دمشق ـ «القدس العربي»: صبت روسيا جهودها الدبلوماسية والسياسية من أجل إعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية، لكن وبينما نجحت في تجميع بعض الأصوات العربية، تواجه على ما يبدو صعوبة في توليد قرار عربي جماعي يرفع الحظر عن الأسد، ويعطيها قوة أكبر لتمكين مصالحها في سوريا، في الوقت الذي بدت فيه واشنطن أكثر حدة بوضع «الفيتو» لمنع إنعاش الأسد عربياً، وبذلك تبدو الخطوات التي أقدمت عليها بعض الدول العربية للتصالح مع دمشق فارغة المضمون والجدوى، خاصة بعد إصدار قانون «قيصر» مؤخراً الذي يفرض عقوبات على كل من الدول والكيانات مع النظام السوري ليربك مشاريع إعادة الإعمار أو إنعاش الأسد ليتلخص المشهد بـ«محاولات الدب الروسي لجمع أصوات عربية لعودة الأسد إلى الجامعة العربية تصطدم بـ«القيصر» الأمريكي».
وأيد وزير الخارجية العراقي محمد الحكيم، أمس الأربعاء، دعم حكومة بلاده لعودة دمشق إلى شغل مقعدها في جامعة الدول العربية، وقال الحكيم خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي «سيرغي لافروف»: «لا بد من حل الأزمة السورية، ونحاول إيجاد حل لعودة سوريا للجامعة العربية»، مؤكداً أن «الحكومة العراقية تدعم عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية مرة أخرى».
الدبلوماسية الروسية تسعى وفق المجريات في الاتجاهات العربية كافة ، وخاصة الدول المجاورة لسوريا، لتجميع أكبر قدر ممكن من الأصوات العربية الداعمة للنظام السوري بشكل إفرادي، ومن ثم الذهاب بها إلى واشنطن لتحصيل مكسب إعادة حكومة دمشق إلى الجامعة العربية، وبالتالي الحصول على مكسب فك العزلة العربية عن الأسد أولاً، مما يعني حصول موسكو على أوراق إضافية لتثبيت مصالحها الاقتصادية في سوريا.
وعلى الجهة الأخرى، نشاهد تهرباً من الأطراف المرحبة بالأسد كافة من تحمل مسؤولية القرار الجامع لإعادة الأسد إلى الجامعة العربية، وفي هذا الصدد يقول الباحث السياسي فراس فحام: الحراك العربي لإعادة النظام إلى الجامعة العربية كانت تقوده مصر بالدرجة الأولى، وزيارة رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك إلى القاهرة خلال شهرديسمبر كانون الأول الماضي جاءت في هذا السياق. لكن يبدو أن واشنطن كبحت جماح مصر بمسألة إعادة تعويم النظام عربياً، وقد حمل وزير الخارجية الأمريكي ماك بومبيو هذا المطلب معه إلى القاهرة خلال زيارته الأخيرة في بداية شهر يناير/ كانون الثاني الحالي، ولاحظنا بعدها تغير النبرة المصرية وتصريحات وزير الخارجية سامح شكري الذي اشترط على النظام السوري تحقيق الانتقال السياسي قبل إعادة مقعده في الجامعة العربية. وقال فحام لـ «القدس العربي»: زيارة بومبيو الأخيرة للمنطقة حملت رسالة واضحة للدول العربية بأن أمريكا لن تغادر الشرق الأوسط، ولن تتركه لروسيا، وبالتالي قامت العواصم العربية التي حاولت تعويم النظام السوري تقرباً من موسكو بإعادة حساباتها.
فيتو أمريكي
الرغبة العربية في إعادة الأسد إلى الجامعة العربية، اصطدمت مؤخراً بقانون «قيصر» الذى أقره من قبل الكونغرس الأمريكي والذي يتم بمقتضاه فرض عقوبات على الدول والكيانات التي ستتعامل مع النظام السوري ليعبر عن الرغبة الأمريكية في وجه استعادة الأسد لدوره الدولي.
ولا تزال هناك عوائق كبيرة أمام مسألة تعويم النظام عربياً ودولياً، أبرزها – بحسب المصدر- أن واشنطن لن تقبل بذلك لأنها ستكون قد اعترفت بهزيمتها رسمياً أمام روسيا، كما أن التصاق النظام السوري بإيران وربط مصيره بها على ما يبدو جعل دول الخليج وعلى رأسها السعودية تقتنع بعدم إمكانية عقد صفقة مع النظام السوري تتضمن استعادته لمكانته العربية مقابل التخلي عن طهران.
وكذلك الأمر بالنسبة لإعادة فتح الإمارات لسفارتها بدمشق حيث رأى الباحث السياسي، بأنها مبادرة فردية متعلقة ببحث الإمارات عن فرص استثمارية جديدة تنعش من خلالها اقتصادها الذي يعاني من مشاكل، وقد شهدنا بعدها زيارة وفد من كبار أصحاب رؤوس الأموال المحسوبين على النظام السوري إلى أبو ظبي وعلى رأسهم محمد حمشو. وكانت قد قررت الجامعة العربية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 تجميد مقعد سوريا على خلفية لجوء الأسد إلى الخيار العسكري لإخماد الاحتجاجات الشعبية المناهضة لحكمه، وفي مارس/ آذار 2012، قرر مجلس التعاون الخليجي سحب سفراء الدول الست من سوريا.
من جهته قال المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض السورية د. يحيى العريضي: لا يمكن صناعة معجون الأسنان من الأوساخ، وكذلك هي حال ملفات النظام الإجرامية، فلا يمكن لأي قوة أن تحملها، فما بالكم بغض النظر عنها وتجاهلها، أو تقدم لك صك براءة تجاهها. في سوريا هناك قرارات دولية صممت لتكون مفتاحاً لحل القضية السورية، وهذه القرارات لا يمكن الهروب منها أيضاً، ومضمونها يخلو من إعادة تدوير النظام الحالي، بل هي تدعو إلى انتقال سياسي.
وعلى الضفة المقابلة، قال العريضي لـ «القدس العربي»: نحن أمام واقع سوري مرير، مسبقاً كان ذلك خارجاً، واليوم أصبح في الداخل حيث يتواجد النظام السوري، إذ بدأ الشعب يستشعر العوز والآلام وغياب الآمان وتعويم الاستبداد. وكان معهد السياسة العامة العالمية في برلين، قد ذكر أن دولاً من الخليج «وافقت منذ فترة طويلة على فكرة بقاء بشار الأسد في السلطة. في النهاية وضمن المخطط الكبير للثورة الإقليمية والثورة المضادة، كان الأسد واحداً منهم».
المصالح الدولية على الساحة السورية متشعبة ومتضاربة، وآخر حساباتها هي إعادة تدوير نظام بشار الأسد، باستثناء الحالة الروسية، التي تسعى لذلك لغايات «رخيصة»، وأن النظام وفق – العريضي- هو الوحيد القادر على حماية مصالحها، وفي ذات الوقت هنالك أطراف لا ترى هذه الصورة والتي ترى النظام وحده القادر على حماية مصالحها، ولكل هذه الأسباب تتعقد أسباب إعادة تأهيل الأسد.
كما رأى المصدر المسؤول، عملية «شحن» روسيا للرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، كانت حركة بصفر نتائج، ولم تأت أكلها التي يشتهيها الروس، ولا حتى فتح السفارة الإماراتية، وفي مسألة أخرى، فقانون «قيصر» الذي أصدرته الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً قلب المعادلات رأساً على عقب، وكانت لدى تلك الأطراف بعض الآمال.. لكنها تبخرت، فكل دولة أو جهة ستقدم مساعدات للنظام السوري سيكون مصيرها الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية، والقانون يتحدث عن جرائم حرب، وهو غير مؤهل. وقالت مصادر دبلوماسية لصحيفة «الغارديان»، في وقت سابق: هناك توافق متنامٍ بين دول الجامعة الـ22، مفادها أنه يجب إعادة سوريا إلى تحالف الدول العربية بعد فشل خطوة الإبعاد في وقف الحرب السورية، وتأتي هذه الخطوة على الرغم من علاقات الأسد الوثيقة مع إيران والتي لعبت دورًا في إنقاذ نظامه.
تناقضات
كل ما جرى في سوريا، كان من وجهة نظر المحلل السياسي محمد العطار غريباً جداً، أن تقوم ثورة شعبية ثم يبتلعها النظام بالمصالحات وبأساليب أخرى هو حدث مدهش حقاً، والأدهش من ذلك، هو مقاطعة العرب للأسد وكشف جرائمه وفساده لثماني سنوات ماضية، ثم تعود لمغازلته وكأن شيئاً لم يكن، وأن الأطراف الداعمة لدمشق اليوم، هي من تبنت الثورات المضادة لإجهاض المشاريع الوطنية.
وهنا نلاحظ حالة الإطراء التي تبديها بعض الأنظمة العربية للأسد فردياً، ولكنها في الوقت ذاته نجدهم عاجزين عن إعادته إلى جامعة الحكومات العربية، وهذه السياسة تكشف مدى قدرة الدول الكبرى على تسيير هذه الأنظمة كيفما تشاء وبالاتجاه الذي تريد.
فإعادة الإمارات العربية المتحدة لعلاقاتها مع الأسد، جاء وفق «العطار» بضوء أخضر أمريكي واضح، ولكن هذه الخطوة منقوصة، توضحها المواقف الأمريكية المتلاحقة، وعندما أراد ترامب تعويم الأسد جزئياً دفع الإمارات للتقدم بخطوة فتح السفارة، وعندما تبدلت السياسة خشيت بعض الأنظمة المشابهة للإمارات وجمدت الإقدام على خطوات مشابهة، وهذا كان واضحاً على سياسة «السيسي» الذي يرعى إعادة الأسد إلى جامعة الدول العربية.
تعويم الاستبداد
التطورات العربية المساندة للأسد، تقف خلفها مجموعة عوامل، يرتبط جزؤها الأول بطبيعة القرار العربي الجمعي الذي يرسم أقنيته وفق محددات وشروط «الحليف التقليدي» الولايات المتحدة الامريكية. إذ قال الباحث في مركز عمران للدراسات «معن طلاع»: اعتقد بعض «القادة» العرب أن تغير وتبدل السياسات الأمريكية حيال الملف السوري والذي وصل لمرحلة الاعلان عن انسحابها العسكري من سوريا، بمثابة خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات مع نظام أضحت معادلات المشهد العسكري تميل لكفته. ولكن ما حصل هو أن دوائر رسم القرار الأمريكي أشارت إلى أن سياساتها الأخيرة لا تسير في اتجاهات تعويم الأسد وفرضت مجموعة من العقوبات على شخوصه الاقتصادية، ومررت قانون قيصر المتعلق بعدم الولوج بعملية إعادة الإعمار إلا في ظل حل سياسي ووفقاً لأجندة الأمم المتحدة والقرارات الدولية؛ وهذا ما انعكس اضطراباً على القرار العربي الجمعي.
وأضاف المصدر، بينما يرتبط جزؤها الآخر ببنية السلطة العربية القائمة و»متسيدي» المشهد العربي والذين يدعمون وبقوة إعادة بناء النظام العربي وفق صيغ ما قبل الربيع العربي واستغلال هذه اللحظة السياسية التي استطاع الروس فيها تغيير الموازين في سوريا في تدعيم هذه اللحظة وجعلها واقعاً و«درساً» لكل قوى التحرر والتغيير.