أبدأ بالترحم على أرواح الشهداء الذين ارتقوا على ثرى فلسطين الحبيبة وليس أقلهم النساء والأطفال الأبرياء، الذين مزقتهم آلة الظلم الصهيوني. الشهداء جميعا خلقوا للفلسطيني اليوم حيزاً أوسع من الفخر، وفرصة أكبر للتريث والتفكر بعيداً عن الفصائلية والتشنج.
وقبل أن أسرد ما في البال وبصراحة، أود أن استحضر ما قاله لي أحد الصحافيين على الهواء مباشرة، وخلال مقابلة إذاعية، المذيع الشاب قال انه شعر بالقشعريرة واغرورقت عيناه بالدموع فخرا، عندما رأى وفدا فلسطينيا موحدا في القاهرة، ليبلغني لاحقا بأنه شعر بأن ذلك الموقف شكل له انتصاراً كافياً. صورة تطابقت مع صيحات الأب المكلوم الذي استقبل الوفد الموحد خلال زيارته لابنه الجريح في المشفى في القاهرة، وإصراره على أن حياة عائلته هي فداء للوحدة الفلسطينية. لذا وبصراحة واكراماً للشهداء والجرحى والأسرى ومسيرة النضال والصمود فإن المطلوب ليس فقط وقفاً دائماً للعدوان الإسرائيلي على شعبنا فحسب، بل أيضاً وقفاً دائماً للعدوان المعنوي الفلسطيني – الفلسطيني وانتصاراً صريحاً للوحدة الوطنية والحفاظ على تجانسنا لخدمة مشروع التحرر والاستقلال.
وبصراحة أخرى لا بد من الخروج من دائرة رفع الحصار عن غزة فقط، ففتح معبر رفح وإعادة بناء المطار والميناء وتسهيل حياة الناس واطلاق سراح الأسرى ووقف اعتداءات المستوطنين، كلها أمورٌ مهمة للغاية توازيها أهمية أكبر تكمن في إنهاء الاحتلال بصورة شاملة، باعتباره المسبب الرئيس لنكبات المنطقة.
وبصراحة لم يعد للمفاوضات مكان في حياتنا الفلسطينية، بل من الحكمة التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مباشرة للحصول على قرار أممي يقضي بوضع فلسطين تحت الحماية الدولية، تمهيداً لتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي رفضت إسرائيل تطبيقها واستمرت بجبروتها الصهيوني واستطردت في قتل الفلسطينيين واستمرت في ذلك دونما رادعٍ أو وازعٍ.
وبصراحة يجب أن توّقع كامل الفصائل فوراً على وثيقة الموافقة على توقيع ميثاق روما والتوجه نحو محكمة الجنايات الدولية، بحيث يخلق الإجماع الوطني لمقاضاة إسرائيل والدراية الشاملة بتبعات هذه الخطوة التي ستقابلها إسرائيل بمقاضاة الفلسطينيين إيضاً. وبصراحة لا بد من عقد المجلس الوطني وضمان دخول حركتي حماس والجهاد الإسلامي في منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث يجري تأهيل هذه المؤسسة التي وعلى وهنها ما يزال العالم يعتبرها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. هذا التفعيل للمجلس ولإركان السلطة يجب أن يأتي بموجب انتخاباتٍ ديمقراطية واضحة.
وبصراحة ايضا لا بد من التبني الشامل لمفهوم مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وليس فقط بضائع المستوطنات، وذلك على المستوى الشعبي والجماهيري. وقد بدأنا نشهد اليوم ردة شعبية عن استخدام المنتج الإسرائيلي الذي فرضه الاحتلال على شعبنا. وفي خضم هذا الزخم لا بد من تطوير المنتج الفلسطيني ليصل إلى الجودة المطلوبة بما يتقاطع والمقاييس الدولية.
لا بد بصراحة من ضرورة تكثيف الجهد الشعبي والرسمي والدولي المنظم لإغاثة وإعمار غزة، من خلال هيئة إئتلافية تسمى بهيئة إعمار فلسطين، لتكون المظلة الجامعة للمبادرات الإغاثية الإنسانية والتأهيلية، بعيداً عن فوضى المبادرات التي بدأنا نرى تجلياتها اليوم.
لا بد بصراحة من مقاضاة إسرائيل بتشكيل المفوضية الفلسطينية للجرائم ضد الإنسانية التي تتولى متابعة الشكوى الرسمية والشكاوى الخاصة لكل الذين وقعوا ضحية الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية وما أكثرها.
بصراحة لا بد من صراحة وطنية واسعة بضرورة صياغة رؤية فلسطينية نضالية تنموية شاملة تراجع مواطن الخلل وتنتصر لمواطن القوة ويجمع عليها الأشقاء، حتى لا نبقى ندور في فلك الوفاق والاختلاف حول اتفاقية أوسلو وباريس والتنسيق الأمني وغيرها.
يا وحدتنا وبصراحة يجب أن تكون الشعار الفلسطيني الأهم مع التقدير لكل من يؤازرنا ويقف إلى جانبنا من أبناء جلدتنا ومن المتضامنين الدوليين على المستويات الرسمية والشعبية وفي كل مكانٍ من العالم. يستحضرني في هذا المقام قول الأب الذي خسر أبناءه تحت الركام مخاطباً معزيه بالقول بأن حياته وماله وأبناءه قد نذرهم من أجل لحظة حرية وكرامة وخلاص من المحتل.. فهل تحين اللحظة اليوم أم ننتظر ستة عقودٍ أخرى؟!
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم