هل سيغادر الرئيس عبد الفتاح السيسي كرسي الحكم يوما ما؟ أم انه رئيس للأبد كغيره من الحكام الذين تربعوا على عرش مصر منذ ثورة الضباط الأحرار ولم يخرجهم إلا الموت أو القتل أو ثورة شعبية؟ فعلى خلاف الذين سبقوه قمع السيسي ثورة شعبية ومنح مظهر الرجل الذي سيلتزم بمبادئ الدستور وقدم نفسه كزاهد في السلطة وأنه يعمل من أجل مصر والمصريين. وصدقه الكثيرون الذين ظنوا أنهم ضحوا بالحرية مقابل الأمن الذي لم يتحقق في النهاية. وخلال سنواته منذ انقلاب عام 2013 عمل السيسي على تركيع المصريين بالسياسات الوهمية والمشاريع الضخمة التي لم ينجز منها إلا القليل وما أنجز مثل تفريعة قناة السويس، لم تكن مجدية وقصد منها رفع معنويات السيسي لا الأمة المصرية التي سجن أحسن أبنائها ودجن إعلامها وبرلمانها. وقال عندما رشح نفسه عام 2014 أنه سيلتزم بمبادئ الدستور الذي ينص على مدتين للرئيس، وفاز في العام الماضي بانتخابات أقل ما توصف أنها مهزلة، حيث خلت من المنافسين له، وكان منافسه شخصية غير معروفة وللمفارقة أحد مؤيديه.
ومنذ فوزه الثاني بدأت الصحافة المناصرة له تحضر الأجواء لتغيير البند في الدستور الذي يحدد ولاية الرئيس ومدها لأكثر من واحدة وزيادة سنواتها من أربع إلى ست سنوات، والمبرر لهذا أن هذه المدة ليست كافية للرئيس كي ينجز أهدافه. والحقيقة أن المتابع للبرامج الحوارية على التلفزة المصرية الرسمية والتي تزعم أنها مستقلة يستغرب عملية اغتيال عقول المصريين التي يمارسها المذيعون والهالة التي يضعونها للرئيس وتخوين من ينتقده لو بشكل خفيف. ويرى المعارضون للرئيس ومعظمهم في الخارج أن تعديل الدستور سيكون المسمار الأخير في نعش الثورة المصرية التي صادف ذكراها الثامنة، الشهر الماضي، مع أن أنصار الرئيس يرون أن ثورتهم لم تكن في عام 2011 بل في حزيران (يونيو) 2013 والتي يطلق عليها معارضو النظام بالانقلاب. ويرى مؤيدو التعديل أنه ضرورة تقتضيها الظروف التي تعيشها مصر والأمر ليس بدعة، فقد عدل الرئيس أنور السادات الدستور عام 1979 لأن مصر كانت تعيش حالة حرب، كما مصر السيسي تعيش حالة حرب ضد المتطرفين في سيناء. ومن هنا فالتعديل الذي تقدم به النواب للمادة 140 من دستور عام 2014 يقضي بتمديد مدة حكم الرئيس من أربع إلى ست سنوات، وتعديل المادة 200 والتي تسمح للجيش التأكد من “إنجاز مبادئ ثورة 30 يونيو” . ويعني هذا منع عودة الإسلاميين إلى السلطة. وتم تقديم التعديلات بطريقة تجعلها مقبولة من مثل تعيين نائب للرئيس وإنشاء غرفة جديدة في مجلس الشعب، على شكل مجلس الشيوخ. ويرى المعارضون للتعديلات إنها بمثابة قتل لثورة يناير 2011 وهي انقلاب على الدستور. أما أنصار السيسي فيناقشون أن المدة التي حددها الدستور ليست كافية لكي يقوم الرئيس بتحقيق الإصلاحات المطلوبة. كل هذا رغم ما يصفه المعلقون من أنصار الرئيس من أنه أسرع من الصوت وقاموا بنشر كتاب ضخم عددوا فيه إنجازاته، وبل واقترح أحدهم اختراع وحدة لقياس الصوت لكي تستطيع التعامل مع سرعة الرئيس المعجزة. ومع أن هذه التعليقات أصبحت معهودة وواضحة في إعلام السلطة، إلا أن ما تحمله التعديلات وما يقوم به أنصار الرئيس نيابة عنه يحمل تداعيات كثيرة على مستقبل السياسة المصرية. فمع أن الرئيس كعادته التزم بالصمت ولم يدعم أو يطلب تعديل الدستور، إلا أن الاستفتاء على التعديل وتمريره كما هو متوقع يعني بقاءه في السلطة حتى عام 2034. وربما أبعد، فنحن في زمن الحكام الأقوياء وللأبد من الصين إلى روسيا ومصر وما بعدها، فالرئيس الضرورة هو رئيس ضرورة مهما كانت حالته الصحية كما في الجزائر حيث يدعم أنصار عبد العزيز بوتفليقة ترشيحه لمدة خامسة. وفي بعض الحالات يحكم الرئيس بدون شرعية أو دستور كما هو حال الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تجاوز مدته منذ أكثر من عقد. ويرى نقاد المقترحات ان ما يطمح إليه البرلمان يعني بداية معركة سياسية بين المصريين الطامحين للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وبين حكم راغب في البقاء مدى الحياة، كما جاء في تغريدة لحسن نافعة استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة. وتقدم أكثر من 100 نائب في البرلمان بمشروع قرار يطالب بالتعديلات وأعلن رئيسه علي عبد العال أن ثلثي أعضاء اللجنة العامة في البرلمان أجازت التعديلات المقترحة بما في ذلك منح فترتين للرئيس السيسي وتعديل طريقة اختيار المحكمة الدستورية والنائب العام. والغريب أن بعض التعديلات التي تقدمت بها الكتلة المؤيدة للسيسي في البرلمان تشير إلى الأحلام التي لم تتحقق من ثورة يناير عام 2011 والتي طالبت بنائب للرئيس وحصة تضمن تمثيلا مناسبا للمرأة وللشباب والعمال والمزارعين والمسيحيين. وفي الوقت نفسه تعزز التعديلات المقترحة الأخرى من سلطة الرئيس من ناحية علاقته بالحكومة وسيطرته على النظام القضائي ومجلس الشيوخ.
وانتقدت المعارضة البرلمانية المدجنة التعديلات المقترحة ووصفتها بمحاولة لتعزيز “الديكتاتورية الدستورية”. وكالعادة في أي أمر يقوم به السيسي وأنصاره فهي مناسبة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي حيث اقترح معلقون أن الرئيس سيقوم فعلا بتنظيم انتخابات كل أربع أو ست سنوات لا لتغيير نفسه ولكن الناخبين. وتم نشر تعهد الرئيس السيسي في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) بأنه لن يترشح لولاية ثالثة. وقلل عدد من الذين دعموا الدستور بل وكتبوه مثل عمرو موسى، وزير الأمين العام السابق للجامعة العربية من وثيقة الدستور التي رأوا أنها تظل موضوعا للتعديل بل والرفض. ويتوقع الكثيرون أن يتم ما يريده أنصار الرئيس وبالضرورة السيسي مع نهاية عام 2019. فيما يقول آخرون أن السيسي خائف من التنازل عن السلطة خشية من تعرضه لمحاكمات، كما أشار استاذ جامعي لموقع “المونيتور” (6/2/2019). فقد أقام نظاما قمعيا لم تشهد مصر مثيلا له في تاريخها وسجن عشرات الآلاف من المعارضين الإسلاميين وغير الإسلاميين. ورآه الجميع الشهر الماضي وهو يتصبب عرقا عندما حاول رد أسئلة مذيع أمريكي عن التعذيب والقمع. وغير الموضوع غاضبا عندما سأله الصحافيون الفرنسيون المرافقون للرئيس إيمانويل ماكرون الذي زار هذا الشهر القاهرة عن حالة حقوق الإنسان. ورد بطريقته التي لا يفهمها إلا هو على أن المعايير الأوروبية تختلف عما يعرفه المصريون من قمع وغير الموضوع إلى مسألة العمالة والاقتصاد والذي وإن تحسن قليلا فلا يزال يعاني من مشاكل وسط تراجع الجنيه المصري أمام الدولار. وحتى يظهر إنجازاته يواصل افتتاح مدن خاوية كما في العاصمة الجديدة التي استبدل فيها ألف منارة في القاهرة بأربع منارات في مسجده “الفتاح العليم” الذي لا يصلي فيه أحد. والسبب أن المدينة الجديدة تظل بعيدة عن الناس الفقراء الذين بنيت من أجلهم كما علقت مجلة “إيكونوميست” (23/1/2019) وقالت إن البعض وصف العاصمة الجديدة بأنها محاولة “لزيادة غرور الرئيس”. ولا أحد يعرف كلفة العاصمة ولا كيف ستدفع مصر الدين. وكما في زمن السيسي فالجيش لديه نصيب الأسد في المشروع وسيسطر على الداخل والخارج منها. وتساءلت عن انتقال المصريين لعاصمتهم الجديدة مشيرة إلى مشاريع المدن التي أقامها حكام مصر في الماضي لتخفيف أزمة الزحام في القاهرة وانتهت خاوية نظرا لعدم توفر الخدمات فيها أو واحات خاصة للأثرياء الذين فروا من تلوث القاهرة. وما يهم في العاصمة الجديدة أنها معزولة وستمنع ثورات مثل يناير 2011 التي راقب أحداثها وزير الخارجية السابق أحمد أبو الغيط من شباك مكتبه. وحتى يثور المصريون على الرئيس فيتعين عليهم الانتقال للعاصمة الجديدة والذهاب إليها بالحافلات، وربما كانت هذه الخطة.
وفي النهاية يستطيع نظام السيسي فرض ما يريد من شكل للحكم خاصة أن الشجب لنظامه لا يتعدى منظمات حقوق إنسان أو معارضة في المنفى، أما الشعب فهو خائف وأمريكا التي يحب رئيسها الطغاة والأقوياء راضية عن رئيس مصر وتفرش له السجاد الأحمر عندما يزور واشنطن. ومهما يكن فعاصمة جديدة يحتمي بها السيسي ودستور يشرعن حكمه لا تكفي، ذلك أن أسباب الغضب والحرمان والقهر لا تزال كامنة.