لمياء المقدم: “في الزمن وخارجه”

حجم الخط
0

بعد “بطعم الفاكهة الشتوية”، 2007؛ و”انتهت هذه القصيدة.. انتهى هذا الحب”، 2015؛ أصدرت الشاعرة والمترجمة التونسية لمياء المقدم هذه المجموعة الشعرية الثالثة التي ضمت، في 104 صفحات، قصائد نثر قصيرة أو متوسطة الطول تستأنف الكثير من النبرة التي ميّزت صوت الشاعرة في المجموعتين السابقتين؛ كما ترتقي بالموضوعات الأثيرة، التي تأتي على رأسها علاقة الذات بالآخر، وإشكالية انعتاق الجسد، واحتقانات الحبّ والاغتراب. لكن المقدم تنأى، بقصدية عالية وصريحة، عن تنويعات الأسى أو التوجع أو التمرد أو الانكسار أو الرومانس… التي باتت سمات شائعة في مضامين معظم نماذج القصيدة النسوية العربية؛ إذْ تذهب إلى مستويات جلية الجسارة في نبش الباطن الحسّي والشعوري لامرأة شاعرة في المقام الأوّل، ثمّ أنثى عاشقة بعدئذ، تُحسن إدراك قواها مثل جراحها، وتقبض استطراداً على مساراتها ومصائرها. وإذا كانت لا تتورّع عن خدش حياء المعنى، مباشرة وفي توسّل الاستفزاز تارة، أو عن طريق التورية الملطفة والاستعارة الحدسية طوراً؛ فإنّ مجازاتها الوصفية والتصويرية، وتلك البصرية منها بصفة خاصة، لا تعفّ عن مناوشة الفصحى ضمن مناخات التعبير السوريالي والتشكيل التجريدي.

هنا قصيدة “الجثة”، من المجموعة الجديدة:

تصلكم الجثة كاملة، بعد قليل، لا ينقصها شيء

فاستلموا الصندوق

تجدون داخله، خواتمنا، أبناءنا الميتين وأشجارنا المقطوعة من أسفل الجذع

تجدون أيضا وصية مختومة بلعاب القبلة الأخيرة.

البسوا أجمل ما لديكم، اصطفوا واقرأوا بصوت عال ما كتبته يده قبل أن تموت:

أنا الكلب الضائع سيّء الحظ أعود إليكم وفي حلقي عظم ظننته الحب

لا تصدقوا عينيه، تتحرك ولا ترى

لا تصدقوا أصابعه تهتز ببطء، هذا من فعل الألم

لا تصدقوا شفتيه ترتعشان، هذه رجفة الموت

فإذا استقام ومشى بينكم

فلأن الحياة صندوق أيضا

***

تأتيكم الجثة بعد قليل

كلوا من لحم كتفيها حتى تشبعوا،

اصنعوا من قطن أذنيها آرائك وسجاجيد

اشربوا ما بقي من دم عالق في أوردتها

ارقصوا حولها واضربوا على صدوركم منتصرين

صدقوا أنكم أنبياء وأن الله استجاب

لدعواتكم فأعاد لكم الميت

ليجلس بينكم ويدير عينيه

***

أطرافها سليمة، كما ترون،

صدرها نظيف من رائحتي،

أظافرها مقطوعة

لكي لا تشموا جلدي،

كسرت في عينيها لمعة العشق، ومن فمها انتزعت الهمس،

ولو كان بمقدوري أن أفعل أكثر لفعلت، كأن أعيدها ممزقة أو على قطع،

أدفنوها جيدا، كي لا تفرّ

مرة أخرى”.

المتوسط، ميلانو 2019

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية