1
مراد وهبة أكاديمي مصري مشهور وإضافة لكونه – حسب «ويكيبيديا» – بروفيسورا وأستاذ فلسفة، مؤسس ورئيس «جمعية ابن رشد والتنوير العام»، وقائمة كتبه الطويلة تتناول مواضيع فلسفة الاخلاق وفلسفة الابداع وقصة الفلسفة و»الأصولية والعلمانية» وبرغسون وغيرها، وهو – حسب من حرر تلك الصفحة عنه – «واحد من الـ500 شخصية الأشهر في العالم» وهو موجود ضمن «موسوعة الشخصيات العالمية»، وتولى مناصب ومراكز مرموقة.
ظهر وهبة في مقابلة على قناة تلفزيونية مصرية محذرا من خطر الإسلاميين على العالم بدليل أنهم يحكمون مدنا في بريطانيا وأن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كان لديه ستة مستشارين من الإخوان المسلمين.
سأل المذيع وهبة: «على ماذا كان أوباما يراهن بتعيينه ستة مستشارين من الإخوان؟» فأجاب: «يراهن على تحقيق الخلافة الإسلامية»، و»لماذا يريد الغرب تحقيق الخلافة الإسلامية؟»، سأل المذيع مجددا وهو يبتسم بمكر فأجاب وهبة أنه بصفته عضوا في جمعيات عالمية «يستطيع أن يستنتج» أن الغرب (أوباما في هذه الحالة) فكر بالطريقة التالية: «ما دامت هذه الجماعة مهيجة الناس وعايزة الخلافة الإسلامية خليهم يعملوها»، وحمل وهبة، في المقابلة نفسها، المثقفين العرب المسؤولية لأنهم «سمحوا للإخوان بالسيطرة على الثقافة العربية» وهو ما جعل بلداننا «تصدّر الإرهاب» للعالم.
2
تعتبر نوال السعداوي شخصية أشهر بكثير من مراد وهبة ولديها تاريخ طويل من النضال الاجتماعي والسياسي والأدبي، وقد أسست أو ساهمت في تأسيس منظمات فاعلة مهمة منها «جمعية تضامن المرأة العربية» و»الجمعية العربية لحقوق الإنسان» و»الكاتبات المصريات»، كما عملت مستشارة للأمم المتحدة في برنامجي «المرأة في افريقيا» و»الشرق الأوسط»، واعتبر أحد كتبها «المرأة والجنس» أحد النصوص المؤسسة للموجة النسوية الثانية، وكانت ضمن المثقفين الكثر الذين قبض عليهم في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981، وكل هذا يعني أنها أحد الشخصيات التي أثّرت في الثقافة والرأي العام العربيين، ويعتبرها العالم مرجعا مصريّا في قضايا النسوية وحقوق المرأة، كما أنها دفعت ثمناً باهظاً لنضالاتها وأفكارها.
أدلت السعداوي بتصريحات قالت فيها إنها «رأت بعينها» المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية هيلاري كلينتون توزع النقود بنفسها على شباب ميدان التحرير.
قامت السعداوي بالإدلاء بتصريحات خلال معرض للكتاب في مدينة غوتنبرغ السويدية قالت فيها إنها «رأت بعينها» المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية هيلاري كلينتون (والتي كانت حينها وزيرة للخارجية) توزع النقود بنفسها على شباب ميدان التحرير عام 2011 كي ينتخبوا الإخوان المسلمين، ورددت السعداوي في المقابلة المصورة معها خطابا شبيها بخطاب وهبة متسائلة: «لماذا أراد الأمريكيون انتخاب الإخوان المسلمين في مصر؟»، وحين ذكر المحاور السعداوي بأن العالم اعترف بأن الانتخابات التي حصلت في مصر عام 2012 وجاءت بمحمد مرسي رئيسا كانت حرة وديمقراطية فردت بأنه «ليس هناك انتخابات حرة حتى في أمريكا نفسها»!
3
سعدي يوسف قامة كبرى في الشعر والثقافة العربيين فإضافة لعشرات المجموعات الشعرية التي كتبها والنضال السياسي والثقافي الطويل الذي كان منخرطا فيه فقد أغنى المكتبة العربية بترجمات فذة لشعراء وكتاب كبار كريتسوس وكافافي ولوركا وويتمان وسوينكا ومعلوف وكثيرين آخرين.
أعلن يوسف موقفا واضحا ضد الثورات العربية، وأخذت تصريحاته حولها تتجه للغرابة والتطرف مقتربة كثيرا من منظور وهبة والسعداوي، فالثورات «صناعة أمريكية»، والنظام السوري «ممانع ومقاوم».
قام يوسف بالتشنيع على بعض وجوه المعارضة السورية، ويبدو أن له ثأرا خاصا مع الكاتب برهان غليون، الذي خصه بمقالة في صحيفة «الأخبار» اللبنانية عام 2011 يسخر فيها من طريقة لبسه، كما كتب عنه مؤخرا، على خلفية وجود لاجئين سوريين وفلسطينيين على حدود الجزائر، مزركشا روايات وزير الداخلية الجزائري العديدة المتناقضة عن كونهم «إرهابيين»، بالقول إن «الجنرال برهان غليون» (وهو كاتب وأكاديمي وليس عسكريا) هو من ابتعثهم ليهاجموا الجزائر!
وصل سعدي يوسف في أحد تصريحاته إلى أن «الشعوب عميلة، بمعرفتها أو بدون معرفتها»، ولم يكتف بنقد المثقفين «المتآمرين مع المخابرات الغربية» لإشعال الثورات، بل وصل الاتهام إلى الشعوب نفسها وهي نقلة كبيرة حقا لمثقف منخرط في الشأن العام وعمل زمنا طويلا على «قيادة» العراقيين ضمن الحزب الشيوعي إلى ثورة هدفها «وطن حر وشعب سعيد».
كيف انتهى الحال برافعي رايات التقدم والحداثة والتنوير والأخلاق والسياسة إلى هذه الكتابات والتصريحات والآراء؟
ألا تجد تصريحات سعدي يوسف عن الشعوب العميلة معادلا لها في تصريحات بشار الأسد عن «حواضن الإرهاب» التي يجب «تطهيرها» للوصول إلى «التجانس» الكيميائي للشعب السوري؟
هل يجب أن نعتبر هذه الأقوال «ترهات» خارجة عن سياقهم المعرفي والسياسي أم أن علينا أن نترك نافذة لاحتمال «غير مفكر فيه» وهو أنها من ضمن ذاك السياق وربما خلاصته الكبرى وتتويج له في طريقة لا تحتاج آلاف الصفحات وعشرات الكتب للإعلان عنها (أو إخفاء آثارها وتمويهها بالأحرى) وإلا لما تجرأوا وقالوها؟
هل نعتبر التصريحات من «زلات اللسان» و»الهنات الهينات» النابعة من الشيخوخة (وهبة والسعداوي ويوسف من مواليد 1926 و1931 و1934) أم نربطها بالأحرى بمنحنى فكري وسياسي واجتماعي كبير للثقافة / السياسة العربية؟
ثم هل يجوز تحميل هؤلاء وأمثالهم، وحدهم، مسؤولية هذه النقلة الكبيرة من نقد المجتمعات والأفكار إلى النقد «الثقافوي» الذي يحمّل المجتمعات نفسها علة تخلفها، ويرى الإسلام والمسلمين مسؤولين جينيا (وبشكل ارتجاعيّ يعود لبدء الإسلام نفسه) عن هذا الانحطاط لفصل ذلك عن فشل الدولة الوطنية نفسها، وانكسار الأحزاب والاتجاهات التي قاتلوا فيها، وهمجية الاستبداد المرتبط بالتبعية للأجنبي، وكل السياق «الفلسفي» والفكري والسياسي الذي ساهموا بدورهم في صنعه بإخراج الفكر الديمقراطي خارج التداول وبتأييد الاستبداد تحت رايات الاشتراكية والتقدم والحداثة؟
لقد تحوّل قسم كبير من الثوريين، الذين دخل بعضهم السجون ضد الدكتاتوريات، جزءاً من هذا السياق الكبير الذين بدلا من تحمل بعض من مسؤولية الفشل والقراءة النقدية الواقعية لتجاربهم فقد انحازوا، بدعوى الصراع مع «الإسلاميين»، إلى السلطات الحاكمة لكن منطوق أقوالهم ومطلوبهم، وهم القادمون من اتجاهات سياسية وفكرية «جذرية»، ليس بالتأكيد الصراع الديمقراطي مع الإسلاميين بل استئصال الخصوم واجتثاثهم وصولا إلى إبادة «الشعوب العميلة» وإخضاعها، وهو ما حصل في غير بلد عربي، ويجري بشكل مواز في بلدان أخرى، ويسوق له ويتاجر به اليمين المتطرف في أوروبا والعالم، ويناصرهم فيه طيف واسع من «الثوريين».
إضافة لكل ذلك ألا تذكرنا تصريحات المثقفين هؤلاء بتصريحات كثيرة لزعماء وإعلاميين عرب؟ ألا يشبه تهافت وركاكة تلك التصريحات تهافت وركاكة حديث السعداوي عن صرف كلينتون الدولارات في ميدان التحرير أو حديث وهبة عن سيطرة الإسلاميين على مدن بريطانية وسعي أمريكا لخلافة إسلامية؟
ألا تجد تصريحات سعدي يوسف عن الشعوب العميلة معادلا لها في تصريحات بشار الأسد عن «حواضن الإرهاب» التي يجب «تطهيرها» للوصول إلى «التجانس» الكيميائي للشعب السوري؟
المثقفون الثلاثة هم من جيل متقارب شهد حقب النضال ضد الاستعمار وتشكّل التيارات السياسية الأساسية ونشوء الدول الوطنية وهاهم يراقبون فشل أحلامهم المدوّي وسقوط الأيديولوجيات الكبرى وتهشّم أحلام التقدّم والعدالة والتنمية فأين يذهبون من هذه المتاهة؟
تصريحات المثقفين المذكورين هي نتيجة لمآل ثقافي – سياسيّ يحتاج تفكيكا وتحليلا عميقين.
ولعل أحد مواضع التحليل هو هذه العلاقة الشائكة بين المنظومتين الثقافية والسياسية، فالمنظومتان تعتاشان حاليّا على بعضهما البعض وتغذيان بذلك عناصر التناقض والتهافت والخراب التي نعيشها حاليا.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»