بغداد-“القدس العربي”: مع بدء القوى الشيعية العراقية في توحيد مواقفها وتنظيم حملتها لإنهاء التواجد العسكري الأمريكي ردا على تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب باحتفاظ بلاده بقاعدة عسكرية في العراق لمواجهة إيران، ومع سقوط طلائع صواريخ الميليشيات على القواعد الأمريكية، فان وقوع المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران على أرض العراق لم تعد مجرد مخاوف بل أصبحت واقعا لا مفر منه.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد حسمت أمرها بالإصرار على بقاء القواعد الأمريكية في العراق دون اهتمام بإحراج الحكومة العراقية بعد تأكدها من فشل ضغوطها على بغداد للاستجابة والالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران وعدم قدرتها على منع صدور قانون في البرلمان العراقي بإخراج القوات الأمريكية، وبالتالي فالقرار الأمريكي على ما يبدو هو خوض المواجهة مع إيران وحلفائها.
وجاءت تصريحات ترامب بوجود القواعد الأمريكية رغم نفي الحكومة العراقية، عقب زيارته لتلك القاعدة دون اللقاء بالمسؤولين العراقيين، بالتزامن مع إعلان البنتاغون مؤخرا بأن وجودها العسكري في العراق طويل الأمد، ليضع النقاط على الحروف حول التساؤلات عن نية أمريكية للاحتفاظ بقواعد عسكرية في العراق وتوجيهها ضد إيران، وهو الأمر الذي أدركت إيران انه واقع لا محالة وبالتالي فهي تهيئ ومنذ مدة، ظروف المواجهة في الساحة العراقية.
وفي هذا السياق، بدأت القوى الشيعية بالتحرك المشترك وتجاوز خلافاتها حول تشكيل الحكومة، عبر لقاء كتلتي سائرون المدعومة من التيار الصدري وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري، للتنسيق والتحرك المشترك في البرلمان لطرح مشروع إخراج القوات الأمريكية من العراق مستغلة ثقلها في البرلمان المدعوم بمواقف بعض النواب السنة، ولضمان عدم قدرة القوى المعارضة للمشروع (كردية وسنية) من إحباطه عند طرحه للتصويت في البرلمان.
وكان النائب عن التيار الصدري، صباح الساعدي، أعلن عقب تقديمه مشروع إخراج القوات الأمريكية إلى البرلمان بأنه “لا يمكن السماح لا لترامب ولا لقواته ولا لأي دولة أخرى ان تستغل أرض العراق من أجل تهديد دولة أخرى” مطالباً بإنهاء الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن.
وقد أدلى المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بدلوه في الأمر عندما شدد على العلاقات المتوازنة للعراق مع جميع دول الجوار من دون التدخل في شؤونه الداخلية أو المساس بسيادته، رافضا “أن يكون محطة لتوجيه الأذى لأي بلد آخر”.
وبالطبع لم تفوت طهران فرصة استغلال تصريحات ترامب حول استخدام قواعده في العراق ضدها، فسارع السفير الإيراني في بغداد إلى الدعوة لسحب القوات الأمريكية من العراق لانتفاء الحاجة لها بعد القضاء على الإرهاب، كما كثف لقاءاته بالمسؤولين العراقيين وقادة الأحزاب والفصائل الشيعية.
وفي مؤشر لتصعيد أنماط رفض الوجود العسكري الأمريكي فقد سقطت بعض صواريخ غراد بالقرب من قاعدة عين الأسد في الأنبار، بعد أيام من العثور على صواريخ أخرى قبل انطلاقها نحو تلك القاعدة التي سبق وزارها ترامب، وذلك عقب تهديدات أطلقها العديد من قادة التنظيمات الشيعية المسلحة بأنها ستستهدف الوجود الأمريكي في العراق إذا لم ينسحب أو إذا استهدف إيران. وإثر هذه الهجمات، تم تعزيز الإجراءات الأمنية حول قاعدة عين الأسد، وأماكن تواجد القوات الأمريكية وزادت طلعات الطيران الأمريكي الحربي لتمشيط المناطق المحيطة بالقواعد لمنع أي استهداف جديد.
وأشار العديد من الخبراء العسكريين إلى أن أي اعتداء من قبل الفصائل المسلحة على القوات الأمريكية، سيحرج موقف الحكومة العراقية التي تتمسك باستمرار حاجتها للدعم العسكري الأمريكي، كما يعد خرقاً للاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية التي تنظم وجود القوات الأمريكية في العراق.
ويذكر انه بالتزامن مع الحملة لإخراج القوات الأمريكية، شنّت مقاتلات التحالف الدولي، غارات على مواقع تنظيم “داعش” في جبال مكحول وحمرين ضمن محافظة صلاح الدين، كما تقوم المدفعية الأمريكية في الحدود مع سوريا بالقصف المتواصل لمواقع تنظيم “داعش” وبالتنسيق مع قيادة العمليات المشتركة.
وفي كل الأحوال لا تبدو القوى العراقية متفقة حول الوجود العسكري الأمريكي، إذ أشار القيادي الكردي ووزير الخارجية السابق هوشيار زيباري إلى أن “العديد من القادة العراقيين يتنافسون لتحدي البيان الأخير لترامب بهدف ارضاء إيران”. بينما أعلن أياد علاوي زعيم ائتلاف الوطنية إن قرار بقاء القوات الأمريكية على الأراضي العراقية يقع ضمن مسؤولية مجلسي الوزراء والنواب.
إلا أن عضو مجلس النواب عن محافظة نينوى النائب علو حسن الجبوري، كان أكثر جرأة عندما دعا المطالبين بقتال الأمريكان في العراق بسبب موقف واشنطن من إيران إلى الذهاب لإيران والدفاع عنها من أراضيها، مشددا على “ضرورة ان لا يجعل العراق ساحة لتصفية الخصومات”.
ولا يختلف المراقبون والمحللون على أن خطوات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة العراقية، تسير بخطوات تدريجية ثابتة، وتؤكد حتمية وقوع المواجهة غير المباشرة بينهما، والتي يصعب إيقافها لتمسك كل الأطراف بمواقفها، وهو الأمر الذي سينعكس سلبا بالتأكيد على الأوضاع في العراق خاصة مع إصرار الإدارة الأمريكية على شمول الدول غير ملتزمة بالعقوبات على إيران بتلك العقوبات.