هكذا تبدو القدس المكان الأكثر قدسية لليهود

حجم الخط
1

الثورة الهادئة في الحرم، أحد الأماكن الأكثر تفجراً في الشرق الأوسط، وقعت في السنوات الأخيرة بعيداً عن الأضواء. فقد تحققت بالتدريج، بذكاء وبتصميم، وكانت جيدة لليهود. في غضون سنوات قليلة ارتفع عدد الزوار اليهود في الحرم سبعة أضعاف فأكثر، وصعد عددهم من نحو 5 آلاف في السنة إلى أكثر من 35 ألفاً في العام 2018. هذا قليل جداً مقارنة بملايين المسلمين ومئات آلاف السياح الذين يؤمون المكان الأكثر قدسية للشعب اليهودي في كل سنة، والثالث في قدسيته للإسلام. ولكن هذه بداية متواضعة وهامة لا مثيل لها لإصلاح ظلم تاريخي وديني متواصل، أقصى اليهود عن الحرم. حكومات سابقة، ولا سيما وزراء شرطة وقادة لواء سابقين في القدس، حرصوا على إبقاء الظلم لنحو يوبيل من السنين.
لقد كان مهندس التحول في موقف الشرطة من زيارات اليهود إلى الحرم هو قائد لواء القدس في الشرطة اللواء يورام هليفي، ومن منحه الحبل السياسي هو وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان. كثيرون من أسلافهما رأوا في زيارات اليهود إلى الموقع المقدس مصدر أزعاج وخطراً، وحرصوا على تقليصها وفرض المصاعب عليها قدر الإمكان. فقد كانوا يتمسكون بتزمت بقسم واحد من الوضع الراهن، كان يحظر على اليهود الصلاة في الحرم وتجاهلوا على نحو استعراضي لجزئه الثاني: الإذن الذي أعطي لليهود لإجراء الزيارات هنا.
لقد دعا وزير التاريخ إلى الولاية المشتركة معاً، يورام هليفي وجلعاد اردان، خريجي التعليم الديني ـ الوطني في القدس اللذين تجرأا على تحدي الجمود الفكري الذي رأى في كل مؤشر يهودي في الحرم خطراً. وكان أسلافهما وصفوا كـ «تهديد» اتساع الفتوى الحاخامية التي تسمح بزيارة اليهود إلى الحرم؛ هليفي واردان رأيا فيها فرصة. حين قال هليفي قبل أكثر من سنة إن «أعداد الحجاج إلى الحرم تضاعف نفسها»، بل ودعا اليهود «تعالوا إلى الحرم»، فقد عبر عن فكر صهيوني وسيادي بالذات في المكان الذي فيه الصهيونية والسيادة في انسحاب دائم منذ حرب الأيام الستة.
لقد أدى تغيير الفكر إلى أن أصبح الحرم أخيراً «في أيدينا» قليلاً، بشكل حقيقي، وليس كشعب. فلتواجد اليهودي المتجدد في المكان، الذي كاد يكون «نظيفاً» من اليهود على مدى يوبيل من السنين، معنى بعيد الأثر. فمنذ 1967 يستخدم المسلمون التغيب المدني اليهودي عن الحرم لتثبيت ادعائهم بأنه ملكهم الحصري. أما اليوم فقد تقلصت قاعدة الحقائق لهذا الادعاء، وينبغي الأمل في أن تتقلص أكثر فأكثر. وأن يستوعب مواصلو درب هليفي واردان أهمية التغيير ويسمحوا باستمراره.
لقد منح هليفي الزوار اليهود لأول مرة الإحساس بأنهم ليسوا «غرباء» أو «خطيرين» هناك. وأقيمت آلية حوار وتنسيق بين الشرطة ومنظمات الحرم، و«روح القائد» تسللت إلى الميدان. فشرطة الحرم، الذين كانوا من قبل يصعبون الأمور على الزوار اليهود، بدأوا يبشون لهم الوجه وحولوا الزيارة من كابوس إلى تجربة نفسية مقبولة للعقل. لم ترفع كل القيود، ولكن زيارات اليهود إلى الحرم اليوم حرة أكثر مما كانت في أي وقت مضى منذ حرب الأيام الستة.
كما أن اردان وهليفي قادا المسيرة التي في إطارها أبعد عن المكان ـ وبعد ذلك أخرج عن القانون ـ رجال الجناح الشمالي للحركة الإسلامية وحركاتها المتفرعة: المرابطين والمرابطات. فهؤلاء عرقلوا على مدى السنين زيارات اليهود الحرم وحاولوا منعها في ظل التحديات والاستفزازات التي لا تنقطع. الآلاف وصلوا بالتسفير المنظم من المثلث ومن الجليل، بل وأثيبوا مالياً: آلاف الشواكل للفرد في كل شهر. بعضهم، هكذا تبين لاحقاً، خططوا حتى لعمليات إرهابية كانت تستهدف المس بعادة الزيارات إلى الحرم.
إن على من سيحل محل هليفي واردان أن يواصل التحول. فالحظر على اليهود للصلاة في الحرم هو «حليب» سكبه موشيه دايان بعد حرب الأيام الستة؛ هذا ظلم يصرخ إلى السماء ولكن مشكوك في أمكانية إصلاحه اليوم. إن ما تبقى للشعب اليهودي في الحرم من زيارات حرة بالمكان الأكثر قدسية له، هو الحد الأدنى المطلوب. فقد فهم هليفي واردان عظمة الساعة، وينبغي أن نطالب بأن يستمر التغيير التاريخي في المستقبل أيضاً.

نداف شرغاي
إسرائيل اليوم 31/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية