غياب الاستراتيجية من خريطة مصالح الولايات المتحدة في سوريا

حجم الخط
0

شتاء قاس بشكل خاص يمر هذا العام على آلاف اللاجئين المهجرين الذين يعيشون في لبنان وسوريا. عشرات المواطنين ماتوا بسبب البرد في المخيمات المؤقتة التي أقيمت في الدولتين. حسب منظمة الصحة العالمية، 29 طفلاً وطفلة ماتوا من انخفاض درجات الحرارة في الأسابيع الأخيرة في مخيم اللاجئين الحول، وأكثر من 42 ألف لاجئ يعيشون في مخيم ركبان يعانون نقصاً في البطانيات والغذاء والدواء. قوافل مساعدة الأمم المتحدة تجد صعوبة في الوصول إلى هذه المخيمات، والتمويل الموجود في أيدي منظمات المساعدة آخذ في النفاد.
هذا هو الشتاء الثامن الذي تعود فيه الصور الصادمة لنساء وأطفال يغرقون في البرك الموحلة والثلوج التي تحيط بالخيام التي تدلف المياه، وهم يبحثون عن قطعة خشب للتدفئة والطبخ. صحيح أن المساعدات تصل، بالقطارة، من دول عربية ودول أوروبية، لكن كلما مر الوقت يبدو أن مأساة اللاجئين السوريين تتلاشى، وكذلك الخطوات السياسية التي يمكن أن تؤدي إلى نهاية الحرب.
في الطرف الثاني من المحيط، يبدو أن الإدارة الأمريكية والكونغرس منشغلون في صراع ثنائي على سحب القوات الأمريكية من سوريا. صحيح أن ترامب أجل موعد الانسحاب حتى نهاية نيسان، ربما لأنه فهم التأثيرات الصعبة التي يمكن لهذا الانسحاب أن يلقيها على حلفائه الأكراد، وربما لأن التصريح الفاخر له عن تحطيم داعش لا يرتكز إلى حقائق على الأرض.
تقرير التقدير السنوي عن وضع التهديدات الذي نشره رئيس المخابرات القومية دانييل كوتس هذا الأسبوع، والموقعة عليه أيضاً رئيسة الـ سي.آي.ايه جينا هسبل، يقول إن آلاف مقاتلي داعش ما زالوا ينشطون في العراق وسوريا. في التقرير كتب أن إيران تنوي تطوير سلاح نووي وأن كوريا الشمالية لن تتخلى عن سلاحها النووي رغم المفاوضات مع الولايات المتحدة. ترامب كالعادة شن هجوماً على التقرير، وبهجوم غير مسبوق اتهم رؤساء المخابرات الذين هو نفسه عينهم بـ «السذاجة والسلبية» وأرسلهم مرة أخرى إلى المدرسة.
ولكن تغريداته السامة لا تغير حقيقة أن داعش ما زال حياً يرزق ويتحرك في سوريا والعراق. الدليل المأساوي قدمه داعش نفسه في العملية التي نفذها قبل أسبوعين قرب مدينة منبج في شمال سوريا، التي قتل فيها 4 جنود أمريكيين و12 مدنياً. هذه العملية زادت حدة الانتقاد العام الذي انزلق سريعاً إلى أروقة الكونغرس. مشروع قرار جديد قدمه عدد من أعضاء الكونغرس يستهدف منع البنتاغون من استخدام الميزانية التي صودق عليها لسنة 2019 من أجل تمويل انسحاب عسكري يقلص عدد الجنود الأمريكيين في سوريا إلى ما تحت عددهم الحالي، 2000 جندي تقريباً.
مشروع القرار، الذي يسمى باسم مثير للانطباع «قانون الانسحاب المسؤول من سوريا»، لم يحظ حتى الآن بمكانة قانون، لكنه يشير بصورة واضحة إلى الاتجاه الذي يسعى إليه الكونغرس. حسب مشروع القانون، يمكن للبنتاغون أن يستخدم ميزانيته لغرض الانسحاب فقط بعد أن يجيب عن 15 سؤالاً تتضمن شرحاً عن قوة داعش في سوريا والتهديد الذي يشكله وسياسة الإدارة الأمريكية في إحباط هذا التهديد، وهل سيواصل الأكراد تشكيلهم قوة قتالية ضد داعش، وما هي الضمانات التي ستحصل عليها الإدارة من تركيا لحماية القوات الكردية. كل من هذه الأسئلة عبوة ناسفة قد تحطم الانسحاب وليس تمويله فقط.
ولكن الكونغرس الذي ينوي تأخير، وربما إماتة، الانسحاب الأمريكي من سوريا، يقف الآن على عتبة المصادقة على قانون عقوبات جديدة ضد نظام الأسد، الذي منطقه غير مقنع تماماً. القانون الذي يسمى «قانون قيصر للدفاع عن المواطنين السوريين» صيغ للمرة الأولى 2016. وقد سمي باسم قيصر، الذي هو اسم سري لمصور سوري عمل في جهاز الشرطة السورية، وفي المقابل كان نشيطاً في صفوف المتمردين. «قيصر» صور في 2013 وعلى مدى سنتين آلاف الصور في منشآت الاعتقال والمستشفيات في سوريا التي أثبتت جرائم الحرب التي نفذها النظام. صور دقيقة جداً للأعضاء المهشمة، والأعضاء الجنسية التي تم التنكيل بها، وجثث مهشمة لأشخاص مروا بعملية تعذيب على أيدي النظام، تم تنزيلها في حاسوب «قيصر» الشخصي الذي نجح في الهرب إلى أوروبا ونشرها في أرجاء العالم.
«قيصر» يحافظ على أن يبقى مجهولاً خوفاً على أمنه. لكن صوره الصادمة جعلت الكونغرس الأمريكي يصوغ قانوناً هدفه منع المذبحة في سوريا.
الآن يحظى مشروع القانون هذا بحياة جديدة. وحسبه سيفرض الرئيس عقوبات على نظام الأسد الذي هو أصلاً موجود في ظل عقوبات في مستويات مختلفة منذ عشرات السنين، وكذلك على كل من يساعد النظام في سوريا. وسيتم حظر بيع قطع الغيار للطائرات العسكرية والمدنية، وستحظر المشاركة في مشاريع تحت إشراف وإدارة النظام السوري، وسيمنع تحويل أموال تستهدف إعادة إعمار سوريا.
صيغة مشروع القرار تشبه صيغة قانون العقوبات ضد إيران، ومعناه الفعلي هو أنه حتى الشركات الأوروبية أو العربية التي سترغب في العمل في سوريا، يمكن معاقبتها من قبل الإدارة الأمريكية. صحيح أن ترامب أعلن قبل بضعة أسابيع أن الولايات المتحدة لن تشارك في إعادة إعمار سوريا طالما لم يقم فيها نظام تمثيلي ومستقر، لكن في الوقت نفسه، شكر السعودية على استعدادها للمساعدة في تكاليف الإعمار دون أن يحدد المبلغ الذي يدور الحديث عنه.
ليس واضحاً ما تحاول الإدارة الأمريكية والكونغرس تحقيقه بواسطة قانون العقوبات هذا، خاصة عندما تواصل روسيا وإيران تمويل النشاطات العسكرية للأسد وتنويان تجنيد الأموال من أجل مساعدته في إعادة إعمار دولته. هذان الزبونان لن يتأثرا من هذا القانون، لكنهما ليستا الدولتين الوحيدتين اللتين ترغبان في التعاون مع نظام الأسد. هذا الأسبوع ناقش وزراء خارجية كل من مصر والأردن والسعودية واتحاد الإمارات والبحرين وضع سياسة مشتركة لمعالجة الأزمة السورية وإعادة سوريا إلى الجامعة العربية.
هل ينوي الكونغرس الأمريكي فرض عقوبات على الأردن أو دولة الإمارات التي تخطط للاستثمار في سوريا؟ هل هدف العقوبات هو منع تحويل الأموال لصالح اللاجئين في سوريا؟ صحيح أن مشروع القرار يعفي منظمات إغاثة دولية، لكن ماذا سيكون مصير التبرعات من قبل شركات ورجال أعمال؟ «حماية المواطنين السوريين»، الأمر الذي كان مطلوباً في سنوات الحرب الأولى تحول الآن إلى عنوان هزلي لقانون. يبدو أن السرعة في إظهار عمل أمريكي ما، بعد الانفصال العسكري والسياسي عن الساحة السورية، تشكك في منتج تأثيرها على سلوك النظام السوري، لكن ضررها على المواطنين سيكون مؤكداً.
ولأن مشروع القانون هذا مدعوم، سواء من قبل الديمقراطيين أو الجمهوريين، فهو يثير التساؤل لمكانة ودور الولايات المتحدة في حل أزمات في الشرق الأوسط ـ وليس فقط فيه. إن تبخر الدولة العظمى من الساحة السورية: اللامبالاة، ولا نريد القول ـ التخلي، التي تظهرها حول الحرب في اليمن؛ والصفعة التي تلقتها من ولي العهد السعودي؛ وفشل التحالف العربي الذي أقيم بمبادرة السعودية والدعم الأمريكي للصراع ضد إيران؛ والتأجيل اللانهائي حول نشر خطة السلام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ وخسارة العراق لصالح إيران؛ ونزوة الانسحاب من الاتفاق النووي؛ والصدع مع تركيا وخيانة الحلفاء الأكراد في سوريا؛ وكذا تجميد المساعدات للسلطة الفلسطينية ـ كل ذلك يرسم صورة بائسة ومقلقة للقدرة السياسية التي تميز الحليف الأكثر أهمية لإسرائيل، على الأقل في سنتي ولاية ترامب.
يمكن الاتفاق مع أو المعارضة لسياسة الانطواء على الذات لإدارة ترامب، لكن هذه حقيقة ليست سياسة انطواء على الذات طالما أن الولايات المتحدة تعتبر نفسها ملزمة بالعمل ضد إيران، وتفكيك كوريا الشمالية لسلاحها النووي، وحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ومحاربة داعش وتغيير سلوك نظام الأسد. تحقيق هذه الطموحات لا يمكنه الاكتفاء بتصريحات أو تغريدات. هو يحتاج تدخلاً دبلوماسياً مكثفاً وأحياناً عسكرياً، واتساقاً في تعريف العدو والحليف وبناء شراكة استراتيجية دولية ـ وهو مجال فشل فيه ترامب في الساحة الأوروبية، وينوي الفشل فيه في الساحة العربية إذا قررت الدول العربية إعادة سوريا إلى أحضانها.
الانسحاب من سوريا شرحه ترامب بأنه لا يوجد في سوريا شيء سوى «دماء ورمال… لا يوجد فيها ثروة». هذا ليس شعراً سياسياً عميقاً، بل رؤيا تدل كما يبدو على خارطة المصالح الأمريكية حسب ما يراها ترامب. المشكلة هي أن هذه الخارطة خرساء، والتناقضات فيها تنجح في تشويش المصالح نفسها.

تسفي برئيل
هآرتس 1/2/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية