يوم الثلاثاء الماضي، أعلنت اللجنة العامة لمجلس النواب المصري عن موافقتها رسميا على اقتراح تعديل عدد من مواد الدستور المصري أبرزها تمديد فترة الرئاسة لست سنوات بدلا من أربع، والسماح للرئيس السيسي بالترشح لفترتين إضافيتين بعد انتهاء مدته الحالية. وكانت التعديلات المقترحة قد تقدم بها النائب عبد الهادي القصبي، رئيس تحالف “دعم مصر”، صاحب الأغلبية البرلمانية، ممهورة بتوقيع 155 عضوا. وأعلن رئيس البرلمان، علي عبد العال، في اليوم نفسه، أن اللجنة العامة قد وافقت على المقترحات بعد تأكدها من توافر الاشتراطات الدستورية والإجرائية في الطلب المقدم من خمس أعضاء مجلس نواب، وأضاف بأن تقرير اللجنة سيكون متاحا لكافة أعضاء البرلمان خلال 7 أيام، من تاريخه.
وعلى ضوء تسارع الخطوات التي اتخذتها الأغلبية البرلمانية، الموالية للنظام، بغية تمرير التعديلات المقترحة في مجلس النواب، تمهيدا لطرحها للاستفتاء الشعبي، فإن معارضيها بدورهم كانوا قد انطلقوا في محاولة للتصدي لتعديل الدستور على أكثر من مسار. ففي الخامس وعشرين من الشهر الماضي، وتحوطا للتكهنات الذي سرت حول نية النظام لمد الفترات الرئاسية، أصدرت ثماني منظمات حقوقية مصرية بيانا موحدا أدان دعوات التعرض للدستور، ودعت للضغط على الرئيس لمغادرة منصبه بمجرد انتهاء فترته الرئاسية عام 2022. وجاء ذلك البيان، بعد الإعلان عن حملة لجمع التوقيعات، أطلقها عشرات من السياسيين والمواطنين في مطلع العام بعنوان “لا للعبث بالدستور”.
وفيما يبدو أن تحرك منظمات المجتمع المدني وحملة التوقيعات الجماهيرية يحمل ثقل معنويا وسياسيا من الجائز أن يتوسع، إلا أنه يفتقد للآليات الإجرائية القادرة على وقف عميلة تعديل الدستور. وعلى مسار آخر، وقبل يوم من إعلان اللجنة العامة لمجلس النواب عن موافقتها على طلب التعديلات، اجتمع يوم الإثنين الماضي، عدد من نواب البرلمان المعارضين لتعديل الدستور في مقر الحزب العربي الديمقراطي الناصري، وأعلنوا في بيان صحافي رفضهم للتعديلات المقترحة. لكن وبالرغم من حدة التصريحات التي أطلقها النواب المشاركون، إلا أنه من غير المتصور أن تشكل معارضتهم عائقا أمام تمرير مسودة التعديلات داخل البرلمان. فغير أن عدد أعضاء تكتل 25/30 البرلماني المعارض لا يشكل سوى نسبة متواضعة من إجمالي عدد مقاعد البرلمان الـ 596، فإن عشرة فقط من أعضائه الستة عشر حضروا الاجتماع المشار إليه. وكان النائب، يوسف القعيد، أحد أعضاء التكتل، قد أعلن عن تأييده للتعديلات ضمنا، حين صرح بإنه “مع السيسي”. ولم تكن هذه هي الإشارة الوحيدة لتفتت جبهة الكتلة البرلمانية المعارضة، فاثنان من المتغيبين عن الاجتماع، وهما النائب خالد يوسف والنائبة نادية هنري قد أصدرا بيانين منفصلين، أعلنا فيهما رفضهما للتعديلات، فيما تظل مواقف ثلاثة من أعضاء التكتل غير معلنة. وتأتي تلك الصورة المهتزة وغير الموحدة للتكتل على عكس التماسك الذي أظهره أعضاؤه إثناء أزمة جزيرتي تيران وصنافير منتصف العام 2017.
ومع تعثر مسار المعارضة البرلمانية، الذي يبدو نافعا على مستوى دعائي ومعنوي لا أكثر، أعلن في يوم الثلاثاء نفسه، عدد من الأحزاب السياسية والشخصيات العامة عن تأسيس “اتحاد الدفاع عن الدستور”، بوصفه إطارا شعبيا وديمقراطيا مفتوحا معنيا بمهمة الدفاع عن الدستور بكافة الوسائل السلمية. وكانت أحزاب التحالف الشعبي الاشتراكي، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والدستور، والإصلاح والتنمية، ومصر الحرية، والحزب الاشتراكي، والوفاق القومي، والمحافظين، إلى جانب تيار الكرامة قد شاركت في إقرار البيان التأسيسي للاتحاد. ومع افتقاد التحالف السياسي المشار إليه إلى الصيغة القانونية التي تمكنه من تعطيل التعديلات المقترحة إجرائيا، فإن الإتحاد أعلن عن عزمه على العمل عبر ثلاثة محاور: أولا عبر إطلاق حملة شعبية لجمع التوقيعات، وثانيا عبر إطلاق منبر إعلامي للتواصل مع الجمهور وتوعيته بمخاطر العبث بالدستور، وأخيرا عبر المسار القضائي بالطعن على التعديلات المقترحة في المحاكم المصرية.
وبالفعل، تقدم المحامي عدلي أيوب، يوم الأربعاء الماضي، بمذكرة إلى محكمة القضاء الإداري للطعن على مقترح تعديل الدستور الحالي، مختصما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، بصفتيهما. والجدير بالذكر إن عدلي كان أحد المحامين الذين طعنوا على قرار نقل تبعتي جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية، وهو الطعن الذي أقرته المحكمة الإدارية حينها، قبل أن تستشكل الحكومة لدى المحكمة الدستورية العليا، والتي حكمت لصالح الحكومة في النهاية.
وبالنظر إلى المسارات البرلمانية والجماهيرية والقضائية التي سلكتها المعارضة في الأيام القليلة الماضية، فإن المحور القضائي يبدو هو الأقدر على تعطيل التعديلات الدستورية، إن لم يكن وقفها. فمن المحتمل أن يقبل القضاء الإداري الطعن المشار إليه أو غيره من الطعون المستقبلية، وإن كان من غير المستبعد بالطبع لجوء الحكومة للمحكمة الدستورية لاحقا. وبالتوازي مع هذا المسار، فإن الجهود الجماهيرية لجمع التوقيعات والحملة الإعلامية لـ”اتحاد الدفاع عن الدستور” مع نواب 25/30 من المرجح أن تكتسب زخما في المستقبل القريب، ربما لن يكون قادرا بالضرورة على منع تمرير التعديلات داخل البرلمان، لكن على الأقل سيمهد الطريق إلى معركة الاستفتاء الشعبي عليها لاحقا، وهي المعركة التي يبدو من المبكر محاولة التكهن بمساراتها اليوم.