصر الحديث، لكن يعزى له أنه أول من أرسى لهذا التكنيك أسسا وقواعد. وكانت أهم مبادئ يوزف غوبلز أن يثير حالة من الإلهاء العام للشعب وللخصوم على حدٍ سواء؛ حتى يضمن حالة من السيطرة النفسية على كل من الشعب والخصوم، ومن ثم يتمكن من اجتثاث كل من الخصوم والمعارضين. ولقد ذكر غوبلز في مذكراته: «إحرص على أن تصير الجماهير في حالة من الانشغال الدائم». وبالتالي، تثبت حالة الإلهاء أقدامها على أرض الواقع عند إثارة قضايا متعددة، ثم يعمل القائمون على الأمور على طرحها على الجمهور بشكل متواصل، وبالتأكيد، يجب أن تنطوي تلك القضايا على أكذوبة كبرى لتحقيق أفضل الغايات.
ومن أجل أن يجتث أي معارض داخلي، بعدما أسند إليه هتلر إدارة غرفة الثقافة للرايخ الألماني، عمل جوزيف غوبلز على بسط هيمنته على الحياة الثقافية في ألمانيا. لكن كان غوبلز الداهية يسعى إلى إحكام قبضته بشكل قوي وأزلي؛ فعمل على شغل المواطن بقضايا ثقافية واجتماعية: فابتدع محتوى ثقافيا جديدا، وأيضاً، إثارة قضايا اجتماعية ذات إشكالية. فمثلاً في إطار مساندته للنازية، قام غوبلز عام 1933 بتنظيم حملات لمقاطعة الشركات اليهودية، ثم نظم حفلا ضخما في دار الأوبرا في برلين لما أطلق عليه اسم: «إئتلاف الكتب غير اليهودية»، ونادى في هذا الحفل بحرق الكتب «غير الألمانية»، ومن أهم النتائج المترتبة على هذا الحفل الذي أقيم في دار الأوبرا، التي هي من المفروض منارة ثقافية، هي تدمير وحرق العديد من أمهات الكتب المهمة والقيمة التي قام بكتابتها علماء يهود مثل: ألبرت أينشتاين، وهيلين كيلير. ويأتي ذلك وفقاً لمبدأ طرحه على العامة لنشر مبدأ الإلهاء على كل الأصعدة: «لا تقر أبداً أنه قد يكون هناك ولو بعض الخير في عدوك»، لكي يرسخ في الأذهان أن اليهود، حتى إن كانوا علماء فلا خير فيهم وفي علمهم.

على الصعيد السياسي والحربي، استطاع غوبلز أن يقنع العالم بأن ألمانيا قوة هائلة ضاربة، قادرة على دحر جميع أعدائها في معقلهم.

أما على الصعيد السياسي والحربي، فاستطاع أن يقنع العالم بأن ألمانيا قوة هائلة ضاربة، قادرة على دحر جميع أعدائها في معقلهم. ولحبك كذبته ولتدمير الروح المعنوية لأعدائه، كان يلقي بالمنشورات من الطائرات مع القذائف والدانات، وكان يضرب الروح المعنوية لجنود الحلفاء وشعوبهم من خلال حملاته المتتابعة في الصحف والإذاعة؛ لبث الرعب في قلوبهم، حيث كانت جميع المنشورات والحملات التي يطلقها غوبلز تؤكد أن لألمانيا قوة هائلة، ولم يقف عند هذا الحد، بل أخذ يكيل التهديد والوعيد لجيوش وشعوب الحلفاء.
وكما كان يؤكد غوبلز: «لاحظ أن، سوف يؤمن الناس بكذبة كبيرة في زمن أقرب ما يكون قريباً، وذلك إذا تم تكرّار الكذبة نفسها كثيراً، فمع التكرار لسوف يصدق الناس الكذبة عاجلاً أم آجلاً». وبالفعل، صدق الحلفاء وشعوبهم كذباته.
ولم تتوقف الحرب النفسية عند هذا الحد من الحروب والصراعات السياسية، فقد امتدت لتشمل جميع مناحي الحياة، إلى أن تغلغلت في عالمنا الحديث. فمن الطريف مثلاً، أصبحت المنشآت التجارية خاصة العالمية منها تستخدم أسلوب الحرب النفسية والخداع الاستراتيجي ضد موظفيها. ومن أبسط الأمثلة، أظهرت إحدى الدراسات أن شركات الليموزين الحديثة تعمل على خداع موظفيها وتشن حربا نفسية عليهم عن طريق التقنيات التكنولوجية؛ حيث تستخدم التطبيق الخاص بها الذي يتقفى مسار كل سيارة للتحكم في سلوك السائق، وأيضاُ توجيه سلوكه لتنفيذ سياستها ورغباتها. أضف إلى ذلك، تعمل تلك الشركات على إرسال رسائل في مواعيد محددة تحذر فيها السائق أن الزبائن قد يخدعونه ويقومون بطلب سيارة أخرى عند التأخير في تلبية النداء.
وقد أظهر تحقيق نشرته جريدة «نيويورك تايمز» أن تلك الشركات تستخدم حيلاً نفسية ضد السائقين تشبه تقنية «ألعاب الفيديو»؛ حيث تستخدم نظم الرسوم البيانية، والمكافآت غير النقدية لحث السائقين على العمل لفترات أطول، وعند محاولتهم الخروج من النظام تبدأ في بث رسائل عن الأهداف والأرباح والمكافآت العشوائية التي لا يمكن الوصول إليها عند تسجيل الخروج من النظام.
وبالطريقة نفسها، فإن الصين تعلمت أن تربح جميع الحروب التي خاضتها، بدون أن تجنح لأي شكل من أشكال العنف. وبالتأكيد، فإن التقنيات التكنولوجية، ووسائل التواصل الاجتماعي ضالعة تماماً في هذا الأمر، ليس فقط في الصين، ولكن أيضاً على الصعيد الدولي، وفي دول بعينها، ومن ثم، فإن للحديث بقية.
وفي ختام المقال، يجب دوماً أن نتذكر مقولة يوزف غوبلز الشهيرة التي يلخص فيها مبدأ الحرب النفسية: «نحن لا نفتح أفواهنا للإفصاح عن شيء، ولكن لخلق تأثير ما».

٭ أكاديمية مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية