نساء فلسطينيات في الانتفاضة (3)
أم توزع الحلوي.. تزغرد وتبكي.. وشاب قتل وهو يدافع عن بيته ويقول: لا تبك يا أمي حتي لا تفرحي العدوعندما قال الجندي.. هذا ابنك الثاني لقد قتلناه.. وام تحتضن كل صباح صورة ابنها وتقبلها حتي يحيا معهانساء فلسطينيات في الانتفاضة (3)غسان دوعرإنها ميتة واحدة فلتكن في سبيل اللهخنساء فلسطينية أخري تعضّ أصابع يديها وتتمني لو أن ابنها الشهيد عاصم تزوّج وأنجب مثل شقيقه الشهيد محمد، وتقول: لو كان حصل لضمنت أن أربّيهم معاً علي طريق الآباء الشهداء ويأخذوا بثأرهم وثأر قوافل الشهداء، وأنا أنتظر أن يكبر مؤمن ليكون علي طريق والده . وأما الوالد أبوعماد الذي رفع الراية الخضراء والعلم الموشح بعبارة التوحيد في يوم التأبين، فإنه لا يقلّ رجولة عن أبنائه السبعة، منهم اثنان في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، واثنان خلف القضبان، واثنان يصارعان الحياة ومصاعبها، وتستمر الحكاية.هذه المقدمة ليست فصلاً من فصول الحكايات القديمة، تلك التي يمضي بها التاريخ دامية أليمة، بل فصول بطولة لعائلة فلسطينية من قرية تل التي تقع جنوب غرب نابلس، وهي عائلة تمنّت أن تسطر سجلاً لها في سجلات الخلود وروعة البطولة، غير عابئة بما يعيقها في الطريق نحو القدس والكرامة والحرية.فأسرة يوسف محمد ريحان، المواطن العادي الذي امتهن أبناؤه البناء والمقاولة والدراسة الجامعية للجميع، كانت من العائلات العريقة التي قدّمت وأعطت للوطن والإسلام، ولم تنلْ سلسلة المحن والمطاردات والتهديدات المتواصلة بالقتل وجريمة هدم المنزل وحلقات الاعتقال لدي المحتلين والسلطة من عزيمتها، وظلت علي عهد الشهداء والمعتقلين. الشهيد محمد (أبو مؤمن) كانت له صفات من العطاء والهدوء عرفها إخوانه المعتقلون في سجن جنيد، فهو الخادم لهم وصاحب البسمة والمتعلق بكتاب الله والصامت الدائم، وكان لا يري إلا بلباسه الأنيق ورائحته الطيبة الزكية، وكان من أسبق المعتقلين لاستقبال الزوار في السجن، تسبقه ابتسامته العريضة حتي نال محبة الجميع. وقدر للشهيد محمد أن يخرج مع نحو ستين معتقلاً من حماس والجهاد كانوا يقبعون في سجن الجنيد في العام 2000م، إثر استهداف المحتلين للمراكز والسجون الفلسطينية ونتيجة للضغوطات الشعبية والتنظيمية، وغاب منذ ذلك الوقت عن الأنظار مع العديد من المعتقلين أبرزهم رفيقا الجهاد، الشهيدان نصر الدين وياسر عصيدة. وفي ليلة ليلاء من ليالي البطولة الفلسطينية، وهو يوم 12/11/2001، عمد المحتلون القتلة وبعد جمع المعلومات من العملاء إلي محاصرة تل حصاراً محكماً لم تشهده القرية، وكان الهدف منزل الشهيد محمد الذي أحس بالعدو يتحرّك بعد منتصف الليل، فلم يجزع ولم تهتز من جسده شعرة، إذ انه علي موعد مع الشهادة، وغافَلَ المحتلين وأمطرهم بالنار بعد أن وضع العائلة في زاوية أمينة، وفاجأهم مرة أخري يفتح الباب تسبقه هتافات التكبير والاستعانة بالله الكبير، وتدور المعركة، ويسقط علي مدخل منزله مضرجاً بدمائه جريحاً، ويمنع المحتلون والده والعائلة من التقدم لإسعافه وإنقاذه حتي لقي ربه شهيداً طاهراً مطهراً. أما عاصم فكانت له قصة أخري، إذ انه أعدّ العدة مع كتائب القسام للثأر انتقاماً لأخيه والشهداء، وقصد مستعمرة عمنوئيل، وشرع بإطلاق النار وإلقاء القنابل اليدوية علي حافلة المستوطنين وسيارات حرس الحدود، بل ودخل إلي الحافلة مكبّرا ومهللاً يجهز علي من لم يمت، وقد كان في يده العديد من أمشاط الذخيرة ومسدسه. وحاولت العائلة مجتهدة البحث عن وسيلة للحصول علي الجثمان دون جدوي، ورفعت القضايا بواسطة محامين ومراكز حقوقية كانت تصطدم بعقبات كبيرة تتشدّد في رفض التسليم. ويبدو أن الشهيد أرعب المحتلّين حياً وميتاً. ويعتبر الشهيد عاصم الشهيد الأول الذي يمنع تسليم جثمانه من الذين نفّذوا عمليات داخل مناطق أراضي عام 1967، ثم تلاه أربعة آخرون من نفس القرية. أشعر بالفخر لأن الله منحني أبناء كهؤلاءلجأت وأسرتها من قرية الفالوجة، ليستقر بها الحال في مخيم الشابورة بمدينة رفح، وعانت كباقي الأسر الفلسطينية لحظة اللجوء والتشرد لحظة بلحظة، وهناك تزوجت من الحاج سعيد محمد رزق الذي رحل إلي ربه في العام 1998م، وتوالت عليها الابتلاءات والمحن، وهي صابرة محتسبة. وفي انتفاضة الأقصي، فقدت الحاجة أديبة رزق ثلاثة شهداء ( بسام وياسر ويوسف ) في يوم واحد، بل وفي لحظة واحدة، من بين 13 من الأبناء والبنات حملتهم وهناً علي وهن، من أجل عيون فلسطين، ربتهم علي حب الله ورسوله، وعلمتهم أن فلسطين هي راية الروح المشتاقة للجنان، وأن الله قد زرع فيها بركة للعالمين. استقبلت، كباقي خنساوات فلسطين، نبأ استشهاد أولادها الثلاثة بالزغاريد، ووقفت كجبل من الصبر، صامدة، وفقدت ثلاثة من أعز أبنائها علي قلبها في وقت واحد، توزع الحلوي علي من جاء يواسيها في مصابها، وتهديء من روع من حولها، وتطلب منهم الدعاء والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن شكراً لله، وتأمرهم بالكف عن البكاء. وقالت بهيبة وقوة وهي تنظر إلي صورهم التي زينت بها واجهة الدار: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأسأل الله أن يجمعني معهم في الجنة، وأحتسبهم عند الله شهداء خالصين لوجهه الكريم، أبنائي هم من حملوا في قلوبهم همّ الامة والوطن، وجاهدوا من أجل كرامة وشرف أمتهم في حين أن الحكام العرب مغيبون عن الساحة والشعب الفلسطيني تقتل نساؤه ويذبح أطفاله ولا أحد يحرك ساكناً، وهم ثأروا لهؤلاء الأطفال المغلوبين علي أمرهم ولكل المستضعفين في الأرض .وتضيف وهي تجول بذاكرتها وتوزع نظراتها الحانية علي أحفادها الذين تجمعوا من حولها وتطل برأسها تتفحصهم، وتنظر إلي عيونهم وبراءتهم، وتتذكر أبناءها الشهداء الثلاثة واحداً تلو الآخر، فبالأمس القريب كان بسام يأتي لها ويجلس معها يحاكيها، وبالأمس القريب كان ياسر يتحدث إليها ويناجيها؛ فيما كان يوسف (آخر العنقود ) قبل خروجه مع إخوته يقبل يديها، ويطلب منها أن تدعو له، وتقول: كنت أشعر بالفخر لأن الله منحني أبناء كهؤلاء. وكنت أعلم أن من عمل علي رفع دينه، ومن سلك مثل هذه الطريق، ومن يملك مثل هذه الصفات، وجاهد صادقاً مخلصاً من أجل وطنه وإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، سوف تغتاله إسرائيل، فابنائي جميعهم مشاريع شهادة، وأنا فخورة باستشهادهم . وعن لحظات تلقيها نبأ استشهاد أبنائها الثلاثة قالت الحاجة أديبة رزق: كنت أجلس في صالون المنزل، وعندما سمعت صوت دوي انفجار الصاروخ الأول انقبض قلبي وصرخت بصوت عال، وشعرت أن أولادي أصابهم مكروه، وخرجت أمام المنزل أستطلع الأمر وأنادي علي أولادي، وعندما تيقنت من الأمر، لم أعرف ما أفعل سوي أنني أدركت أن هذا هو قدر الله، فأخذت أزغرد ووقفت أوزع الحلوي علي من جاء يواسيني في مصيبتي… أنا قدمت أولادي الثلاثة فداء لفلسطين، فداء للقدس مسري الرسول الأعظم، الله يرضي عليهم ويجعلهم في مرتبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وأنا علي استعداد لأن أقدم أولادي الباقين من أجل القدس، فلن تكسر دبابات الاحتلال إرادتنا، ولن تخيفنا طائراتهم المروحية، فسيخرج من بين أشلاء شهدائنا من يقارع المحتل ليذيقه الهزائم تلو الهزائم . لا كرامة لنا إلا بالجهاد والاستشهادتضحية الأم نزهة زيادة (أم سهيل) فاقت كلّ الحدود وكل منطق وعقل، لم تكن امرأة عادية كباقي النساء، تجرّعت آلام استشهاد ابنيها الاثنين، وفراق زوجها وابنها الثالث، والقلق علي مصير ابنها الرابع، بمزيد من الصبر والتحمّل والجلد، لم يفت في عضدها شيء ولم ينل من عزيمتها أن هدمت قوات الاحتلال في ليلة من ليالي الشتاء البارد منزلها علي ما فيه. واستحقت عن جدارة لقب الخنساء، يشيد بصمودها وبطولتها وشموخها كلّ أبناء المخيم: انها جبل من الصبر والتحدي والإيمان بقضاء الله و قدره. كلّ شيء في المكان يوحي بحجم الكارثة التي ألمت بهذه الأسرة، فالمنزل المكوّن من 4 طوابق، والذي كان من أجمل بيوت المنطقة، تحوّل إلي ركام بكلّ ما فيه من أثاث، وأما الخيمة التي أقامتها تلك المواطنة الصامدة الصابرة فتوحي بفصلٍ جديد من فصول النكبة التي تعرّض لها شعبنا الفلسطيني.بدأت أم سهيل زيادة حديثها بالتعبير عن الفخر والشعور بالاعتزاز لأن الله شرفها باستشهاد نجليها سهيل ومحمد وأنه حقّق أمنيتهما وأن تحققت رؤيتها فيهما. وتقول في قصة استشهاد ابنها سهيل: كنت أصلي قيام الليل بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً، وفي سجدتي الثانية جاءني ابني محمد ووضع يده علي رأسي وأخبرني بأن سهيل استشهد خلال قيامه بالاشتباك مع قوات الاحتلال في منطقة شرق غزة، فحمدت الله وأكملت صلاتي، ثم سجدت سجدتي شكر علي ما تحقق له من شرف وأن حقق الله رؤيتها، فقد شاهدت رؤيا في عام 1998 أثناء وجود سهيل في السجن، ورأيت ملكاً يكتب في السماء: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا)، وبعد الرؤية بأسبوع حلمت بأن سهيل خرج من السجن، وعندما وصل قرب المنزل حضرت طائرة في السماء لونها كالزجاج وصعد ثلاث درجات علي سلم الطائرة، ثم حلقت، وأخذ يلوح بيده يودعني . وتضيف: لا كرامة لنا إلا بالجهاد والاستشهاد، ولا كرامة لنا إلا بالتضحية والمثابرة والصبر… هنيئاً لولدي استشهاده، فقد رحل وأنا راضية عنه، قبّلته عندما أحضروا جثته في مستشفي الشفاء، وقرأت علي رأسه آية الكرسي، ولم أدرِ يومها كيف زرع الله في نفسي الصبر والسكينة والجلد .قصص البطولة والفداء لم تنتهِ باستشهاد سهيل، إذ توضح أم سهيل أن ابنها الثاني محمداً كان يلح علي شقيقه سهيل بأن يوافق علي إرساله لتنفيذ عملية استشهادية، وطالما اشتكاه لمسؤوليه بأنه يمنعه من تحقيق أمنيته، وكان ردّ سهيل عليه بأنه لا يستطيع إرساله ولا يستطيع منعه، وأنه يحتاج إلي موافقة والدته. وحول ذلك تقول أم سهيل: ان الشهيد محمد كان يوم استشهاده في الرابع عشر من تموز (يوليو) من عام 2002م، أي بعد شهرين من استشهاد شقيقه سهيل، علي سطح المنزل مع مجموعة من رفاقه يتابعون عملهم اليومي في صناعة المتفجّرات، وإذ بي أسمع دويّ انفجارٍ هائل، بعدها خرج اثنان من رفاق محمد يحملونه وقد غطت الدماء وجهه، وما أن ساروا عدة أمتار حتي سقط منهم علي الأرض، عندها أيقنت أنه استشهد… توجّهت نحوه وقبّلته وحمدت الله أن نال الشهادة التي تمنّاها، فقد كان يشارك في كافة المواجهات التي تحدث مع قوات الاحتلال . زغاريدي أطفأت فرحة قتلة ابنينعيمة محمد الأخرس، أم فلسطينية لفتت الانتباه بميناء رفح البري وهي تزغرد بصوت ممزوج بالبكاء وتوزع الحلوي علي رواد الميناء، فانتبه الجيران لصوت الزغرودة غير العادية التي جذبت إليها العقول والقلوب في حالة فريدة غير مألوفة، ذلك أن الزغرودة تنثر في المكان مزيجاً من مشاعر الفرح والحزن في آن واحد. والكل سأل في لهفة عن مصدر هذه الزغرودة؟ فجاءت الإجابة مسرعة كالبرق، إنها نعيمة محمد الأخرس. وتصور الجميع أنها تعبر عن فرحتها وهي في طريق عودتها إلي ديارهم بعد أداء فريضة الحج التي وفرها خادم الحرمين الشريفين لأسر الشهداء. وفي لحظات، كان الجميع حولها في منزلها للاستفسار عن سبب زغرودتها، لكن دموعها الواضحة من خلال الزغاريد التي أطلقتها بينت أن هناك قصة واضحة ما وراء ذلك، قالت لهم والدموع تنهمر من عينيها: لقد استشهد ابني الثاني وأصبحت أماً لشهيدين، إنني في غاية السعادة، لقد ضحي ابناي بحياتهما من أجل تراب فلسطين الغالي ، ثم سجدت الأم شكراً لله وعاد الجميع كُلٌ إلي بيته. قصة هذه الأم الشجاعة بدأت حينما استيقظت فجر أحد الأيام علي صوت جرافة إسرائيلية وعلي بعد أمتار تقف دبابتان… اقتحم الجنود الصهاينة منزل نعيمة الأخرس وطالبوها هي وابنيها بالخروج من المنزل خلال ربع ساعة لأن هناك قراراً صدر من الجيش الإسرائيلي بهدم المنزل… حاول الابن الكبير وائل الأخرس 23 عاماً مواجهة أحد الجنود الصهاينة، فبادره جندي صهيوني بعدة أعيرة نارية فسقط وائل علي الأرض وسط بركة من الدماء… لم تتمالك الأم نفسها فراحت تبكي بمرارة، إلا أن وائل وقبل أن يفارق الحياة بلحظات قال لأمه وهي تحتضنه بشدة: لا تبكي يا أمي لأن دموعك تُسعد الصهاينة، أرجوك حاولي أن تزغردي وافرحي … احتفظت الأم بكلمات وائل في قلبها وهدأت من روعها. بعد عدة ساعات من استشهاد وائل أصر ابنها الثاني جهاد الأخرس ( 18 عاماً) علي الانتقام لأخيه حتي يستريح في قبره، فحاولت الأم إثناءه عن هذه الفكرة خوفاً عليه، إلا أنه هرب من المنزل لينفذ ما عزم عليه. وبعد ساعات جاءت للأم مكالمة هاتفية باستشهاد ابنها جهاد. وفي الحال، تذكرت الأم ما قاله لها ابنها الأكبر وائل فراحت تزغرد وتزغرد بكل قوتها وهي تقول في قلبها: لو كان عندي أبناء آخرون ما بخلت بهم علي وطني. تروي أم الشهيد وائل قصتها قائلة: لقد بدأ يومي منذ شهرين بعد صلاة الفجر مباشرة علي ضجيج زئير بلدوزر اعمي وصرخات خائفة لجنود مدججين بالسلاح تدعونا للخروج من البيت… كان ذلك قرار هدم البيت الذي صدر منذ أسبوع، فحاول ابني وائل ـ 23 عاماً ـ مواجهة الجندي الصهيوني، حيث التحم به وجهاً لوجه وجسداً لجسد… كان الجندي مدججاً بالسلاح وابني أعزل تماماً، فبادره الظالم بعدة أعيرة نارية ليسقط ابني علي الأرض أمام عيني وسط بركة من الدماء. لم أتمالك نفسي من البكاء والصريخ والعويل، وكان ابني وائل ما زال علي قيد الحياة، وعندما حضرت سيارة الإسعاف وجدت ابني يقول لي: أرجوك يا أمي لا تبكي، فإن دموعك تسعد العدو وتشعره بالنجاح… أرجوك حاولي أن تزغردي وافرحي حتي لا يفرح العدو بقتلي… كانت هذه وصية ابني قبل استشهاده بساعة واحدة… اختفي ابني الثاني جهاد من جواري، وبقيت وحدي أشهد مقاومة بيتي لبلدوزر أحمق يقوده ظلمة، ورفعت يدي أتضرع إلي الله أن يسحقهم ويشردهم . وتضيف أم الشهيد وائل: في منتصف الليل، جاءت سيارة جنود صهاينة تحمل معها جثة ابني جهاد… نزل منها جنود صهاينة، وقاموا بحمل جثة ابني من السيارة، وألقوه أمامي والفرحة تشع من أعينهم، وقال لي الجندي: هذا ابنك الثاني لقد قتلناه… نظرت إلي أعينهم فوجدتها تفيض من الفرح، تذكرت وصية ابني الشهيد وائل، فوجدتني أزغرد بلا عقل ولا فكر ولا وعي، وما أن انطلقت مني الزغاريد حتي شعرت بأن زغاريدي قد أطفأت فرحة قتلة ابني… لقد صكت الزغاريد آذانهم، ولقد لمحت في عيونهم إحساساً بالعار فنكسوا رؤوسهم تحت وطأتها . سنبقي ننجب مثل هؤلاء الرجالعندما تسير بين أزقة وشوارع منطقة بطن السمين في محافظة خان يونس، وبرغم الحزن والأسي الذي يخيم علي هذه المنطقة التي هي ثغر قريب من مستوطنة نيفيه دكاليم الصهيونية (قبل اخلائها)، ستجد بيتاً شامخا بين هذه البيوت المتواضعة يحوي أسرة ملتزمة خرّجت ثلاثة من الشهداء، وهم: محمد ويوسف وثالثهم أحمد مصطفي محمد شهوان الذي باستشهاده ارتقي إلي جوار الرحمن حيث نعيم الجنان.هي عائلة فلسطينية صابرة محتسبة كبقية الأسر الفلسطينية الأخري، لكنها عائلة من نوع خاص في مقارعة الاحتلال ومقاومته منذ سنين طويلة، حيث تجرعت المر علي أيدي القوات الصهيونية منذ الانتفاضة الأولي لكنها كانت بمثابة الموت الزؤام للاحتلال أينما وجد، فقدمت دماء أبنائها رخيصة في سبيل الله، وواجهت معاناة قاسية جراء إصرار أبنائها علي الاستمرار في النهج القسامي المجاهد منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. فقبل أكثر من عشرة أعوام، وتحديداً في 17/ 3/ 1994م، فقدت هذه العائلة ابنها الأول شهيداً في كمين نصبته قوات الاحتلال له مع مجموعة من كتائب الشهيد عز الدين القسام علي الخط الشرقي في مدينة خان يونس، عندما كانت المجموعة متوجهة لتنفيذ عملية جهادية في رفح. ورغم مرور ما يقرب من عشرة أعوام علي استشهاد ابنها، إلا أن الحاجة ملكية شهوان (61 عاماً) تتلمس بيديها مكان آخر قبلة طبعها ابنها علي جبينها، وتضيف: في كل صباح أحتضن صورة ابني وأقبلها وأشعر براحة تامة في ذلك، لدرجة أني لو لم أفعل ذلك يومياً لشعرت بالحزن والضيق، فابني ما زال بين يدي وفي عقلي وروحي ولن يغيب عني مهما طال الزمن .وتستطرد الحاجة ملكية شهوان وهي تحبس دموعها في مآقيها: لم أندم نهائياً علي أن ابني اختار الجهاد طريقاً لتحرير أرضنا ووطننا علي الرغم من دفعه لروحه ثمناً لذلك، فأنا أفتخر دائماً بمحمد، وأعتبر ما كان يقوم به من جهاد وسام فخر أحمله أنا وكل أبنائي طوال حياتنا . وأما بعد استشهاد ابنها الثاني يوسف فقد وقفت والدته موقف النساء الصابرات المحتسبات مذكرة بصحابيات رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهي تتذكر ابنها الشهيد الأول محمداً. وتقول: الحمد لله الذي شرفني باستشهاد ابني الثاني يوسف الذي سيشفع لنا إن شاء الله تعالي، وإني أحتسبه شهيداً عند الله، وأتمني من الله أن يجمعني وإياهم في الجنة . ورغم الألم الذي يعتصر قلبها علي فقدانها أبناءها، إلا أنها لا زالت تحمل نفس المجاهدين وتقول كلام الشهداء الأكرم منا جميعاً، فهي تحتسبهما عن الله شهداء، ويكفي أنها ستجد من يشفع لها كما تقول الحاجة ملكية، وتضيف: لم أندم نهائياً علي أن أبنائي اختاروا الجهاد طريقاً لتحرير أرضنا ووطننا، علي الرغم من دفعهم لأرواحهم ثمناً لذلك، فأنا أفتخر دائماً بالشهيدين محمد ويوسف، وأعتبر ما كانا يقومان به من جهاد واستشهاد وسام فخر أحمله أنا وكل أبنائي طوال حياتنا .وأصبحت أم الشهيدين كما أطلق عليها الجيران في المنطقة تحتضن صورة اثنين من أبنائها وتقبلهما صباح كل يوم، بعد أن كانت تحتضن صورة محمد فقط منذ أكثر من عشر سنوات لتضيف دفئاً آخر إلي حضنها الذي اعتاد علي فقد الأبناء شهداء ومعتقلين واحتضانهم صوراً وذكريات. وتقول أم الشهيدين بلهجة عزة وافتخار: يتصور الجميع أنني باستشهاد اثنين من أبنائي سأنهار وأسلم الراية، لكني والحمد لله بخير تام ولم أفكر حتي في أن يغير بقية أبنائي نهجهم المجاهد، لأن ما كتبه الله سيكون، وبدلاً من الموت علي فراشنا فالأولي أن نموت شهداء مجاهدين ، وتضيف: والله إني صابرة علي مشيئة الله تعالي، وأودع أبنائي يومياً كشهداء، لأنني علي يقين بأن الله تعالي سيكون دائماً عوناً للمجاهدين الصابرين، فلا داعي لأن نحزن طالما أن الله تبارك وتعالي فضلنا عن غيرنا باستشهاد أبنائنا .الشهيد أحمد مصطفي شهوان تزوج من أرملة أخيه الشهيد يوسف، حتي يحصّن بيت أخيه ويرعي ابنه عبد الرحمن ليكون له الأب الثاني بعد فقدانه لأبيه، فكان وفياً لدماء أخيه ومحافظاً علي بيته، ولم تمض سنة وشهران علي زواجه منها حتي قرر أن يكون وفياً لأخيه أيضاً بأن لحق به شهيداً، كما كان وفياً لوعده بأن يحفظ بيت أخيه ويرعاه بعد استشهاده. وبهذا، يصبح ابن أخيه الطفل عبد الرحمن يتيماً للمرة الثانية، ولتحمل الزوجة ابن الشهيد أحمد في أحشائها لتسميه عبد السلام كما كان يريد الشهيد أحمد تسمية ابنه، مؤكدة بأنها ستغرس فيه حب الجهاد والاستشهاد ليواصل الطريق الذي كان سار عليه والده وأعمامه.تلك كانت بعض ملامح الصورة لدي هذه العائلة المجاهدة، والتي ارتسمت تفاصيلها بألوان الدم الأحمر، ورسمت رتوشها بعذابات الأبناء وآهات الآباء، وتم توقيعها بالعهد علي الاستمرار في طريق البنا وعز الدين.أنا سعيدة لأن الله سيكرمه:وقفت والدة الاستشهادي تيسير العجرمي تضرب المثل الأعلي في العزة وهي تطلب من النسوة عدم البكاء واحتساب الشهيد عند الله، وأبت إلا توزيع الحلوي والشراب علي روح الشهيد، وقالت: نحن نتقبل التهاني بشهدائنا لا التعازي ونستقبل الشهداء بالزغاريد، إنها اللغة التي لا يفهمها الاحتلال والأمريكان ، ثم ابتسمت مستطردة بالقول: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار . وطلبت أم الشهيد من جاراتها وزوجة ابنها التوقف عن البكاء، وأرسلت أحد أبنائها لشراء الحلوي لتوزيعها علي المعزين قائلةً وهي تمسك بصورة الشهيد: لا تبكين… اضحكن… أنا سعيدة لأن الله سيكرمه .وبين الرجال كان ناجي، شقيق الشهيد الذي تبعه بعد عدة أشهر شهيداً، يوزع الحلوي علي جموع الحضور وهو يقول: الحمد لله الذي شرفنا باستشهاده، ونحن فخورون بما قام به أخي تيسير . فمنذ أن نفذ أخوه تيسير ( أب لولدين وبنت ) العملية الاستشهادية في معبر بيت حانون أخذ الشهيد ناجي علي نفسه أن يواصل طريق الجهاد التي سار عليها أخوه تيسير رغم أنه لم يمض علي زواجه سوي سبعة أشهر، فعزم أمره وشد رحاله ليلحق بركب قوافل الشهداء، والانتقال الي حياة البرزخ والخلود والنعيم مع الصديقين والشهداء.وفي صباح يوم استشهاد ناجي استيقظت الوالدة من النوم بعد أن رأت في الرؤيا أن ابنها ناجي سيستشهد ويقام أمام المنزل عرس له وسيحضر الجيران والأهل والأصحاب بتقديم التهاني لها باستشهاد ابنها، وقالت لزوجها: اليوم سيستشهد ناجي وسيقام له عرس الشهادة أمام المنزل ، فلم يهتم الوالد بكلامها ولم يصدقه، وظن أنها قد تأثرت باستشهاد ابنها تيسير. ومن شدة خوفها علي ناجي، وإحساسها بأن رؤياها ستتحقق ردت عليه: اليوم بتشوف. ومرت الساعات، ودخل الوقت علي صلاة العصر، وبعد الصلاة كانت الوالدة تجلس مع زوجها، وفجأة دق باب المنزل، وكان الطارق مجموعة من الرجال. وعندما بادر أحد أفراد المجموعة بتوجيه سؤال للوالد عن ابنه ناجي مباشرة، قالت الوالدة له: ناجي استشهد… ناجي استشهد؟ فاستغرب الرجل بسرعة بديهة الأم، وقال لها: نعم. فقالت الأم الصابرة والمحتسبة: ناجي له عندي أمانة أوصاني بها ، وخرجت إلي باب المنزل، وأطلقت زغاريد. فتعجب الجيران من الزغاريد التي انطلقت من منزل الشهيد تيسير العجرمي، وخرجوا الي الشارع العام و شاهدوا فرحة الأم باستشهاد ابنها، وعلي الفور أقام الجيران والعائلة عرس الشهيد، وبدأت الوفود المهنئة تتوافد علي منزل الشهيد لتقديم التهاني لأسرته التي قدمت اثنين من أبنائها شهداء في سبيل الله.صدق الله فصدقه:الشهيد أسامة محمد حلس، قضي شهيداً خلال شهر رمضان المبارك، عندما شارك إخوانه في اقتحام مستوطنة كفارداروم ضمن تجمع مستوطنات غوش قطيف بتاريخ 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001م مستخدماً سلاحه الذي اشتراه علي نفقته الخاصة. وفي صبيحة اليوم التالي لاستشهاد أسامة، كانت والدته تواسي نفسها والنسوة اللواتي ازدحمت بهن ساحة منزلها، وكأنها تناجي ما ذكره في وصيته: سأصبر لأثبت لك أني استحق أن أكون أم شهيد وسأمسح دمعي، ولن أطاوع قلبي… كان يردد علي: سأتزوج بسبعين من الحور العين وليس واحدة، ويقول: ألا تستحقين أن تكوني والدة شهيد، فأذرف دمعي وأسأله: ولماذا لا أكون كذلك؟ فيجيبني بلهفة المشتاق: لو كنت استحق الشهادة لرزقني الله إياها فأسألي الله أن أكون من الشهداء .سنبقي علي العهد ما بقينا:اسمها فاطمة الجزار (أم رضوان)، وهي أم فلسطينية تبلغ الستين من عمرها، وزوجها من عائلة الشيخ خليل التي شردت من ديارها عام 1948م من قرية يبنا، ليستقر بها الحال في مخيم يبنا بمدينة رفح، فتعاني كباقي الأسر الفلسطينية لحظة اللجوء والتشرد لحظة بلحظة، وتتوالي عليها الابتلاءات والمحن، وهي صابرة محتسبة. فقدمت أربعة من أبنائها شهداء، وأربعة آخرين من أقاربها، ولا تزال ـ رغم كبر سنها ـ تحمل روحاً ثورية، وهمة وعزيمة لا يحملها كثير من الشباب، ولا يزال لسان حالها يقول: لا حل إلا بالجهاد والمقاومة، وسأستمر في تقديم الشهداء حتي يأذن الله بالنصر.والحاجة أم رضوان، تتقمص دور الأم الكبري فلسطين التي تقدم كل يوم أبـــــناءها شهداء علي مذبح الحرية من دون أن تضعف أو تكل أو تلين لها قناة، وهي تدرك أن هذه الدماء ستثمر يوماً ما. وقد قدمت الحاجة أم رضوان أبناءها: أشرف وشرف ومحمود وآخرهم محمد الشـــــيخ خليل القيادي في سرايا القدس، كما سبق أن قدمـــــت أخاها شهيداً، وأيضا زوج ابنتها، واثنين من أحفادها، ربتهم جميعاً علي حب الوطن و أرضعتهم معني العزة والكرامة.قالت أمام مؤتمر صحافي في وسط مخيم يبنا للاجئين بمدينة رفح، ظهر الثلاثاء 28 أيلول (سبتمبر) 2005م، بصوت قوي: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، واسأل الله أن يجمعني معهم في الجنة، وأحتسبهم عند الله شهداء خالصين لوجهه الكريم، أولادي الشهداء قدمتهم فداءً للدين وللوطن وللقضية وللمقدسات، الله يرضي عليهم ويجعلهم في مرتبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولن أندم لحظة علي التضحيات، هم قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، ولقد قدمت قبلهم أخي الشهيد خضر الجزار عام 1967م وابن بنتي الشهيد حسن أبوزيد وابن بنتي الشهيد خالد غنام وزوج ابنتي الشهيد خالد عواجة ، وتابعت تقول: أنا قدمت أولادي الأربعة فداء للأقصي، فداء لفلسطين، فداء للقدس مسري الرسول الأعظم، وأنا علي استعداد لأن أقدم باقي أولادي من أجل القدس، فلن تكسر دبابات الاحتلال إرادتنا، وسنبقي علي العهد ما بقينا . وكان محمد الشيخ خليل أحد أهم المطلوبين لقوات الاحتلال الصهيوني، حيث تعرّض لأربع محاولات اغتيالٍ باءت كلها بالفشل، حيث كان آخرها محاولة اغتياله بصاروخ أطلقته طائرة استطلاع علي بيته. ومنذ ذلك اليوم ولا زالت سلطات الاحتلال تبحث عنه في كل مكان، إلي أن تم استشهاده في قصف جوي بصاروخ واحد علي الأقل أثناء مروره أمام مطعم شعفوط في شارع البحر في حي تل الهوي غرب مدينة غزة.قالت الحاجة فاطمة الجزار عن لحظات تلقيها نبأ استشهاد ابنها الرابع محمد الشيخ خليل: كنت أجلس في صالون المنزل، وعندما توالت الأنباء باستشهاد ابني محمد في قصف جوي حمدت الله وسجدت شكراً لله علي استشهاده. وأدركت أن هذا هو قدر الله، فأخذت أزغرد وأصرخ بصوت عال، ووقفت أوزع الحلوي علي من جاء يواسيني في مصابي، وأخذت النساء من حولي يهدئن من روعي، ويطلبن مني الدعاء والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن شكراً لله ، وتضيف وهي تجول بذاكرتها وتوزع نظراتها الحانية علي أحفادها الذين تجمعوا من حولها وتطل برأسها تتفحصهم، وتنظر إلي عيونهم وبراءتهم، وتتذكر أبناءها الشهداء الأربعة واحداً تلو الآخر: أنا فخورة باستشهادهم، فهم سافروا إلي الجنة عبر رحلة طويلة من الجهاد والمقاومة .وللحاجة فاطمة الجزار، خنساء رفح، حكاية أخري مع قوات الاحتلال حيث استشهد اثنان من أحفادها في يوم واحد وهما: الشهيد حسن أبوزيد والشهيد خالد غنام. وتقول حول استشهادهما: كان حسن وخالد يلعبان مع أصحابهما في ساحة اللعب، التي تبعد حوالي مئة متر من الشريط الحدودي وتحيطها المنازل الشاهقة، وظهرت فجأة دبابة صهيونية تقوم بأعمال الدورية تقدمت باتجاههما، وصوبت نيران أسلحتها عن عمد ليستشهدا بتاريخ 9/4/2005م.7