يتجاور الموت والفن في بيروت إلى حد الالتحام. لا تستطيع صواريخ ولا جيوش الكون كلّه أن تقنع اللبنانيين بضرورة ايقاف ولو مهرجان فني واحد من المهرجانات التي تزيّن الصيف ههنا. حتى المهرجان القريب جدا من مسرح الحرب لا يوقف عروضه. أوجاع وآلام وتهجير وموت وسحق ومجازر وهدم منازل وأبنية ومجتمعات وقطاعات اقتصاية وصناعية وزراعية وما إليها وأصوات هيفا وهبي وأليسا وعاصي الحلاني وكاظم الساهر والياس الرحباني وخوليو ايغليسياس وراغب علامة ووائل كفوري، دون أن ننسى نجوى كرم وجوزف عطية، واللائحة تطول وتطول. لوحة فنية سوريالية بحد ذاتها. الملفت أن هذا اللبنان يعيش وفق طريقته الخاصة به. كل التهديدات التي تطاله لا تغيّر هذه الطريقة.
الناظر الى لبنان من الخارج خصوصا في الأيام الأخيرة يظن أن الحرب المباشرة التي طاولت القسم الشمالي من سهل البقاع اللبناني والتي تهدد البلاد بحرب أهلية واسعة ليست أكثر من فيلم سينما ينفذه مخرج كريم. فبالرغم مما يجري في عرسال تابعت مهرجانات بعلبك برامجها وهي تتابع نشر الاعلانات على التلفزيون لبقية العروض المقررة. تكاد المعارك الجارية في عرسال أن تصبح جزءاً مما يعرض على المدرج. يكاد سعر البطاقة يتضمن حضور مهرجانين بسعر واحد.
لو قلت لأجنبي أن هناك في بعلبك مهرجاناً فنياً يضم كبار الفنانين والموسيقيين على بعد كيلومترات قليلة من حرب داعش على عرسال والجيش اللبناني والتي أدت على الأقل إلى سقوط ما يزيد عن مئات القتلى والجرحى لكان هذا الغريب رماك بنظرة تعجب غير مصدق ما يسمع. لكن الحقيقة أن الحرب ماشية والمهرجانات كذلك. فالحروب في لبنان عادة. والصراحة ان اللبنانيين كانوا يفضلون حتماً لو أن الحرب قد نشبت في غير فصل الصيف لكن الله غالب. لن نوقف مهرجانا صيفيا فنياً فقط بسبب الحرب. فالحرب ليست عذراً كافياً.
على العكس نلاحظ أن المهرجانات ليس فقط لم تتوقف بل توسعت عاموديا وأفقياً. فالمهرجانات أكثر نضجاً من حيث الضيوف والمشاركة ومستوى الفنانين. وطال التوسع قرى وبلدات لم يخطر ببال أحد أن تخوض غمار هذه التجربة. من أقصى الشمال إلى اقصى الجنوب. كان التظاهرات الفنية الصيفية تقتصر على المواقع التي تحتوي على آثار تاريخية وقصور بحيث تتيح للأعمال الفنية ان تنخرط بإطار ثقافي تاريخي يضفي عليها بعداً سحريا خاصاً. من هنا كانت المهرجانات في الأساس تقتصر على بعلبك وجبيل وصور وبيت الدين. لكن سرعان ما تجاوز المنظّمون هذه الميزة لكي تنزل العروض من عليائها إذا جاز القول وتروح عند ناس القرى العادية تحمل إليهم فرح الموسيقى وسحر الرقص وألق المسرح والإبداع على أنواعه.
للحرب في لبنان ميادينها وللفن ميادينه. يتجاوران لكنهما لا يلتقيان في النقطة ذاتها. وإذا حصل ما يقود إلى التقائهما فإن المنظمين ينقلون العرض تقريباً بنفس اللحظة إلى مكان آمن وبعيد. هكذا حصل هذا الاسبوع عندما نقلت لجنة مهرجانات بعلبك عرضاً من بعلبك إلى مسرح كازينو لبنان. كيف يتجرأ الناس على الانتقال لحضور هذه النشاطات في مثل هذه الظروف الاستثنائية ؟ سؤال لا يتجرأ أحد على الإجابة عليه. يجيبونك : هذا لبنان. لكن كيف يمكن هذا اللبنان أن يتحضر في ذات الوقت للحرب والصيف الفني ؟ لماذا يحارب اللبناني ولديه حظ الولادة في بلد بهذا الجمال وهذه الدعة ؟ اسئلة يفضل تجنبها إذا أحببت أن تتابع حياتك بدون أرق.
شرط الحياة اللبنانية الهانئة عدم التساؤل حولها. يقال بهذا المجال أن الرئيس الأسبق فؤاد شهاب، وكان رجل دولة عقلانيا، قام باستقدام بعثة أجنبية لكي تدرس الاقتصاد اللبناني مقدمة لعقلنته وتنظيمه وعقلنة الحاجات الأخرى المرافقة. ويحكى بأن رئيس البعثة الذي فوجىء بكمية الاسئلة التي بقيت بدون جواب قال للرئيس شهاب خلال حفلة تسليم التقرير الرسمية : طلبتَ دراسة علمية حول الاقتصاد ففعلنا اللازم وفق ما تقره مناهج العلوم وإليك النتائج. لكن إذا كنت تريد حقيقة من خلال هذا التقرير أن تعرف الواقع الفعلي فالأمانة العلمية تفرض علي أن أصارحك باستحالة ذلك. الأرقام التي جمعناها تشير إلى أن الناس في بلدكم عاجزة عن تلبية ابسط حاجاتها، لكن الناس عندكم من ناحية ثانية ليس فقط تؤمن حاجاتها بل هي تملك منازل صيفية في الجبال تهرب اليها من قيظ الحر على السواحل. لا أدري كيف يفعل اللبناني لتلبية كل ذلك. لكن ما يمكنني أن أنصحكم به هو أن تتابعوا العيش كما أنتم بدون محاولة معرفة السبب.
طبعاً قد تكون القصة من اساسها غير صحيحة أو قد تكون من نوع الدعابات التي يجيدها العلماء لكي يشيروا إلى حالة خاصة لا تحيط بها بداهة العلوم كما تبلورت في التجارب الناجزة. وقد تكون القصة صحيحة، لكن المؤكد بعد عقود على دراسة بعثة ايرفيد أن بلداً يشهد عدة حروب اقليمية وأهلية ونصف حرب باردة شاملة ويعيش بدون رئيس لعجزه عن القيام بعملية الإنتخاب، وتعجز حكومته عن الالتئام خوفاً من الإنفراط، هذا البلد يستطيع أن ينهي كل اسبوع من أسابيع أشهر الصيف بعدد من الحفلات الفنية التي تجمع كل واحدة من الحاضرين ما لا يقل عن ألف شخص.
فنانون من فرنسا والولايات المتحدة وكندا وهولندا والسويد والنروج وتركيا ومن كافة الدول العربية ومن لبنان طبعا يتنافسون ليقدموا الأحسن والأجمل والأرقى على مرمى قذيفة وصاروخ. لم يبق إلا أن يستدخل الموسيقيون أصوات الحروب وصورها بنقل مباشر في أعمالهم حتى لا يشعر المتفرج بالحرج إذا ما اقتربت الاشتباكات من المسرح كثيراً وبما يتعدى المسافة القانونية المفترضة ما بين الحرب والفن.
كاتبة لبنانية
عناية جابر