عُصبة جنرالات الجزائر وعصر التغيير

حجم الخط
0

عبد الغني بلقيروسارتبط توصيف نظام الحكم في الجزائر في السنين الأخيرة بنظام حكم الجنرالات، وقد رسخت هذه التسمية بصورة أكبر منذ انفجار الأزمة الجزائرية عام 1992، عقب انقلاب الجيش وإلغائه نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية، الذي فازت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتفاوت رأي المتابعين للشأن الجزائري في تحديد دور جنرالات الجيش الجزائري في صناعة القرار داخل السلطة الجزائرية، حيث يرى أغلب المعارضين لنظام الحكم على اختلاف منطلقاتهم الايديولوجية، والكثير من المتابعين، أن الجنرالات في الجزائر هم الحكّام الفعليين للبلاد، وما الحكومات والرؤساء المتعاقبون على سدّة الحكم إلا دمى وعرائس أراجوز تحركهم الجنرالات من وراء الستار كيفما شاءوا، ولكن دائما في الاتجاه الذي يبقي سيطرتهم على مراكز صنع القرار، وعلى الغَرف من ريع النفط، وعلى احتكارهم لقطاع الاستيراد من الغذاء والدواء، وحتى لعب الأطفال، كما أن استثماراتهم في الأحداث الأمنية التي عصفت بالبلاد ودورهم المعلوم في نقل مواقع الرعب إلى الجهات الأخرى، حافل بالمهمات القذرة، وكانوا السبب الرئيس في إطالة سنوات الدّم بالجزائر، وفي اتّساع مناطق التوتر والعنف، ولم يعرف عنهم أنهم قدموا لبلادهم ما يمكن أن يحمده لهم التاريخ، حتى غدوا مثالا في الفساد المالي والأخلاقي والعجز الوظيفي، وترددهم الدائم على أشهر المشعوذين أمام أي إشكال يصادفهم أو أرق ينتابهم، والحالات الموثقة في هذا المجال كثيرة وهي محل تنكيت شعبي وسخرية من العامة. وكل رئيس حاول التمرد على سلطتهم أو عمل على الحد من سطوتهم، أو إلزامهم على التقيّد بمهماتهم الدستورية، أجبر على الاستقالة، كما هي الحال مع الرئيسين السابقين الشاذلي بن جديد والأمين زروال، وقد يصل الأمر لما هو أكبر من ذلك، كما حصل مع المرحوم محمد بوضياف. وفي توصيف أقل تطرفا يحاول أنصار فريق الموالاة، وبعض المتابعين السياسيين من الذين يصفون أنفسهم بالمتوازنين، وصم جنرالات الجيش الجزائري بمنقذي البلاد من الحرب الأهلية التي عرفتها الجزائر في عشرية التسعينات من القرن الماضي، وتدخلهم في شؤون الحكم لا مهرب منه لحماية الوحدة الوطنية ومكتسبات ثورة التحرير ووو.. كما أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قلّم أظافرهم، وأعادهم إلى الثكنات مع بداية عهدته الثانية عام 2004، بعد وقوفهم إلى جانب منافسه في الانتخابات الرئاسية علي بن فليس رئيس حكومة بوتفليقة السابق، وأحال نواتهم الصلبة التي عرفت من قبل بصانعة القرارات وصانعة الرؤساء للتقاعد، كرئيس أركان الجيش السابق الفريق محمد العماري والألوية أحمد صنهاجي ومحمد تواتي وكمال عبد الرحمن ورابح بوغابة، كما غيّب الموت البعض الآخر كالعربي بلخير وإسماعيل العماري وعلي تونسي وفضيل باي وغيرهم.

وأصبح الرئيس بوتفليقة وجماعة تلمسان الجّدد الماسكون الحقيقيون بتلابيب السلطة في البلاد، وعن بقاء رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق والفريق أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الحالي، تقول جماعة الموالاة ان الأول هو يد بوتفليقة الضاربة، الذي وقف إلى جانبه في وجه رفاقه السابقين ابان الصراع الذي نشب بينهما في عامي 2003 و2004، وفي إقرار قوانين المصالحة الوطنية والسلم المدني التي أعادت للجزائر الكثير من استقرارها، أما الثاني ـ الفريق قايد صالح ـ فيرون أنه أوهن من المنصب الذي يتقلده، كما أن سنه المتقدمة وحتى تأهيله المعرفي والسياسي لا يسمح له إلا أن يكون مطواعا في يد السياسي الداهية عبد العزيز بوتفليقة، وصفات قايد صالح السابقة هي بالضبط ما أهله ليضع بوتفليقة فيه الثقة لتولي هذا المنصب. وحسب متابعاتي الشخصية فإن الموّقفين يحملان الكثير من الصحة على تباعدهما في التوصيف وفي المنحى، فمنذ 2004 تقلص الظهور الإعلامي للجنرالات، كما اختفت تصريحات المصدر العسكري المأذون، الذي كان يرسل به الجنرالات رسائلهم غير المباشرة، ويحددون فيها توجهاتهم، وظهر بالتزامن جيل شاب من الضباط الساميين على مسرح الأحداث، وشرع في تولي مسؤوليات حسّاسة في القطاع الأمني والعسكري، بعضهم معروف بتوجهاته الإصلاحية كاللواء عبد الغني الهامل مدير الأمن الوطني على سبيل المثال. غير أن التوهم بأن يترك هؤلاء الجنرالات السلطة وريعها بهذه السهولة، لا يمكن أن ينطلي إلا على ساذج، والدليل أن نفس الملفات التي عرفت أنها بيد عصبة الجنرالات النافذة في العشريتين الماضيتين ـ على الأقل ـ لم تزل كما كانت من قبل لم تعرف حلولا ولا تطورا يعود بالإيجاب على الشعب الجزائري، سواء الخارجية منها كقضية الصحراء الغربية أو الداخلية كعصب الفساد الاقتصادي والأخلاقي وتعويق الحراك السياسي والاحتكار الإعلامي وو… وحتى من خرج منهم للحياة المدنية، احتفظ بامتيازاته إن لم تكن قد تضاعفت، فأصبحت المؤسسات التجارية والصناعية التي يملكها أو يشترك في ملكيتها جنرالات الجزائر تتوالد كالفطريات، وغدت المشاركة في مناقصات المشاريع الإنشائية الكبرى لرجال الأعمال غير المسنودين بجنرال من قبيل إهدار للجهد والوقت. وأمسى التخويف بالعلاقة مع جنرال أو حتى انتحال رتبته، مهنة النصابين الرائجة في الجزائر في المدة الأخيرة، وحفلت أخبار الصحف الجزائرية في المدّة الماضية بالعديد من قضايا النصب بهذه الطريقة على المؤسّسات العامة أو حتى على عامة المواطنين، لأن بعبع الجنرال لا توصد في وجهه أبواب الإدارات المحلية ولا البنوك المالية ولا الجمارك الحدودية. على أنّ سيل التغيّير الجارف الذي أطلقه محمد البوعزيزي في تونس، والذي كنس في طريقه أنظمة لا تقل استبدادا وشمولية من النظام الجزائري الراهن، بدأ يدق بعنف أجراس الإنذار للعصب المتكلسة في أعلى هرم السلطة العسكرية والسياسية في البلاد، وإن على تلك العصب ان تفهم أن أيامها قد ولت إلى غير رجعة، وأن عصر الشعوب الواعية أصبح حتما مقضيا، لا تنفع معه أنصاف الحلول ولا الإصلاحات الهامشية، ولا الوعود العرقوبية. فليتركوا الشعب يقرّر مصيره بحرية ويبني مستقبله كيفما شاء، ويسلموا بفشلهم المتعدّد، علّ الشعب يحفظها لهم ويسمح لهم بالعيش المتقاعد الكريم ببلادهم، أو ليختاروا سراعا مجاورة بن علي في جدّة، أو مبارك في شرم الشيخ، لأن غضّبة الشعوب لا يمكن توقع حدود إفرازاتها. كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية