يعجز القلم عن وصف ما يجري في قطاع غزة الحبيب من حجم الأهوال والكوارث والفظائع التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي والتي يندى لها جبين الإنسانية.
لقد نقلت الفضائيات مشاهد وصور مروعة وكثيرة ولا زالت تنقل الكثير في حين بقي الكثير دون تغطيته، ولكن الجيد هذه المرة أن فضائية الجزيرة ليست هي الوحيدة في ميدان الفضائيات بل أن فضائيات كثيرة تنقل الخبر والصورة أولاً بأول سواء أكانت فضائية فلسطين أو الأقصى أو فلسطين اليوم والمنار وغيرها العديد من الفضائيات.
إن قطاع غزة صغير الحجم والبالغ 363كم وعدد سكانه قرابة 1.800.000 نسمة . يقدم لنا دروساً عديدة في المعارك والحرب والصمود تصلح أن تدرس في مدارس عسكرية خاصة أن لوناً جديداً دخل فيها بكثافة وعمق رغم أنها غير سابقة ، وهي حرب الأنفاق وهذه بعض دروس الحرب على غزة والتي يطيب لي كمهتم بالتاريخ أن أدونها.
□ أولاً: إن هذه الحرب العدوانية على غزة هي استمرار للحرب التي يشنها الصهاينة على الشعب العربي الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية قبل وبعد حرب 1948.
فمنذ أن غزت الحركة الصهيونية بلادنا وأقامت أول مستعمرة صهيونية في بتاح تكفا على أرض قرية (ملبس) العربية وذلك عام 1878م برزت نذر الشر وأخذت تظهر نزاعات بين أبناء قرية العباسية(الهودية) وهذه المستعمرة ، وظلت هذه هي سمة بارزة في عمل الحركة الصهيونية التي قامت على القتل والطرد والتهجير وذبح العرب والذي ظهر جليا وواضحا في حرب عام 1948 بمجموعة من المذابح والجرائم التي ارتكبت بحق الأرض والإنسان وكان حصيلتها أكثر من 28 مذبحة وجريمة في قرى ديرياسين والدوايمة والطنطورة وغيرها، وجرى تهجير وترحيل ما يزيد عن 750 ألف عربي من بلادهم، إلى البلاد العربية والى المنافي والشتات وتم السيطرة على مساحة من الأرض الفلسطينية بلغت 78٪ من مجمل مساحة فلسطين تقريباً.
□ ثانياً: إن الفعل والعمل الثوري في قطاع غزة هو استمرار وتنامي وتراكم للخبرات الكفاحية والنضالية عند الشعب العربي الفلسطيني منذ هبة يافا عام 1920 ومروراً بثورة البراق عام 1929 وانتفاضة فلسطين عام 1933 وثورة 1936ـ 1939 وحرب 1948 ونضال وكفاح الشعب العربي الفلسطيني في الثورة الفلسطينية المعاصرة التي تفجرت عام 1965، ولكن الجديد في نضال الفصائل هذه المرة استخدام الصواريخ التي وصل مداها إلى مئة وخمسين كم2 بحيث أصبح بالإمكان الوصول إلى مدينة صفد، كما أن روحاً قتالية وصموداً عاليا مسلحا بعقيدة إيمانية قائمة على مبدأ النصر والاستشهاد يرافقه القدرة على مواجهة العدو بصمود وصلابة قل نظيرها، وعملها المستمر في التخطيط وتطوير القدرات والصبر على المطاولة للعدو الصهيوني وتوظيف الهدنة والتهدئة بمنظور التاريخ الإسلامي.
□ ثالثاً: تكشف الحرب العدوانية على غزة رعب جيش الكيان الصهيوني وتصرفه الهستيري ومستوى الانحدار الأخلاقي وما حجم الدمار الذي خلفه وأوقعه في الناس الآمنين وتجمعاتهم في المدارس والمساجد والأسواق التي لجئوا إليها واستهدافه للطواقم الطبية وعدم التمييز بين موقع عسكري أو مدني وعمله الممنهج في القتل والتدمير و سقوطه الأخلاقي والقيمي الذي زاد عن ذي قبل مرات ومرات بفعل هذه الأطياف التي قذفت على بيوت الآمنين وحولتها إلى ركام في حين توارت الجثث تحت الركام، وأمام هذا الفعل المجنون يظهر فعل المقاومة ورجالها الواثقين من أنفسهم في عملية ناحل عوزا التي هي أشبه ما تكون بالألعاب الالكترونية.
□ رابعاً: لقد فضحت هذه الحرب أنظمة عربية عديدة وكشفت قصور الإعلام الرسمي العربي بل ورداءة طرحه والذي حمل أسباب الحرب لحركة المقاومة حماس في غزة.
ومن الغريب أن هذه الدول اصطفت إلى جانب دولة الكيان الصهيوني ويذكرني هذه باصطفاف بعض الإمارات الإسلامية أيام حروب الفرنجة أو الصليبيين إلى جانب الأعداء الصليبيين ضد العرب المسلمين ،وقد عانى صلاح الدين الأيوبي من فعلها المشين حتى أنها تعرض لمحاولة اغتيال من حركة الحشاشين .
ولعل موقف النظام المصري يقدم أسوأ اصطفاف في هذا الشأن ويتناقض تماماً مع تاريخ مصر وموقف الرئيس جمال عبدالناصر الذي نظر لفلسطين باعتبارها خط الدفاع عن الأمن القومي المصري،ويقف مثله متفرجا أنظمة عربية عديدة بينما تقدم شعوب وحكومات قارة أمريكا اللاتينية مواقف تستحق الفخار، وهنا يستحضرني القول أن النظام الذي سرق التجربة الديمقراطية في مصر وانقلب على الشرعية يستحيل أن يتحول إلى نظام ثوري وحر وقومي ينتمي ويدافع عن قضايا أمته العربية خاصة وأن الكيان الصهيوني هو حليف طبيعي للإمبريالية الأميركية والرجعية العربية وهؤلاء جميعاً ضد تحرر الشعوب واستقلالها.
□ خامساً: لقد باتت فصائل المقاومة في قطاع غزة من النصر والتحرير قاب قوسين أو أدنى، وكذلك شعبنا العربي الفلسطيني ،حيث انتقل الفعل الثوري إلى مستويات فاعلة في الكفاح التحرري وتحرير فلسطين وقد اقتربت ساعة التحرير بإذن المولى عز وجل ،وهي تحتاج إلى عشرة سنوات في تقديرنا بشرط أن تحقق مستوى من العهدة بين فصائل الثورة في الداخل ومع محيطها العربي الذي لابد وأن ينتج تغييرات أخرى غير القائمة الآن.
□ سادسا : كشفت الحرب قوة ووحدة وصلابة شعبنا العربي الفلسطيني في وجه ما يحاك من مؤامرات ودسائس من حوله ،وهي تؤكد قوة العلاقة بين النضال في داخل فلسطين وأهمية تغيير أنظمة الطوق لمصلحة تحرير فلسطين ،وتعيدنا إلى أهمية تفكيك العلاقة والقوة الرابطة بين الرجعيات العربية والكيان الصهيوني والامبريالية الأميركية وأخواتها من دول الاستعمار.
عبدالعزيز أمين عرار