فيينا – “القدس العربي”: في كل أربع سنوات، تصدر اللجنة الأولمبية الدولية، تجديداتها، خصوصا في ما يتعلق بالألعاب الجديدة التي ستدرجها في قائمة منافساتها في البطولة التالية، ومنها أيضاً ما سيسقط من قائمة الرياضات المعتمدة، لتصبح هناك حالة من الترقب في عالم الرياضات الطموحة.
في أحد أحياء العاصمة النمساوية فيينا، تصدح أنغام موسيقى الروك والضحكات في أنحاء الغرفة، بينما تفوح رائحة فطائر البيتزا الشهية في الجو، ويبدو الأمر كما لو كان مجرد تمضية وقت الفراغ خارج المنزل، غير أن صوفي يوبستمان كانت في الواقع تمارس تدريباتها استعدادا للمشاركة في بطولة العالم المقبلة. وفي أمسيات يوم الاثنين من كل أسبوع تقابل يوبستمان التي تبلغ 30 عاما، أصدقاءها في حانة “ناشبار” الكائنة في حي يوزيفشتات بالعاصمة فيينا، وهي حانة تقدم مجموعة من الخدمات الأساسية فقط بدون أسعار إضافية، وتقوم هذه الفتاة بممارسة لعبة “كرة قدم الطاولة” (فوسبول) مع أصدقائها في جو يسوده المرح، حيث يتبادلون النكات ويدخنون قبل أن يتوجهوا إلى طاولة اللعب. لكن هذه اللعبة لا تمارس فقط من أجل الاستمتاع بها وسط مشاعر المرح والبهجة. إذ أن يوبستمان لا ترى أن ممارسة لعبة كرة قدم الطاولة، والتي تعرف أيضا باسم “فوسبول” وأيضا باسم لعبة الركلات، تعد مجرد هواية للترفيه، ولكنها تعتبرها رياضة احترافية تستثمر كثيرا من وقتها للتدريب عليها وإجادتها. وتقول إن “لعبة كرة قدم الطاولة أصبحت بالتأكيد هي حياتي الثانية، ولم تعد لدي أية هواية أخرى أتعلق بها، وصارت لدي طاولة خاصة بي في منزلي لأمارس عليها اللعبة وأقوم بالتدريب لإتقانها عدة ساعات في اليوم”. وتتطلب كرة قدم الطاولة للمحترفين والتي تعرف في النمسا باسم “فوزيلن”، نفس التفرغ وتكريس الوقت مثلها في ذلك مثل أية رياضة احترافية أخرى، وأيضا الانضباط وقوة الإرادة والتدريب المكثف، وذلك للأشخاص الذين يريدون أن يلعبوها على أعلى المستويات. وكرست يوبستمان نفسها وجهدها لهذه اللعبة منذ فترة من الوقت.
ولدت يوبستمان ونشأت في فيينا ودرست علم الاجتماع الذي يؤهلها لتصبح اخصائية اجتماعية، ولكنها تعمل الآن في شركة للتأمينات، وبدأت أولا في ممارسة لعبة كرة قدم الطاولة كنوع من التسلية في الحانة الكائنة بالحي الذي تقيم فيه. وانضمت إلى ناد بفيينا مخصص لهذه اللعبة عام 2010 بناء على اقتراح من صديق لها، ثم أخذت تمارس اللعبة بشكل تنافسي منذ ذلك الحين، أولا في دوري كرة قدم الطاولة النمساوي، ثم انتقلت لتمارس اللعبة على المستوى الدولي. وفازت يوبستمان بأول بطولة دولية لها في اللعبة عام 2013، في مباريات بطولة العالم لكرة قدم الطاولة، وخلال الأعوام القليلة التي تلت ذلك حصلت على ميداليات فضية وبرونزية في بطولات دولية أخرى مختلفة لهذه اللعبة. وتحتل يوبستمان حاليا المرتبة رقم 11 في التصنيف الدولي النسائي للعبة كرة قدم الطاولة، ولا تحظى وحدها بهذه الشهرة في بلادها حيث يوجد الكثير من اللاعبين بالنمسا، الذين حصلوا على مراتب متقدمة في هذه اللعبة على الصعيد الدولي. وفي حالة فوز يوبستمان بميدالية في البطولات العالمية المقبلة التي ستستضيفها إسبانيا عام 2019، فستتقدم عدة خطوات في التصنيف الدولي للعبة. وتقول يوبستمان إن “البطولات الدولية للعبة تشبه إلى حد ما بطولات التنس العالمية”، ولكنها تحلم فقط بالحصول على جوائز مالية تماثل تلك التي تحصل عليها لاعبات التنس في بطولة ويمبلدون على سبيل المثال، حيث أن أكبر جائزة مالية تحصل عليها الفائزة ببطولة عالمية في لعبة كرة قدم الطاولة تبلغ نحو 300 يورو فقط. وتضيف: “كان يتعين علي ذات مرة أن أدفع نفقات سفري وإقامتي بالفندق من مالي الخاص، وفي ذلك الحين أنفقت كل ما بحوزتي من نقود”.
وعند الاستماع إلى حديث يوبستمان يصبح من الواضح أن كرة قدم الطاولة، تعني لها شيئا أكثر بكثير من مجرد تمضية وقت الفراغ في الحانة، فهي تنظر إليها باعتبارها رياضة احترافية جادة يزداد الاعتراف بها سواء في النمسا أو في الخارج. ومع ذلك لا يرى الجميع في النمسا هذه اللعبة بنفس النظرة، وفي هذا الصدد تقول يوبستمان إن هذا هو السبب في أن الفرق المشاركة في هذه اللعبة لا تتلقى أية أموال من الجهات الراعية للرياضة، كما أنها لا تحصل على أي تمويل، ولكن ليس ذلك هو الحال في دول أخرى مثل ألمانيا، حيث تم الاعتراف بلعبة كرة قدم الطاولة كرياضة غير ربحية منذ عام 2010. ويوضح كلاوس يوتسلبين رئيس اتحاد كرة قدم الطاولة بألمانيا أن الدعم الإضافي الذي تتلقاه اللعبة في ألمانيا، أدى لأن يصبح في هذه الدولة نحو ثمانية آلاف لاعب في كرة قدم الطاولة يلعبون على المستوى الدولي. ويقول إن “الوضع جيد جدا في ألمانيا، حيث يوجد في مزيد من الأندية لاعبون موهوبون من الشباب كما تحصل على تبرعات من الجهات الراعية”. ومع ذلك وحتى في ألمانيا لا تزال هذه الرياضة تعاني من السمعة التي اكتسبتها سابقا، بأنها لعبة يمارسها الأشخاص بغرض الترفيه والمرح في الحانات، وذلك وفقا لما يقوله يوتسلبين. ومع ذلك يشعر يوتسلبين بالتفاؤل للمستقبل، ويضيف: “سيمر قدر من الوقت قبل أن تصبح كرة قدم الطاولة رياضة شائعة، ولكننا لا نخضع لأية ضغوط تتعلق بالتوقيت”. وهو لا يعتقد أن هذه اللعبة ستدرج في قائمة رياضات دورات الألعاب الأوليمبية قريبا، غير أن يوبستمان تبدي الشجاعة وتعرب عن حلمها في أن يتحقق ذلك. وتقول: “أتوقع أن يستغرق تحقيق هذا الحلم بين 10 سنوات إلى 15 سنة”، وفي حالة حدوث ذلك ستكون قادرة على تحقيق حلمها الأعلى في النهاية، وهو أن تصبح “فوتسلرين” أي لاعبة محترفة في رياضة كرة قدم الطاولة، وأن تفوز بميدالية ذهبية لصالح بلادها في الأولمبياد.