لقد صار معروفا أن الرواية استطاعت في السنوات الأخيرة تحقيق تراكم مهم، ليس فقط على صعيد الكم أو عدد الروايات الصادرة، بل أيضا على مستوى نوعية الكتابة الروائية وجدّتها من جهة، وعلى مستوى انتشار هذا الجنس والإقبال عليه من لدن الجمهور من جهة ثانية، حتى صار البعض يعتبر أن هذا «عصر الرواية»، وأنه مثلما كان الشعر في القديم ديوان العرب، أصبح السرد اليوم ديوانه. على أن الجنس الروائي لم يكن محصورا في فئة دون غيرها، صحيح أنه يلاحظ قلة الروايات المكتوبة بصيغة الأنثى، فإذا ما تأملنا المشهد الروائي المغربي جاز لنا القول بأن الرواية يحتكرها الصوت الذكوري، حيث يمكن ذكر عشرات الروائيين، سواء من جيل الرواد أو من جيل الشباب، بينما لا يتجاوز عدد الروائيات أصابع اليد. ويضعنا هذا الأمر أمام حقيقة مفادها أننا بحاجة قصوى إلى إقبال المرأة على الكتابة الروائية، وتمثيل نفسها بنفسها، لا أن تنتظر من الرجل بما يحمله من تصورات جاهزة، وتفوّق واهم، الكتابة عن فكرها وأحاسيسها وجسدها، فضلا عن الكتابة عن الواقع ورهاناته، والتاريخ وحمولاته.
في هذا الإطار العام تُقبل الروائية والقاصة سلمى مختار أمانة الله على عالم الرواية بعد أن بصمت وجودها في مجموعة «تي جي في» سنة 2016 بعمل تحت عنوان: ولي النعمة. وسوف نروم دراسة هذا العمل بإيجاز في ما يلي بالتركيز على محورين اثنين؛ الأول يركز على عتبات الرواية ومتنها، والثاني ينصبّ حول تقنيات بناء النص الروائي.
1 . ولي النعمة.. الواقع والرمز:
يتحدد العنوان في الدراسات النصية باعتباره عتبة رئيسية من عتبات قراءة النص، نظرا لما يتميّز به من إحالات ودلالات مكثفة تشكّل هوية الكتاب وصورته لدى القراء. ويحيل عنوان ولي النعمة إلى معانٍ شتى، الولاية والنعمة؛ ولا يجتمعان إلا في صاحب سلطة أو مال، وبهذا المعنى فلكل شخص ولي نعمته، وفي المرجعية الدينية تعني الفضل والعطاء، قال تعالى: «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ» (آل عمران/171). والولاية تنصرف إلى من يتولّى أمور الرعية ويسهر على احتياجاتها. وبالعودة إلى الرواية نجد أنها تتحدث عن نماذج مختلفة من أولياء النعمة. ويمكن تفصيل ذلك في ما يلي، تُعتبر شخصية ولي النعمة الشخصية الرئيسية، فهو مسؤول كبير يعيش في أحد قصوره في الرباط، رجل يحب السمر والسفر، تعرّف في أحد رحلاته إلى طنجة على الشاعر الفصيح، والمتكلم البليغ مولاي العربي الطوسي، فاستقدمه معه إلى قصره كي يكون عونا له على شؤونه، ومؤنسا له في لياليه. وتحوّل من شخص عادي إلى سيد ذي شأن. نقرأ في الرواية: «حظيا بكل ذلك وأكثر بعد ضربة الحظ التي جعلت منه مؤنسا لا يستغنى عنه في مجلس ولي النعمة. أتاه المال ومعه الجاه والحظوة راكعيْن، مستسلميْن وبدل بيت صغير سكن فيلا واسعة بحديقة مزهرة بحي أكدال الراقي».
ولي النعمة الذي عاد من سفره الطويل لم يرض عنه وعلى ما قام به في غيبته، فهو السيد وكل أمر يجري داخل القصر لا بد أن يكون في علمه.
وتمضي الرواية في وصف تحوّل العربي الطوسي وعائلته بعد أن تزوج وأنجب ابنته بهاء وهو في الخمسين. لكن ولي النعمة الذي عاد من سفره الطويل لم يرض عنه وعلى ما قام به في غيبته، فهو السيد وكل أمر يجري داخل القصر لا بد أن يكون في علمه. وهنا ستُظهر الأحداث استبداد ولي النعمة وتسلّطه، حيث سيُفتي ببطلان زواج العربي الطوسي. «بما أن زواجك باطل ولا ينقصه سوى ورقة طلاق ستوقّع عليها حالا لتخلي سبيل محظيتنا التي أنعمنا عليها بالالتحاق بحريم القصر. غدا العريفة ستأتي بها إلى هنا». فولي النعمة لا تكفيه خدمةَ العربي الطوسي وولاءه، بقدر ما يهمه أيضا إهانته وتفتيت شمل أسرته، لأنه فقط تزوّج دون أمره. من هنا، فإن سلطة ولي النعمة سلطة كلية لا حدود لها، لا تقف عند عتبات الشرف أو الدين أو القانون، إنه فوق كل السلط، مادام هو صاحب النعمة وما عداه خدم.
وتنفتح الرواية في جزئها الآخر على حكاية عبد الغني الضعيف، ويتعيّن كونه صحافيا ومحرّرا في القسم السياسي لأحد الجرائد، غير أنه سيصبح في وقت قصير مشهورا بقلمه الصادق، ونصرته للقضايا العادلة، فوسم عموده بـ«تفوكت»، شمس الحقيقة الغائبة، انتقد فيه رجال السياسة والنافذين، وكشف عن تهريب أموال الشعب، كان دوما يُلقي الحجارة في المياه الراكدة، فيزعج بذلك دواليب المال والسلطة. كان مثالا للصحافي المثقف الذي لا تغريه الأموال ولا التهديدات، ظل يكتب بصدق وتفانٍ رغم ما تعرّض له من ضرب.
2 . تقنيات بناء النص:
أ . القارئ: إن من بين التقنيات المهمة التي وظفتها الروائية سلمى مختار أمانة الله هي تقنية إدراج القارئ ضمن سير الأحداث، ذلك أنها لم تكتف بسرد الأحداث بشكل أفقي، وإنما أفسحت المجال للقارئ كي يبدي رأيه، ويقدم تفاعله مع التفاصيل، من ذلك نقرأ:
ـ «يُصرّ مولاي العربي على انتزاع مقود الحكي مني، معذرة عزيزي القارئ فالمثل المغربي يقول الله ينجيك من الساكت إلا دوا».
ـ «ما هو تعريف الحقيقة من وجهة نظرك أنت عزيزي القارئ؟ لا تتردد كثيرا اقبض على طرف الخيط ودعه يجذبْك إلى حقيقتك».
ـ «على سلامتك عزيزي القارئ، انتهى درس الاقتصاد والعولمة والغطرسة».
ـ «الحوار هنا عارض ساقط من ذاكرة عبد الغني، لا تشغل به بالك عزيزي القارئ».
ـ «اخفض عينيك عزيزي القارئ فسلامة رقبتك دين في عنقي حتى نتخلّصَ من هذه الرواية».
نخلص مما سبق إلى أمرين اثنين: الأول أن القارئ حاضر في وعي الروائية زمن الكتابة، لذلك لم تكن تكتب لوحدها، كان ثمة قارئ يشارك. والثاني أنها توجّهه وتقوده في غابات السرد، لكنه ليس توجيها سلبيا يجعل منه مستهلكا فقط، بل توجيه إلى الكشف عن مكمن الحقيقة.
ب . الرسائل: تعدّ تقنية الرسائل من التقنيات القديمة/ الحديثة في الفن الروائي، فهي تقنية لا تفتأ تتجددّ باستمرار، وتحضر في الرواية من خلال رسالة طبيب ولي النعمة الفرنسي برنار قبيل وفاته، حيث يكشف فيها عن علاقته بهذا الأخير، وعن مرضه، وبحثه عن اللوحة التي أقضّت مضجع الجميع.
ج . التعدد اللغوي: ويقصد به حسب ميخائيل باختين حضور مستويات لغوية وأجناس تعبيرية تحقق نوعا من البارودية أو السخرية. ونرى في الرواية الاتكاء على لغتين: لغة فصحى وضمنها مستويات (لغة اقتصادية، لغة سياسية، لغة حب ومشاعر…)، ولغة عامية تختص ببعض الحوارات. ومن هذه الحوارات نذكر:
« ـ الكذوب والخزعبلات والضحك على الدقون والبارح بحال اليوم بحال غدا، والله ما نقضيو على الفساد وسياسة الريع والمحسوبية لطفرناه.
ـ بدا براسك أمولاي تهامي. قل لي بعدا مالك كافر؟
ـ مشيت نصحح واحد الإمضاء هاد الصباح مع تسعود ونص زعما مالقيت حتى واحد فالمقاطعة. أنا والراية والريح وواحد المخزني كيعمر أتاي للقايد.
ـ عليها ما جبرتكشي في موضعك منين مشيت نخلص الما. قل أنت سالت وكتعيب على الناس. ما عملو غير لي عملتي أولاي تهامي»
يظهر أن الحوار يستبطن نقدا دالا للواقع الاجتماعي وللفساد المنتشر في كل القطاعات، وهو حوار يتجاوز البعد التواصلي إلى البعد الحجاجي الإقناعي.
د . الفن والشعر: تنفتح الرواية أيضا على مجالي الفن والشعر، فأما الفن فيتمثل في لوحة الزمردتين التي ظل العربي الطوسي يبحث طويلا عن من رسمها إلى أن كشف السر الطبيب في رسالته الأخيرة. وأما الشعر فيحضر عبر ذكر بعض الأبيات الشعرية المغناة، مثل غناء أم كلثوم لأبيات الشاعر السوداني آدم الهادي:
أغدا ألقاكِ يا خوف فؤادي من غد يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد.
لذلك، فإن حضور الشعر ينبئ عن ذوق الشخصيات ومستواها المعرفي والثقافي.
كما أن لغة الرواية تتسم بالعمق والشاعرية، فهي لغة صافية، منسابة، لا تلكؤ فيها ولا تقعّر، لغة جزلة مطواعة ينذر أن نجدها عند كثير من الروائيين.
خلاصة القول إن رواية ولي النعمة إضافة نوعية للرواية المغربية، وهي وإن كانت الرواية الأولى للكاتبة سلمى مختار أمانة الله إلا أنها عمل يتسم بالكتابة الجادة والسرد القوي ونقد الواقع الاجتماعي والسياسي، وكل الذين يعتبرون أنفسهم أولياء النعمة، وهي بهذا تطمح إلى تأسيس انطلاقة روائية لها ما بعدها بدون شك.
٭ باحث مغربي