في 14 كانون الثاني 2019 دعا وزير النفط المصري، طارق الملّة، وزراء الطاقة في قبرص، واليونان، وإسرائيل، وإيطاليا، والأردن، والسلطة الفلسطينية، للبحث في تأسيس «منتدى غاز شرق البحر المتوسط». هذا الجسم، الذي سيكون مقره في القاهرة، سيعمل على أن يكون إطاراً للتعاون والحوار حول تنمية مقدرات الغاز في المنطقة. وفي ختام اللقاء، أعلن الوزراء عن فتح محادثات رسمية حول مبنى المنتدى بهدف وضع التوصيات قبيل المؤتمر الثاني في نيسان. ولما كان موضوع الطاقة هو الأساس في إقامة منتدى الغاز، يمكن أن نشخص سياقات جغرافية ـ استراتيجية أوسع أدت إلى تأسيسه، ويمكن لدول المنطقة أن تستخدمه لمزيد من التعاون في شرق البحر المتوسط، يتجاوز موضوع تنمية مقدرات الغاز.
ربط مثلثات التعاون
لقد نشرت النية لتأسيس المنتدى أول مرة في القمة التي عقدها زعماء مصر واليونان وقبرص في جزر كريت في تشرين الأول 2018. ويشكل المنتدى الارتباط الأول من نوعه للتحالفات الثلاثية التي أقامتها في السنوات الأخيرة مصر وإسرائيل ـ كل واحدة على انفراد ـ مع اليونان وقبرص، وكذا نتيجة صفقة تصدير الغاز من إسرائيل إلى مصر، التي وقعت في شباط 2018. ويعكس تأسيس المنتدى ميلاً لتصبح شبكة العلاقات الثلاثية في إطاره منظومات متنافسة بين الدولتين، بل وتخلق نقاط لقاء. فإلى جانب مكتشفات الغاز، ينبع هذا التطور أيضاً من الحضور المتزايد لتركيا في ساحة البحر المتوسط والمخاوف التي تثيرها في دول المنطقة.
إضافة إلى ذلك، فإن إقامة المنتدى تعبر عن استجابة اللاعبين المختلفين لرغبة مصر في أن تكون مربضاً إقليمياً للطاقة استناداً إلى منشآت تسييل الغاز التي لديها.
لقد كانت حادثة الأسطول إلى غزة (مرمرة) وكذا الأزمة الاقتصادية في اليونان من المحفزات الأساسية لخلق مثلث العلاقات الإسرائيلي ـ اليوناني ـ القبرصي، الذي بدأ يتشكل في 2010، رغم المخاوف التي كانت في إسرائيل بأن حزب اليسار المتطرف «سيريزا»، الذي تسلم الحكم في اليونان في 2015، سيتسبب ببرود العلاقات مع إسرائيل، وعملياً فقد حصل العكس وتوثقت العلاقات. كما أن اتفاق التطبيع بين إسرائيل وتركيا في حزيران 2016 لم يوقف تنمية العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص، ضمن أمور أخرى، لأنه بعد أقل من سنتين من توقيعه احتدمت العلاقات مرة أخرى بين تركيا وإسرائيل ولا يوجد سفراء في أنقرة وفي تل أبيب.
منذ كانون الثاني 2016 يجري رئيس وزراء اليونان ورئيس قبرص ورئيس وزراء إسرائيل لقاءات قمة ثلاثية. وكان اللقاء الأخير، الخامس في عدده، عقد في كانون الأول 2018 في بئر السبع، وكان يركز على الحداثة والسايبر. فضلاً عن ذلك، فإن منظومة العلاقات بين الدول تتضمن التعاون في سلسلة واسعة من المجالات، بما فيها المجال العسكري والاستعدادات للطوارئ. في ضوء تنوع التعاون وعمقه بين الدول اتفق في اللقاء الذي عقد في بئر السبع على إقامة سكرتيريا دائمة في نيقوسيا، تساعد في إدارة منظومة العلاقات الثلاثية. واضح أيضاً دعم الولايات المتحدة لتوثيق العلاقات بين إسرائيل واليونان، حيث إنه في الحوار الاستراتيجي الذي عقد في كانون الأول 2018 بين وزير الخارجية الأمريكي ووزير الخارجية اليوناني قال مايك بومباو إنه يسعده أن يرى اليونان كـ «قوة رائدة للاستقرار الإقليمي في شرق البحر المتوسط».
كصورة مرآة، فإن مثلث العلاقات المصرية ـ اليونانية ـ القبرصة توثق في السنوات الأخيرة حول مصالح مشتركة في مجالات الاقتصاد والأمن. وساهم فيه التوتر بين الدول الثلاث وتركيا، وهو الآخر أرسى سكرتيريا دائمة في نيقوسيا. والتقى زعماء الدول منذ 2014 في ست قمم ثلاثية كرست للتنسيق في سلسلة من المواضيع، بما فيها ترسيم الحدود الاقتصادية في البحر المتوسط، وتمديد أنابيب لضخ الغاز من قبرص إلى منشآت التسييل في مصر، وربط شبكات الكهرباء، وتنمية السياحة، ومكافحة الهجرة غير القانونية وتدريبات مشتركة لأسلحة البحر والجو. يساعد مثلث العلاقات مصر في تحقيق مصالحها حيال الاتحاد الأوروبي، كما يسهل على اليونان وقبرص تحقيق مصالحهما في إفريقيا. إضافة إلى ذلك، ترى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيه ضمانة لتحقيق مصالح شركات الغاز الأمريكية والأوروبية في شرق البحر المتوسط وتقليص التعلق الأوروبي بالغاز الروسي.
إنضاج السياقات الجغرافية الاستراتيجية
إن إقامة منتدى الغاز تعبير عن الانسجام المتزايد في فكر الدول الأعضاء فيه بالنسبة لأهمية شرق البحر المتوسط لأمنها القومي. وبينما ترى اليونان وقبرص البحر المتوسط بشكل تقليدي مجالاً استراتيجياً رئيساً، فإن الحديث بالنسبة لمصر وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية يدور عن تغيير معين في المفهوم الاستراتيجي. فالميل المشترك نحو البحر المتوسط هو نتيجة لثلاثة سياقات عميقة:
1. تعزز وزن اعتبارات الواقعية السياسية العملية على حساب الأيديولوجيات المتصلبة. دول المنطقة لا ترى في العلاقات في البحر المتوسط حالياً على الأقل «حلفاً دائماً» يقوم على أساس الفكر أو الثقافة المشتركة، بل هو «حلف مرن» وأداة يستند إلى المصالح في مجال الاقتصاد والطاقة وإلى الاستعداد للتعاون في مواجهة تحديات أمنية مشتركة.
2. تغيير في تعريف الوحدات الجغرافية الإقليمية. إن الموقف المتزايد من شرق البحر المتوسط بتعابير «المنطقة» بحد ذاتها يجسد الارتفاع في وزن الاعتبارات الجغرافية ـ الاقتصادية على حساب الاعتبارات الجغرافية ـ السياسية. وكما شرح باحثون مصريون مقربون من المؤسسة السلطوية، بمن فيهم محمد فايز فرحات وعبد المنعم سعيد، فإن الحدود الإقليمية المشتركة لم تعد تشكل في القرن الـ 21 شرطاً ضرورياً لخلق كتل إقليمية، في ضوء قدرة المصلحة الاقتصادية المشتركة في شرق البحر المتوسط على تقزيم تأثير الفروق بين الدول والشعوب وتشكيل أساس لإقامة منطقة ازدهار مشتركة.
3. نشوء هوية للبحر المتوسط. المصالح المشتركة في شرق البحر المتوسط تترافق وحواراً متعاظماً في دول المنطقة على فكرة إقليمية مشتركة وعلى الحاجة إلى القرب والعطاء المتبادل بين شعوب المنطقة. في الحالة الإسرائيلية فإن تنمية العلاقات في شرق البحر المتوسط تشكل عنصراً في الصيغة الحالية لـ «حلف المحيط»، الذي يستهدف في أصله التغلب على العزلة الإقليمية لإسرائيل. في الحالة المصرية، فإن الانتماء إلى البحر المتوسط يوصف كمفتاح لانتقال مصر من الأزمة إلى الازدهار الاقتصادي، وكذا كفرصة لتعزيز مكانتها الرائدة في الساحات الإقليمية والدولية، مثلما وجد تعبيره ضمن أمور أخرى في إقامة مقر منتدى الغاز في القاهرة. كما أن اليونان تسعى هي الأخرى إلى دور مركزي في المنطقة في ضوء الفضائل النابعة من عضويتها في الناتو والاتحاد الأوروبي. إن الفرضية في الحالتين، اليونانية والقبرصية، هي أن تطوير التعاون في شرق البحر المتوسط سيمكن الدولتين من التغلب على بعض من الآثار السلبية النابعة عن تخلفها العددي ـ الديمغرافي، مقارنة بتركيا.
المعاني
رغم أنه أعلن أن منتدى الغاز مفتوح لدول أخرى، فإن اللقاء في القاهرة لم يضم مندوبين من تركيا ولبنان وسوريا. وتغيّب هذه الدول ليس مفاجئاً، وضمن أمور أخرى في ضوء الخلافات حول حقول الغاز بين تركيا وقبرص وبين إسرائيل ولبنان، إلا أنه يمثل القيود التي يجري في إطارها التعاون في شرق البحر المتوسط، حيث إن للاعبين الذين أبعدوا عن المنتدى لهم مصلحة للعمل ضد توثيق العلاقات بين اللاعبين الآخرين. في هذا السياق يمكن الادعاء، أنه مثلما يشكل الخوف من إيران عاملاً مشجعاً للتقارب بين إسرائيل ودول الخليج العربية، هكذا أيضاً التحدي التركي يعد عاملاً يقرب العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص ومصر في شرق البحر المتوسط.
لقد أثار المنتدى انتقاداً في أوساط الإخوان المسلمين في مصر، وفي أوساط الاتحادات المهنية في الأردن، والذين خرجوا ضد تقدم التطبيع مع إسرائيل، مثلما وجد الأمر تعبيره في إقامة هيئة إقليمية تضم في عضويتها إسرائيل إلى جانب لاعبين عرب. ومع ذلك، هناك في صالح الائتلاف الإقليمي الجديد عدة عوامل مساعدة: المصالح الاقتصادية العميقة التي تقبع من خلف التعاون في مجال الطاقة؛ وتقييد المنتدى لمسائل محددة في مجال الغاز؛ واستعداد السلطة الفلسطينية للمشاركة في المنتدى وإعطاء تسويغ ضمني لانضمام الأردن ومصر؛ وتصميم مصري على تثبيت مكانتها كمنسقة طاقة إقليمية، بل وأخذ هذه الورقة من أيدي تركيا؛ والتأييد الفاعل من اليونان وقبرص وإيطاليا للخطوة، بإسناد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
حتى الآن تركز الدول على المصالح العملية الكامنة في منتدى الغاز ولكنها تمتنع عن الربط بينها وبين قواسم مشتركة إقليمية تتعلق بالتاريخ والثقافة في البحر المتوسط أو الحاجة إلى تطوير العلاقات بين شعوبه. إضافة إلى ذلك، فإن الأعضاء العرب في المنتدى ـ وعلى رأسهم مصر والأردن-حرصوا على تغطية إعلامية متواضعة في عملية تشكيله. ووصف عنوان في موقع انترنت مصري مستقل هذا السلوك في إعادة صياغة لقول نيل ارنسترنغ كـ «نبأ صغير في الصحافة، تطور كبير في السياسة». وبالفعل، للمنتدى قيمة اقتصادية ورمزية هامة، ولكن يجب أن يكون أساساً لتطوير إقليمي استراتيجي في المدى البعيد، مرغوب فيه أن يجسد أهدافاً أخرى: تعزيز الاعتراف الإقليمي ـ ولا سيما في الدول العربية ـ بالقيمة الكامنة في علاقات التعاون الاقتصادي لإسرائيل في شرق البحر المتوسط؛ وتصعيد التفاعل الإنساني والمدني بين عموم شعوب المنطقة؛ واستمرار تطوير مفاهيم المجال الإقليمي المشترك.
اوفير فينتر وغاليا ليندنشتراوس
نظرة عليا ـ 4/2/2019