ملفات جذب لانتخاب غانتس

حجم الخط
0

استناداً إلى عشرين سنة من التعرف على بني غانتس وعدد غير قليل من المقابلات والخطابات يمكن القول بثقة: هو لم يسمع في أي يوم حاسماً وواضحاً بصورة أكبر. من المؤكد أنه في خطابه السياسي الأول أمس حاول أن يرمز إلى جمهور واسع بقدر الإمكان، لا شك أنه كان في الخطاب ثمة درجة غير بسيطة من التفاخر، الذي رافقه التبجح الأمني الزائد وتهديدات مضحكة بدرجة ما لأعداء إسرائيل. ولكن الانتقاد الثابت تجاه غانتس حتى من زمن وجوده في الجيش هو أنه يراوغ في أقواله، يعطي رسائل ضبابية بصورة متعمدة، وحتى يتلعثم في عدد من إجاباته ـ هذا الانتقاد لم يكن له مكان في هذه المرة. التلعثم اختفى.
يبدو أن غانتس قد حضر نفسه جيداً للانطباع الأول الذي سيصنعه. الدخول المجدول، الصوت، الإلقاء وحتى حركة اليدين -كل ذلك تم التدرب عليه جيداً مسبقاً، ولم تختف رسائل متوقعة بخصوص وحدة إسرائيل وفخرها. كما تضمن الخطاب بشكل مفاجئ هجمات شديدة على بنيامين نتنياهو ـ مقارنة ولايته بالحكم الملكي، وانتقاد للتحريض والفساد، وتعهد بعدم الجلوس في حكومة مع من ستقدم ضده لائحة اتهام، ولدغة تاريخية تذكر بمن قام بمصافحة في فترته الأولى كرئيس حكومة «رئيس القتلة عرفات».
في الخطاب برزت مزايا غانتس، المعروفة من فترة خدمته الطويلة في الجيش. لقد أظهر سيطرة على الذات: لم تحرفه عن النص هتافات التشجيع المبالغ فيها والمصطنعة من قبل الجمهور، ولا حتى المتظاهر الفرد الذي أزعج بهتافاته. لا يمكن أيضاً تجاهل روح الدعابة لديه، ولا المستوى الجيد لسلوكه أو أدائه التمثيلي، الذي ذكر، مثل نتنياهو في صباه، بسناتور أمريكي.
قبل إلقاء الخطاب تم نشر فيلمين قصيرين حول تأثيره المتوقع: هذا سيكون بداية انفجار بالون تم نفخه أكثر من اللزوم من قبل وسائل الإعلام التي تكره نتنياهو، أو العكس، هنا سيبدأ صعود مرشح قوي. الانطباع الأول أمس هو أن غانتس اجتاز الاختبار الأول، على هيئة خطاب وطني ببث مباشر، بنجاح مفاجئ جداً. المواصلة مرتبطة كما يبدو بإدارة حملة منضبطة (أمر جديد بالنسبة له) بالحد الأدنى من زلات اللسان والحد الأدنى من المحادثات مع شركاء الوسط السياسي.

الجرف الصامد.. قبر يوسف.. الانسحاب من منطقة أمنية بجنوب لبنان

قوة جذب غانتس الأساسية تستند إلى خلفيته العسكرية. الاستطلاعات التي أشارت إلى معطى إيجابي مرتفع في مسألة درجة مناسبته لرئاسة الحكومة (أكبر بكثير من المقاعد التي يحصل عليها حزبه حتى الآن)، تستند بالأساس إلى أمر واحد ـ التفكير بأنه أكثر من يئير لبيد أو آفي غباي، فإن غانتس دخل إلى الساحة ولديه خلفية أمنية كبيرة. هو نفسه تطرق إلى ذلك أكثر من مرة في خطابه، بما في ذلك قوله إنه معتاد ويعرف الإجابة على المكالمات الهاتفية في منتصف الليل.
هذا هو السبب في أن اليمين، لا سيما نتنياهو، قلقون جداً من ترشح غانتس. وهذا بالضبط هو الصورة التي يريد الليكود تشويهها. الأقوال كانت واضحة منذ لحظة ظهور إمكانية أن غانتس سيذهب إلى الساحة السياسية. الوزيرة ميري ريغف ـ التي تم إرسالها أمس إلى الاستوديو بعد لحظة من تعهد غانتس بأنه «لن يكون هناك من الآن فصاعداً مهرجو بلاط في الحكومة» ـ تهاجم غانتس دائماً على ماضيه الأمني. في اليمن أعدوا ملف تصفية مرتب ضد غانتس يتضمن عدة محطات غير مشجعة من تاريخه العسكري: الانسحاب غير المنظم من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، قضية قبر يوسف في نابلس، دوره في الإعداد لحرب لبنان الثانية ووظيفته كرئيس للأركان في عملية الجرف الصامد.
من بين كل هذه الادعاءات يبدو أن الأخير ذو علاقة ويستحق النقاش. ليس بالإمكان دحرجة، مثلما فعل أمس فيلم الليكود الدعائي، قضية موت جندي حرس الحدود مدحت يوسف في نابلس، على غانتس، الذي كان قائد الفرقة في الأسبوع الأول للانتفاضة الثانية. فوق العميد غانتس كان هناك سلسلة قيادية كاملة شملت رئيس الحكومة ووزير الدفاع اهود باراك ورئيس الأركان وقائد منطقة الوسط. الادعاء بأنه ترك مصابين يثير المشاعر، لكن لا أساس لتوجيه ذلك بالذات إلى غانتس.
عملية الجرف الصامد أمر آخر. الجيش بقيادة غانتس تصرف فيها بتثاقل وعدم مبادرة. والاعداد المليء بالعيوب لتهديد الأنفاق كان خطأ كبيراً، حتى لو لم يصل إلى حجم الفشل في حرب لبنان الثانية. كما لا يوجد أي مبرر لاستمرار الحرب ضد حماس مدة 51 يوماً، العدو الضعيف جداً الموجود حول إسرائيل.
ولكن في كل هذه الحالات كان لرئيس الأركان غانتس شريكان آخران في المسؤولية، وزير الدفاع في حينه موشيه يعلون الذي وحد الصفوف معه أمس في حزب مشترك، ورئيس الحكومة في حينه نتنياهو. عندما ينقض وزراء الليكود على غانتس فهم يرفعون المسؤولية عن نتنياهو. ونتنياهو هو الشخص الذي ينسب إليه الرفض القاطع لتقديم تسهيلات إنسانية للقطاع عشية العملية. وهذا خطأ يصمم على العودة إليه أيضاً في هذه الأثناء.

عاموس هرئيل
هآرتس 30/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية