نانسي فريزر: الهوياتية والنسوية في خدمة النيوليبرالية

تعتبر نانسي فريزر، أستاذة الفلسفة والعلوم السياسية في أكاديمية «المدرسة الجديدة» في نيويورك، أحد أهم الأسماء في مجال الفكر السياسي المعاصر، خاصة في ميدان الدراسات النسوية وسياسات الحيز العام، كما أنها واحدة من ممثلي الجيل الثالث من النظرية النقدية، أو «مدرسة فرانكفورت».
اهتمت فريزر بشدة، مثل معظم منظري جيلها من هذه المدرسة، بفلسفة «الاعتراف»، وانتقدت ما رأت أنه ميل اقتصادي اختزالي لدى الحركات اليسارية والماركسية، التي تقتصر على المطالبة بإعادة توزيع الموارد، وترى العالم من منظور الإنتاج والطبقة، على حساب إهمال ما تطالب به الحركات الاجتماعية الجديدة من اعتراف اجتماعي وثقافي. بالنسبة لفريزر يجب أن تتلازم دعوات الاعتراف مع مطالب إعادة التوزيع، فالمطالب الأخيرة، إذا لم تهتم بالمسائل الثقافية والحقوقية للأقليات والجماعات المهمشة، لن تحقق ما تدعو إليه من عدالة اجتماعية، بالمقابل لن يستطيع الاعتراف وحده تخليص المهمشين من أوضاعهم الاجتماعية المتردية. ورغم أن فريزر لا تزال مخلصة لهذه الفكرة، التي باتت مقبولة بين قطاعات واسعة من الناشطين التقدميين، إلا أنها في السنوات الأخيرة بدأت توجه نقداً لاذعاً لأنصار سياسات الاعتراف، وناشطي سياسات الهوية، إلى درجة وصفت فيها النسوية المعاصرة بأنها «خادمة للرأسمالية»، ونادت بمقاطعة «النيوليبرالية التقدمية» وناشطيها، ومواجهتها بـ«شعبوية تقدمية». فما الذي يزعج فريزر لهذه الدرجة من سياسات الاعتراف المعاصرة، التي ساهمت شخصياً في تطويرها؟ وما الذي تعنيه بالضبط بـ«الشعبوية»؟

ميّزت فريزر بين نموذجين لسياسات الاعتراف، الأول هو «نموذج الهوية» القائم على أسس الفلسفة الهيغلية، الذي يعتبر الاعتراف علاقةً جدلية، تقوم على أساس إدراك كل ذات لتساويها وتمايزها في الآن ذاته عن بقية الذوات.

نقد نموذج الهوية

في مقالة شهيرة نشرتها عام 2000، ميّزت فريزر بين نموذجين لسياسات الاعتراف، الأول هو «نموذج الهوية» القائم على أسس الفلسفة الهيغلية، الذي يعتبر الاعتراف علاقةً جدلية، تقوم على أساس إدراك كل ذات لتساويها وتمايزها في الآن ذاته عن بقية الذوات. هذه العلاقة يمكن اعتبارها مبدأً تأسيسياً للذاتية، فلا يمكن للفرد أن يكوّن ذاته الفردية بدون الاعتراف بالآخرين ونيل اعترافهم، وبالتالي فإن اختلال العلاقة المتبادلة للاعتراف سيؤدي لتشويه ذاتية الفرد ووعيه لهويته.
ينقل أنصار النموذج الهوياتي هذا المخطط الهيغلي إلى الصعيد الاجتماعي والسياسي العام، ويزعمون أن الانتماء إلى مجموعة هوية مهمشة وغير معترف بها سيؤدي إلى اختلال ذاتيات الأفراد، وخسارة احترامهم لأنفسهم، لأنهم سيتبنون بشكل غير واع نظرة دونية للذات في تفاعلهم مع مجتمع الأغلبية، والحل هو أن يرفض أفراد الجماعات المهمشة التصورات السائدة عنهم، ويواجهوا هيمنة الأغلبية، وينخرطوا في بناء تصورهم الذاتي عن هويتهم بكل حرية، وهو التصور الذي على المجتمع بأكمله أن يعترف به كما هو، بدون تدخل أو جدل.
هنا ترى فريزر أن الهوياتيين قد تخلوا عن التصور الهيغلي لحساب تصور لاهوتي ساكن، فهم قد حذفوا التفاعل والجدل المتبادل من عملية تأسيس الذاتية، وجعلوا الهوية خلقاً حراً من طرف واحد، أي من طرف ممثلي الهويات، ما سيؤدي إلى نتيجتين سلبيتين: الأولى هي إعادة تعريف الثقافة، أي إعادة إنتاج تصور شمولي أصيل للهوية، بتحديدات ومفردات جامدة، تحتفي بما هو مقرر وراسخ على حساب ديناميكية التطور والتفاعل الاجتماعي. هذا الجمود سيجرّم أي محاولة للانشقاق أو التجريب، وسيجعل أفراد الهويات يعانون كي يتماهوا مع التصور المعترف به لهويتهم، فعلى المرأة والمسلم والأسود والمثلي أن يكونوا ممثلين صالحين لتصورات الهوياتيين عنهم، بشكل يسقط تعدد مصادر الهوية، وتنوع الخيارات الفردية، وهذا سيؤدي من جديد إلى ذوات مشوهة مغتربة لا تحظى بالاعتراف. النتيجة السلبية الثانية هي تصاعد الحساسيات، فعندما تتوقع كل مجموعة هوية أن يتبنى المجتمع تصوراتها عن ذاتها دون قيد أو شرط، فسيصبح أدنى جدل اجتماعي مثيراً لأشد الحساسيات وأعنف ردات الفعل، ما سيرسم خطوط فصل مجتمعي بين جماعات الهوية، ويقتل أي تفاعل اجتماعي في المهد.
تقترح فريزر ما تسميه «نموذج الوضعية» Status Model بديلاً عن نموذج الهوية، وهو أقرب لعلم الاجتماع الفيبري (نسبة لماكس فيبر)، ولا يعتبر غياب الاعتراف نتيجةً لإساءة ثقافية، بل لترتيبات مؤسساتية غير عادلة. كما أنه لا يهتم بالجماعة بوصفها ذاتاً ثقافية مغلقة، بقدر اهتمامه بإزالة العوائق المؤسساتية التي تمنع أبناء الهويات المهمشة من المشاركة المتكافئة في الحياة الاجتماعية، حتى لو كانت مشاركتهم هذه تتعارض مع تصورات الجماعة عن نفسها. مثال فريزر المفضل هو قضية زواج المثليين، فحصر حقوق الزواج بالأفراد المغايرين يستبطن تمييزاً ثقافياً، يعتبر أن الزواج هو فقط من حق «الأسوياء»، أما المثليون فهم حالات «شاذة» يجب استبعادها. على المثليين، وفق هذا التصور، ألا يقبلوا بهذا الترتيب المؤسساتي التفضيلي، الذي لم يشاركوا في صنعه، وأن يطالبوا بحقوق متساوية، حتى لو تعارض هذا مع تصورات بعض الحركات المثلية، التي ترى في الزواج مؤسسة رجعية، يجب أن يتجاوزها المثليون.

تقترح فريزر ما تسميه «نموذج الوضعية» Status Model بديلاً عن نموذج الهوية، وهو أقرب لعلم الاجتماع الفيبري (نسبة لماكس فيبر)، ولا يعتبر غياب الاعتراف نتيجةً لإساءة ثقافية، بل لترتيبات مؤسساتية غير عادلة.

الهوية ضد إعادة التوزيع

إلا أن ما يعني فريزر أساساً هو الأسلوب الذي يعيق به «الاعتراف» قضية إعادة توزيع الموارد، وهذا يحدث بأسلوبين: الأول هو أسلوب أنصار الماهوية الثقافوية، الذين لا يرون مشكلة إلا في التمثلات الثقافية المهينة للأقليات، ويتجاهلون عمداً قضايا إعادة التوزيع. فيصبح تصحيح «الأحكام المسبقة»، وفرض الصواب السياسي، هو الأسلوب الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية؛ أما الأسلوب الثاني فيتّبعه من يعترفون بمشاكل إعادة التوزيع، ولكنهم يظنون أن نيل الجماعات للاعتراف، سيؤدي تلقائياً إلى تحسين مكانتها الاجتماعية والاقتصادية. هذا التصور، بالنسبة لفريزر، هو إعادة إنتاج للتصور الاقتصادوي الماركسي، ولكن بشكل معكوس، فبدلاً من اختزال المجتمع بالعامل الاقتصادي، يتم اختزاله بالثقافة والاعتراف. وهذا هو أساس الخلاف بين فريزر والفيلسوف الألماني أكسيل هونيت، أبرز ممثلي الجيل الثالث من مدرسة فرانكفورت، الذي يحاول أن يؤسس المجال الاجتماعي والأخلاقي بشكل أحادي على مفهوم الاعتراف.
ينعكس هذا على النسوية، فبعد أن عوّل جانب أساسي من الموجة النسوية الثانية على ربط قضايا النساء بمسائل إعادة التوزيع ونقد الرأسمالية، بما بشّر بنضال على المستويين الثقافي والاقتصادي، انتصر التيار الذي جعل النسوية مرتبطة بـ«النيوليبرالية التقدمية»، التي تبنت مفاهيم «الهوية الجنسية» و«مكافحة التمييز»، حتى في أكثر مؤسساتها استغلالاً وفساداً، بوصفهما الهدف الوحيد لكل فعل نسوي، ما جعل النسوية مساهمة أيديولوجياً في تدمير أسس دولة الرفاه، بحجة «أبوية» هذه الدولة، وغارقة في الثقافوية، في ظرف كان يجب التركيز فيه على نقد الاقتصاد السياسي، وقضايا «الخبز والزبدة»، حسب تعبير فريزر. فلنتذكر هنا أن النجاح الفردي لرائدات الأعمال، القويات المستقلات، لم يكن ممكناً لولا العمالة الرخيصة لملايين النساء.

دعوة فريزر الشعبوية تتناقض مع الأفق العالمي الذي سبق أن عبّرت عنه، فالشعبوية لا تكون إلا في إطار مؤسسات الدولة الفيستفالية، وضمن حدودها الوطنية.

الشعبوية والحيز العام

عُرفت فريزر أيضاً بانتقادها لمفهوم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن «الحيز العام»، فهي تراه مقتصراً على المستوى الوطني البورجوزاي، الذي يشغله المواطنون العقلانيون ذوو المصالح، ومهملاً لتعددية هذا الحيز، الذي برزت فيه، منذ بداية القرن العشرين، مستويات أخرى من الفعل والجدل الاجتماعي، ليست مرتبطة بالأحادية البورجوازية، ولذلك فالحيز العام المتعدد الذي تدعو إليه فريزر يشمل مستويات الطبقات الاجتماعية والعلاقات الجنسية والجندر والحقوق الثقافية، بما يتجاوز الأطر الوطنية الفيستفالية (نسبة لاتفاقية فيستفاليا عام 1648، التي أسست لنشوء الدولة الوطنية الحديثة) نحو أفق عالمي.
وعلى أساس تصورها لتعددية الحيز العام تدعو فريزر حالياً لشعبوية تقدمية، تقوم على سياسة انقسام واستقطاب واضحة، تضع الخاسرين من النيوليبرالية من العمال والنساء والأقليات، سواء كانوا من مناصري الحركات الشعبوية غير العنصريين، أو مؤيدي سياسات الهوية غير البورجوازيين، في مواجهة النيوليبرالية التقدمية، وأنصارها من ناشطي سياسات الاعتراف المستفيدين من العولمة، وكذلك الشعبوية الرجعية ومحازبيها العنصريين. إلا أن دعوة فريزر الشعبوية تتناقض مع الأفق العالمي الذي سبق أن عبّرت عنه، فالشعبوية لا تكون إلا في إطار مؤسسات الدولة الفيستفالية، وضمن حدودها الوطنية.
فضلا عن هذا فإن استمرار فريزر بتأييد سياسات الاعتراف هو في رأينا قضية خاسرة، فـ»نموذج الوضعية» الذي تدعو إليه يعيد استنساخ كل مشاكل «الاعتراف» الهوياتية التي انتقدتها سابقاً. ماذا لو طالب البعض مثلاً بإزالة العوائق المؤسساتية أمام تزويج القاصرات، أو طالب آخرون بشرعنة عقود العبودية الجنسية، بحجة «الاعتراف» الثقافي، ألن يكون رفض هذا هيمنة مؤسساتية لقيم الأغلبية، والسماح به، من جهة أخرى، ترسيخاً لهويات تمارس ما هو مسيء لكرامة الذات الإنسانية؟
قد يكون الربط بين مفهوم إعادة التوزيع، وأساسيات المساواة القانونية، والعمل على بناء «ثقافة عليا»، تقوم على ما هو مشترك بين المواطنين، بدلاً من تقديس الخصوصية والاختلاف، فضلاً عن التركيز على مبدأ الكرامة الإنسانية، الوارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بديلاً مناسباً عن مفهوم الاعــتراف، والمشاكل الفكــــرية والاجتماعية الكبرى التي يؤدي إليها.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية