المجموعة القصصية «حكايات شابة»: انطفاء الروح وتوهج النص

أصبح ينظر إلى الفعل الإبداعي على أنه أقرب إلى عملية تحكمها الفوضى، حيث أسهمت المنصات الجديدة، والنمط الرأسمالي للاستهلاك الثقافي في تسهيل أو المساعدة على إنتاج الكثير من الكُتّاب، الذين يكتبون في ظل غياب الاختبار النقدي، بالإضافة إلى وضوح المعيارية، في حين ينظر إلى بعض المؤلفين على أنهم نتاج بعض المؤسسات الثقافية التي تنتج كتابا انطلاقا من منظورات تحتكم لمنطق التحيزات التي ليس لها علاقة بالعلمية الإبداعية؛ ولهذا نجد أن مثقفي المؤسسة محدودي التأثير، أو لعلهم غير مرئيين إلا عبر الإعلام الحكومي، أو الرسمي، في حين أن حراك الجوائز – في السنوات الأخيرة- نشّط الفعل الإبداعي، ولكنه تسبب أيضا في إخراج فيض من الكتابة الضعيفة المستوى أو المستهلكة، ومع ذلك، فإن بعض الممارسات والمبادرات جدير بالتنبه إليها، ولاسيما الأقلام الشابة التي غالبا ما تضيع موهبتها على أبواب المؤسسات الثقافية الرسمية، فالعملية الإبداعية في العالم العربي ليست محكومة بنظام من العدالة الثقافية، ولهذا تهدر المواهب الحقيقية، في حين تتقدم الأصوات التي تتسم بالضعف، ما يتسبب بعدم القدرة على عكس القيمة الحقيقية للإبداع العربي، ومن هنا يأتي اهتمامي بالكتابة عن هذه الأصوات الشابة، انطلاقا من إيماني بأنها ربما تكون الأجدر بالتلفت إليها كونها تحمل قدرا من العمق والنضج على مستوى الممارسة النصية والمنظور.
مؤخرا صدرت مجموعة قصصية لعدد من الكتاب المبدعين عن دار فضاءات للنشر 2018، وتحتوي على مجموعة من القصص لأصوات شابة، فازت بمسابقة إبداعية عقدت بعيدا عن التحيزات التي تحكم المؤسسة الثقافية وأجندتها. هذه المسابقة على ما يبدو لي تقترب من الفعل الإبداعي بنقائه، كونها غير معنية بتمكين سياقات أيديولوجية، أو التلفت إلى أي سياقات أخرى؛ أي بمعزل عن أي ارتهانات أخرى، ومن هنا، فإننا سنفاجأ بأن قصص هؤلاء الشباب قد بدت لي أكثر نضجا من الكثير من المجموعات والأعمال التي تصدر هنا وهناك، لاسيما تلك التي تأتي من لدن كتاب يمتلكون خبرة طويلة في ممارسة الكتابة القصصية.

في المجموعة عشر قصص تنتمي إلى كتاب شبان ينتمون إلى جغرافيات متعددة، حيث نقرا في القصة الأولى رؤية تتعلق بواقع مدينة غزة تحت الحصار الذي امتد لأكثر من عقد، غير أنه حصار حمل معه شيئا جديد من ذكريات الألم.

هؤلاء الشباب امتلكوا من منظورهم تجاه القضايا التي يكتبون عنها انطلاقا من واقعهم الحقيقي أو المأزوم، بالإضافة إلى صيغهم الخاصة، حيث وجدوا فضاء حقيقيا كي يقولوا ما يريدون، فجاءت قصصهم عميقة على نحو لا يمكن أن ننكره. فالقصص تتميز بتقدمها على مستوى التشكيل الفني، أو اللغة، فهناك بعض القصص تحتمل لغة عميقة، وشديدة النضج، ربما تتفوق على لغة الكثير من المبدعين الذي يثيرون الضجيج في أعمال باتت أقرب إلى سباق من أجل تحقيق إصدارات سنوية تحاكي إطلاق أحدث موديلات السيارات، حيث لا يوجد فرق سوى إضافة كتاب في سنة جديدة، ولاسيما من لدن العديد من الروائيين، فتأتي كتاباتهم فاقدة للعمق، ولا تتمكن من النفاذ لوعي المتلقي.
ثمة في المجموعة عشر قصص تنتمي إلى كتاب شبان ينتمون إلى جغرافيات متعددة، حيث نقرا في القصة الأولى رؤية تتعلق بواقع مدينة غزة تحت الحصار الذي امتد لأكثر من عقد، غير أنه حصار حمل معه شيئا جديد من ذكريات الألم، والموت، وفقدان ما يتصل بالحياة، كما تجسدها القصة التي تبنى على وعي عميق بدور المفارقة في وعي الشخصية المحورية تدرك أن وجود ساقين يحتمل الكثير من الامتنان عبر إحداثيات من الحياة تتعلق بتقدير واحترام ما نملكه، ولكننا لا ندرك قيمته، ولعله ذاك الوجود بكل ما يحمله من تعقيد. ففي قصة «في قصة وحدها الطيور تحس بي» للكاتبة آلاء نعيم القطرواي ثمة صيغة سردية تعمد إلى المفارقة، ما يشي بوعي قصصي واضح في تمكين الأداة القاصة، من حيث بنية تعمد إلى التكيف والاختزال، وهذا يحملنا إلى التسليم بنضج الكاتبة، وبالتحديد في تمثل أسس الكتابة القصصية، فهي تنتهج وعيا فلسفيا، قوامه إدراك أن الواقع تتجاذبه نزعتان: مثالية وواقعية، فنحن لا ندرك قيمة الوجود إلا عندما نفقده، فالشخصية لا تدرك معنى ما تمتلكه بما في ذلك وجود الساقين إلا عندما تفقدهما في عشوائية التدمير الذي يطال مدينة غزة، ومع أن القصة تبدو شديدة التقليدية من حيث الحدث، وسائر العناصر الفنية، غير أنها حقيقة تبدو على قدر كبير من الحساسية في التعبير عن مضمون على ما يبدو للوهلة الأولى أنه قد استهلك، غير أن النسيج، واللغة، والإيقاع شكلت موارد جمال في فعل التلقي، فبدت القصة نابضة وحيوية.
ولا تكاد تبتعد القصة الثانية عما تميزت به قصة آلاء من حيث الوعي بقضايا ربما لا يدركها بعض الكتاب المتمرسين، ولاسيما من حيث القدرة على التعبير عنها بحساسية، ولعل الكلمة الأدق، تحيل إلى تمثل الصدق، فثمة إخلاص حقيقي بالتعبير عن المعاناة بعيدا عن محاولة الكتابة التي ينتهجها بعض الكتاب المتمرسين، الذين نضجت مشاعرهم، ففقدوا القدرة على الدهشة، كما عكس الألم حيث حاولوا أن يفلسفوه فانطفأ النص، وتاهوا في محاولة الإبهار، فأخفقوا.
في قصة الكاتبة بكوش أميرة وعنوانها « يا إلهي لا ألعاب هنا ولا هناك » ثمة وعي بالثيمة الأكثر تماسا مع الانزياحات التي أوجدتها موجة الارتحالات من الأطراف نحو المناطق الأكثر أمانا على المستوى المادي، ولكنها الأكثر وحشية على المستوى النفسي، في هذه القصة يتخذ معنى التعلق بالأشياء والبيت والماضي، أو قيم الحياة الاعتيادية المألوفة جزءا من تكوينها، حيث تنزع الحرب الطفل من عالمه فيفتقد ألعابه، غير أن المنفى، أو اللجوء لا يدرك ذلك، ففعل اللجوء يعني أن تغادر عالمك المألوف، أو ألا تمتلك الوقت كي تعيد ترتيب ذاكرتك وألعابك، وهنا الطفولة التي تفقد معناها في الـ»هنا» والـ»هناك». ولعل هذه القصة تبدو على اتصال بنيوي بالقصة السابقة كونهما تحتفيان بمفارقة فقدان ما هو طبيعي في حياة الإنسان، إذ يمسي أمرا عميقا في معنى اختفائه وتلاشيه، كالساقين والألعاب التي لا ندرك قيمتها إلا حينما تُسلب منا، ويذهب معها العالم، أو ذلك المستقبل والمنظور الذي يمكن أن نرى من خلاله العالم.
في قصة «شغف» للكاتبة سلمى بوصوف ثمة الوعي عينه، ولكن ضمن تصور آخر، إنه وعي بالاستلاب، الذي ميز هذه المجموعة، ولكنه ضمن صيغة أكثر نضجا على مستوى الزمن، أو النضج الذي يتصل بالمرأة، وهي أحد نماذج التمثيلات المهمشة، ونعني فقدان المرأة لتعريف ذاتها في ما يتعلق بتقاطعها مع الصورة الذكورية التي سرعان ما تقيم حدودها في وجه المرأة لتعيد تشكيلها ضمن سياق نمطي، فيسلب منها وجودها. ولعل هذا ما يتفق مع قصة جديدة للكاتب منذر السعيدي، التي حملت عنوان «هذر السكون»، وهي لا تفارق قيمة المفارقة مع استلاب الحرية، ضمن نسق شديد الاختزال، ومثقل بلغة وجودية بدت قادرة على عكس منظور عميق بالزمن ونسبيته. بينما في قصة رنيم أبو رميلة التي جاءت بعنوان «حياة أخرى» ثمة عودة يتقاسمها وعي هؤلاء الشبان، وتتمثل بأن ثمة ركاما وجوديا قلقا يتخلل وعيهم، كما يربض على صدورهم، وهذا يشي بإشارة مهمة تمثلها القصص، قوامها أن الأجيال القادمة حملت معها عميق الأسئلة عن معنى خواء العالم وعبثيته، وهذا ينذر بتحولات عميقة على مستوى تكوين المنظور المستقبلي على صعيد الواقع، كما الممارسة الخطابية التي أرى أنها ربما تبدو أكثر وعيا لدى الجيل الذي اصطدم مع النزعة الرقيمة، بينما الجيل المعاصر، أو الثاني الذي نشأ معها بدا مفتونا بها، في حين ربما يأتي الجيل الذي يدرك أنها لا تنطوي إلا على قشرة لامعة، ولكنها شديدة السطحية والضحالة، ففي نص أبو رميلة حكايات متمائلة عن تلاشي فعل الحياة، وانكفائه إلى أقصى حد، وربما ثمة سلوك ضمن إرادة موجهة بالنكوص عن معانقة الحياة، والتشكك تجاه المستقبل كما تعكسه هذه القصة الناضجة على مستوى تخليق منظور آخر للأجيال الجديدة، وبالتحديد بما يتعلق بمعنى وجودها، أو الهدف منه، كوننا جميعا نسعى لأشياء كبرى، ولكننا ننسى تفاصيل صغيرة ربما تعني الحياة بأكملها كما عبرت عن ذلك الكاتبة في نهاية قصتها.

لا يمكن أن ننكر أن صيغة التعبير التي نقرأها في هذه القصص تبدو لنا متميزة بإدراكها لمقولات ربما البعض يعتقد أنها لم تعد ذات قيمة، وهنا نستدعي قصة الكاتب هشام شعبان التي جاءت بعنوان «ناي نوبي حزين».

لا يمكن أن ننكر أن صيغة التعبير التي نقرأها في هذه القصص تبدو لنا متميزة بإدراكها لمقولات ربما البعض يعتقد أنها لم تعد ذات قيمة، وهنا نستدعي قصة الكاتب هشام شعبان التي جاءت بعنوان «ناي نوبي حزين» وتحكي قصة تهجير النوبيين من أراضيهم، تبعا لحادثة تاريخية تتصل بعملية التحديث والتنمية، التي شهدتها تلك المنطقة خلال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، مع الكثير من الوعود بالتنمية، ولعل هذا يجعلنا نقرأ تأثيرات الحدث التاريخي على واقع الأجيال، التي ربما تبدو في وضع اغترابي شديد، فمن سبقهم لم يقدم لهم شيئا لتحقيق أحلامهم، إنما أورثوهم فقط الموت والدمار والتهجير والنفي، والكثير من الخيبات، وهذا ينسحب على معظم الوطن العربي بكل ما يحمله من تبديد للأحلام، كما جاء في قصة «بوح الحرب» للكاتب أيهم الحلبي الذي يكمل بانوراما الكتابة التي تتقاسمها أصوات عربية مختلفة المرجعيات، غير أنها تتشابه في وعيها، وتمثيلها لكينونتها في عالم رمادي مغبر، يحكمه الفساد والتخبط والعشوائية كما الفقر والارتحالات القسرية، وهذا ما تؤكده قصة «الشمس في برج الحوت» للكاتبة وجدان محسن الشاذلي، ولكن ضمن إحداثيات جديدة من العالم العربي المتماثل بآلامه وخيباته، حيث تسرد القصة تلاشي الحلم مرة أخرى في دول لا تقدم لشعوبها سوى الكوابيس، التي تتضخم يوما بعد يوم، وهنا نرى تقاطع الوضع الاجتماعي مع أوضاع تاريخية وسياسية اشتركت في صوغها مجمل القصص، غير أنها تتفق على سياق زمكاني محاصر باليأس على أكثر من مستوى.
وختاما، ننتهي مع قصتين لا تبتعدان عن أجواء المجموعة، ففي القصة ما قبل الأخيرة «في غياهب الجب» ندرك أن صيغة النص تحتكم إلى تعالقات نصوصية أتقن القاص توظيفها إلى حد ما، وهنا يبقى الحب صيغة جدلية حين نعلم أننا لا نستطيع ممارسته كوننا مسكونين بضعفنا وأنانيتنا، وتلك الأقنعة التي نتقن وضعها، ربما لأننا نخاف من وجودنا الذي يعدّ مجردا وهشا، ففي هذه القصة يبدو الفقد، وإشكالية عدم الاكتمال ديدن الكتابة في هذه المجموعة، كما تؤكد ذلك القصة الأخيرة التي تعكس هي الأخرى صورة من صور ذلك الانكسار الذي يتسلل إلى وجودنا ضمن صيغة لا نكاد نعرف فيها أنفسنا، وهذا ما قدمته القصة في صيغة متقدمة من الكتابة التي تنزع نحو الغموض والأجواء الغرائبية، والمتسمة بمنظور سوداوي عميق يكاد يؤطر ظلال الكتابة التي نتوقعها في المستقبل.. هذا الاستنتاج لم يأت عبثا إنما تحقق من ذلك الاكتناه الذي مارسناه في قراءة هذه القصص، والوقوف على نموذج بنيوي من الدلالات، ما يجعلنا نسلم بأن هذه القصص على الرغم من تميّزها، غير أن الأرواح التي اختلقتها تبدو مأزومة نتيجة واقع عربي بائس.

٭ كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية