■ إذا كان محمد بنيس في سياق حديثه عن سؤال الروافد المؤسسة للقصيدة الشعرية المغربية، قد تحدث عن مفهوم «النص ـ الأثر»، وعبد الله راجع قد تحدث عن «النص الغائب»، وغيرها من النقود، الذي تحدثت عن سؤال المرجعية بطريقة غير مباشرة؛ يصفها الباحث يحيى عمارة في كتابه الأخير الموسوم بـ»مرجعيات الشعر العربي المعاصر في المغرب»، الصادر عن مؤسسة مقاربات؛ كونها عالجت المفهوم بطريقة مجردة متعالية عن الزمان والمكان والإنسان، في سياق تقويمها للشعر المغربي الحديث؛ فإن عمارة يأخذ على عاتقه، في هذا الكتاب الخروج من دائرة الأحكام الجاهزة، إلى الاقتراب من روافد الشاعر المغربي وأصوله، ومن فهم تجربته فهما عميقا، يحدد رؤيته الفكرية والفنية، مع تشريح «رواسب الذاكرة الثقافية» المتعلقة بالخطاب المرجعي في المتون النصية للقصيدة الشعرية المغربية، وكيفية توظيفها إبداعيا.
وبناءً عليه، يسافر عمارة في تحديد مفهوم المرجعية، باعتباره مفهوما إشكاليا ينهض على عاتقه صلب هذا البحث، أولا وثانيا، لأن إشكالية المفهوم، في حد ذاتها، تستدعي تلك العلاقة القائمة الرابطة بين الذات والموضوع، بما هو تجسير لما يقع في عالم اللغة، والكلمة والجملة، والخطاب والنص، من حيث الموجودات، وفي إطار معرفة مصادر الكتابة ومنابعها، التي يستقي منها المبدع مقومات عالمه الإبداعي، سنده في ذلك مرجعية الأدب باختلاف مدارسه النقدية، الأدبية نفسها. ومن خلال إدراج رؤى وآراء النقاد ومواقفهم واتجاهاتهم، يؤسس عمارة فهمه الخاص لمفهوم المرجعية، الذي يعني من ضمن ما يعنيه، مرجعية الواقع، وأثره في النص الأدبي، فالمرجعية، في هذا المعنى، منظومة فنية غير سياقية، تكمن في النص نفسه وهو ما يتجاوزه عمارة ليؤسس سياق أطروحته، التي تستند إلى أن النص الشعري، يقيم جسرا وروافد يتغذى منها، وتشكل مرجعيته الأساس الذي تجعل منه كيانا معرفيا، لا يستمد إبداعيته وفرادته، إلا من جهة كونه كيانا معرفيا كذلك، إنه يفتح مجراه مأخوذا بثقافة القديم، ومعارف الماضي.
أولى المرجعيات التي يتوقف عندها الناقد عمارة، رصداً وتحليلاً، وحضرت بشكل مثير للانتباه في النص الشعري المغربي، المرجعية القرآنية.
أي بما تأسس قبله من كل أفعال التواصل الإنساني، ومن مجموع المخزون الثقافي، والفني، بكل مشاربه، وتُفَسَّرُ العلاقة بين النص والمرجعية، حسب عمارة، كون العملية الإبداعية، كلحظة تجلٍ يعيشها المبدع، تستدعي حضور المرجع، فتطرح الذاكرة مخزونها على نحو علني أو سري، موغل في الخفاء، ويرد ذلك القديم، ويحضر الماضي الذي يتحول إلى تجربة يتداخل فيها الثقافي بالخــــيالي، ويتفاعل الإبداعي بالإطار المرجعي المؤسّس، انطلاقا من الخبرات السابقة، والموروثات والثقافات، والقيم والذكريات والأحداث، تفاعلا وجدانيا باطنيا يتجسد عبر كلمات النص، وترفد معناه بثقافة تصبح معها المرجعية بعدا من أبعــــاد الإبداع، لأنها تعيد استخدام المعارف والمدركات المـــتراكمة، التي تختزنها ذاكرة المبدع وتغتني من إمكاناتها في لحظات التجلي الإبداعية، وبالتالي فهي تحوّل «المرجعي» إلى «نص» مختـــــلف دلاليا وجماليا، وعليه وتأسيسا على أطروحـــة عمارة، يغدو النص الأدبي حقلا تتفاعل داخله، وعبره أنظمة أسلوبية، قد يسميها النقد الحديث «تناصاً»، لكــــنها موسوعة علمية، نجد أن النقد القــــديم نفســــه انتبه إليها، حين أشــــار أغلب النقاد القدامى إلى أن الشاعــــر مطالب بأن يكون متَّسِعَ الثقافة، متنوع المشارب لينبغ ويتقدم، وبموجب هذه المطالبة كان الشـــاعر في عمق سؤال المرجعية، وليصبح الشعر ـ بناء على ذلك ـ موسوعة علمية وأدبية واجتماعية، لأن ثقافة الشاعر لم تعد تقف عند حدود الشكل، مثل العروض والبلاغة، بل تتعدى ذلك إلى أفق المعاني والأفكار، وعليه وضعوا من شروط قرض الشعر، العلم بأيام العرب وأنسابها (بما يحيل عليه ذلك من ضرورة استحضار الثقافة التاريخية) ومعرفة المناقب والمثالب والأخبار، والانفتاح على العلوم من نحو، وفقه، وبلاغة، وحساب، وغير ذلك من المعارف والثقافات.
أولى المرجعيات التي يتوقف عندها الناقد عمارة، رصداً وتحليلاً، وحضرت بشكل مثير للانتباه في النص الشعري المغربي، المرجعية القرآنية، فقد تأثر الشاعر المغربي المعاصر بالمرجعية القرآنية، وظل يصوغ مادته الشعرية انطلاقا منها، متنقلا بين أصناف الإعجاز، من لفظ إلى آية، ومن حرف إلى اسم، ومن حدث إلى شخصية نبوية، وأحيانا، تشمل عملية التأثر تلك، التصَوُّر والتصوير والأسلوب كذلك؛ عرف الشاعر المغربي كيف يَعْبُرُ بها من مرحلة التعبير الديني الفقهي، إلى التعبير الأدبي الجمالي، وفي خضم هذا المعنى، وجد الشاعر المغربي ذاته منغمسا في المرجعية القرآنية؛ ليصوغ بها عالمه الإبداعي المشروط بشروط الإبداع ذاتها؛ فقد ارتبط توظيف النص القرآني بأدبية النص المغربي، وليس بأيديولوجيته، لأن الشاعر المغربي لم تستهوه جمــــالية المغامرة الأيديولوجية، التي خاضتها القصيدة في الغرب.
ومن أمثلة حضور هذه المرجعية في القصيدة الشعرية المغربية نصوص حسن الأمراني، ومحمد علي الرباوي، ومحمد الميموني، وأحمد المجاطي، وعبد الكريم الطبال…
وبالانتقال إلى المرجعية التراثية، سنجد النص الشعري المغربي، حسب عمارة قد امتد في النص القديم امتدادا تطوريا، أصبحت معه المرجعية جسرا يعبر من خلاله نصان، يفترقان زمنيا، بَيْدَ أنهما يلتقيان في فضاء النص الشعري، وفق علاقات التفاعل؛ التي تحكُمها، وتتحكَّم فيها، عناصر المادة التراثية التي قد تكون استعادة، أو محاكاة أو تحويرا أو ذاكرة؛ وعليه، تتأسس نظرة عمارة إلى التراث، بعد تحديد ماهيته وطبيعته ودلالاته، باعتبار هذه العناصر من أهم المفاتيح الأولية، لإنتاج تصور أعمق، وتمثل أخصب، لكيفية تمظهره، وأنماط اشتغاله في القصيدة المغربية الحديثة، بوصفه ليس فقط إرثا، أو امتدادا، وإنما توظيفا وإنتاجا وتجاوبا، ثم خلقا مبدعا على غير هيئة سابقة.
في المرجعية التراثية، نجد النص الشعري المغربي، حسب عمارة قد امتد في النص القديم امتدادا تطوريا، أصبحت معه المرجعية جسرا يعبر من خلاله نصان، يفترقان زمنيا، بَيْدَ أنهما يلتقيان في فضاء النص.
إنه سيرورة، تجد صورها في القراءة المنتجة لهذا التراث والتلقي الخصب، والتجاوب الخلاق، على غرار نماذج نقدية حاورت تعاطي القصيدة الشعرية، والنص الإبداعي مع العنصر التراثي، مثل: خالدة سعيد في «حركية الإبداع: دراسات في الأدب العربي الحديث»، وكرم أنطوان غطاس في «ملامح الأدب العربي الحديث»، وعلي أحمد سعيد أدونيس في «فاتحة لنهاية القرن»، وعز الدين إسماعيل في «الشعر العربي المعاصر: قضاياه الفنية والمعنوية». غير أن ما تنماز به تجربة عمارة النقدية، في هذا الكتاب، عن تلك الكتابات، كونها ترصد، في العمق، تحولات النص الشعري التراثي، وذوبانه في النص الحديث، مستدعيا نماذج حية لهؤلاء الشعراء، مع توصيفات دقيقة للحالة الشعرية؛ التي كان فيها النص الشعري للشاعر الحديث، واقعا تحت ظلال النص التراثي، وقد مثل امرؤ القيس نموذجا متفردا، للشخصية الشعرية التراثية، التي رفدت الشاعر الحديث بخيال خصب مثل، محمد فريد الرياحي في ديوانه «رحلة الوهم إلى أنقرة»، وإدريس الملياني في ديوانه «زهرة الثلج»، كما شكل شعر المتنبي، كذلك، مخزونا شعريا بالنسبة إلى الشعراء المغاربة المعاصرين؛ حيث ارتبط الشاعر المغربي به وبشعره، ومن نماذج هذا الارتباط القوية شعر أحمد مفدي، خاصة في نصه «خروج المتنبي من ساحات اللعبة»، ومحمد علي الرباوي في نصه «العصفور».
تأتي أهمية هذا الدراسة لعمارة، كونها تدرس الشعر المغربي في راهنيته من قبل شاعر، له مكانته في المشهد الشعري المغربي المعاصر، وتزيح اللثام عن هذه الظاهرة الشعرية، غير المفكر فيها، التي عانت الإغفال الكبير من قبل النقاد، الذين أطلقوا حولها أحكام قيمة مجحفة، وقاسية، تنبري الدراسة لدحضها، بشجاعة أكاديمية لافتة، لكي تثبت خصوصية الشعر المغربي، بوصفه إبداعا لا يقل، في شعريته وإبداعه، عن صنوه المكتوب في الشرق، وأحيانا تميزه عن هذه التجارب الشعرية التي عرفها المشرق. وبدون شك سيبقى كتاب «مرجعيات الشعر العربي المعاصر في المغرب» لعمارة كتابا نقديا غنيا بمضامينه، وأفكاره الجديدة، وجرأة طرحه، لا غنى عنه لدارس الأدب عموما، والقصيدة الشعرية المغربية على وجه الخصوص.
٭ باحث مغربي