لندن- “القدس العربي”: تحت عنوان “الاتجار بالأعضاء البشرية في مصر” كتب الباحث شين كولامب، المحاضر في القانون بجامعة ليفربول تقريرا عن استغلال المهاجرين الأفارقة الباحثين عن طريق للهجرة إلى أوروبا وسرقة الأعضاء البشرية منهم.
وقال مؤلف كتاب عن نفس الموضوع سيصدر عن جامعة ستانفورد في العام المقبل، إن تجارة الأعضاء البشرية منتعشة في مصر، وأحد دوافعها القمع الذي تقوم به قوات الأمن بحق المهاجرين بدعم من الإتحاد الأوروبي.
وبدأ الكاتب بقصة داويت الذي التقاه بمقهى شيشة في القاهرة وعمره 19 عاما رغم أنه يبدو أصغر. وهرب داويت بمساعدة أهله من أرتيريا لتجنب التجنيد الإجباري الذي لا ينتهي، ووصل الى مصر عبر السودان حيث أقنعه هناك سمسار ببيع كليته كوسيلة لتسهيل الهروب. وقبل الفكرة باعتبارها وسيلة سهلة لتحصيل 5.000 دولار. وشرح داويت كيف قضى مع الوسيط يوما كاملا في السيارة حيث تم نقله إلى المستشفى للعملية وتم فحص بوله ودمه، ثم طلب منه تغيير ملابسه وكان هذا آخر ما تذكره حيث استفاق من البنج وهو يشعر بألم حاد في جنبه وبدأ يصرخ حتى جاء الوسيط وأخذه إلى شقة للراحة. ويعلق كولامب أن قصة داويت هي عادية أكثر مما تشير الأرقام، فبحسب تقرير لمكتب الجريمة والمخدرات التابعة للأمم المتحدة فقد تم جمع أدلة عن 700 حادث للاتجار بالأعضاء البشرية من شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
وهي أرقام متواضعة ويصعب تحديد مستوى التجارة خاصة أن معظم الحالات غير مسجلة ولا يريد أصحابها الإبلاغ خوفا من الترحيل، الإعتقال أو الشعور بالخجل. وفي مصر تبدو الظروف مهيأة أكثر من غيرها لتجارة الأعضاء البشرية، فالمناخ المعادي للمهاجرين والاعتقال التعسفي لهم وزيادة رسوم التهريب خلقت فرصة للوسطاء الذين يبحثون عن أعضاء بشرية لتصيد اليائسين الباحثين عن تمويل لرحلة اجتيازهم البحر المتوسط.
ويشير كولامب إلى أن معاناة داويت لم تنته عن العملية، فبعد خروجه من المستشفى أخذه السمسار واسمه علي إلى شقة في حي المهندسين بالقاهرة للراحة، وهناك قدمه لأرتيري ثانٍ اسمه إسحق ووعده بنقله إلى دمياط ونقله عبر قارب صيد إلى صقلية مستخدما جزءا من المال الذي يدين له لداويت وتمويل الرحلة، وقال: “كنت مرتاحا لإسحق بعد الحديث معه، فهو أرتيري ولم يبدُ مثل لص. وأخبرني أنه يهرب المئات شهريا ولا يحتاج للمال. وأشعرني أنه يقدم لي معروفا وأعطاني رقم هاتفه لكي أتصل به عندما أكون جاهزا”.
وبعد أسبوعين في الشقة شعر داويت أنه قوي للتحرك وبدء الرحلة. وقام بمكالمة إسحق للاتفاق على الرحلة، ولكن كان خارج الخدمة واختفى السمسار علي. واقتنع داويت أن علي أخذ المال للهروب إلى أوروبا، وعندما أبلغ الحادث إلى الشرطة هدد بالترحيل.
ويكتب كولامب عن وجود أدلة شفهية تشير لزيادة سماسرة الأعضاء البشرية في مصر الذين يستهدفون المهاجرين لمساعدتهم في الرحلة إلى أوروبا مقابل التخلي عن أعضائهم البشرية.
ويعلق الكاتب أن المفارقة هي أن التجارة مدفوعة بسياسة الاتحاد الأوروبي “لنقل الحدود” والتي تعني زيادة كفاءات الدول الإفريقية مثل ليبيا والسودان ومصر لإدارة المهاجرين عبر الصندوق الطارئ الأوروبي لأفريقيا.
وتكشف الأرقام التي نشرتها المفوضية الأوروبية عام 2018 أن عددا قليلا من المهاجرين يقطع البحر المتوسط عبر الساحل الشمالي لمصر. إلا أن إغلاق طرق الهروب من الساحل الشمالي المصري دفع المهاجرين للبحث عن طرق أكثر تطرفا. وزاد بالضرورة من شبكات الجريمة التي صارت تطارد المهاجرين الذي يرغبون وبيأس الوصول إلى أوروبا وإقناعهم ببيع أعضائهم.
والتقى الكاتب بمقهى في ميدان التحرير بإبراهيم، والذي قال إنه يقوم باستهداف المهاجرين كجزء من شبكة تعمل على طول الساحل المصري الشمالي. وقال: “يأتي الأشخاص إلي لترتيب النقل والدفع” و”أتأكد من وصول المبلغ مع الرئيس ثم أنقل الأشخاص من القاهرة إلى الإسكندرية، حيث ينتظرون في مخازن تابعة لمزارع الدجاج حتى يحين موعد ذهابهم إلى البحر”.
وردا على ملاحقات الحكومة، زاد المهربون من رسوم الرحلة إلى 3.500 دولار بعدما كانت 1.500 دولارا وذلك للحفاظ على الربح. ومن لا يستطيع تمويل رحلته يحوله السماسرة لتجارة الأعضاء البشرية في القاهرة. وقال إبراهيم: “يمكن للمهاجرين دفع مبلغ أقل من 3.500 دولارا ولو فعلت هذا فستحصل على رحلة من الدرجة الثانية” و”يتم احتجاز هؤلاء في مراكز الاحتجاز حتى يدفعوا المبالغ المستحقة عليهم”. وقال إن هناك من المهربين “لا يهمه سوى المال ولا يهمه لو وصلت إلى وجهتك أو مت بالبحر. ولهذا انصح الأشخاص بالدفع مقدما حتى لو كان هذا يعني بيع كلية”. ويرى إبراهيم أن ما يقوم به غير قانوني ولكنه يساعد الناس على تغيير حياتهم للأحسن.
ورغم وجود قانون يمنع تجارة الأعضاء البشرية عام 2010 إلا أنه زاد من نموها.
وتم إقناع عائشة السودانية من الخرطوم والتي نقلت إلى القاهرة. وتوضح: “قالوا سيوفرون لي عملا ثم ينقلوني إلى إيطاليا. ولا أثق بهؤلاء الناس ولكن الحياة كانت مستحيلة في الخرطوم وأولادي كانوا مرضى بسبب عدم وجود طعام، ولهذا صدقتهم”.
وعندما وصلت إلى القاهرة أخبروها أنها لن تذهب إلى إيطاليا ولكنها سـ”تتبرع بكليتها” ووعدوها بـ 2.000 دولار لو قبلت. وإن رفضت فسيتم أخذها بالأكراه ونقلوها إلى شقة في الإسكندرية: “عرفت أنني في الإسكندرية لأنني رأيت البحر من السيارة، وبعدها وجدت نفسي في غرفة بمعدات طبية، وهذا كل ما أتذكره، ووضعوني في الغرفة وطلبوا مني التفكير بأبنائي”.
وقامت عائشة بتقديم بلاغ للشرطة التي اعتقلت سمسارا أفرجت عنه بعد شهر. وفي تموز/ يوليو 2018، أعلنت وزارة الصحة المصرية عن إدانة 37 شخصا في جرائم تتعلق بالإتجار بالأعضاء البشرية ولم يتم ذكر الضحايا.
وفي بيان من الوزارة قالت فيه إن السلطات المصرية تواصل وبيقظة ملاحقة والتحقيق وجلب كل جرائم التجارة بالأعضاء للعدالة. وفي الوقت الحالي تعيش عائشة بخوف وتتعرض لحملة تهديد واستفزاز من السمسار ورجاله الذين قالوا لها إن حياة أبنائها في خطر لو لم تقم بسحب بلاغها. وتقول: “انا خائفة لما سيحدث لأطفالي وأخشى أن يأخذوا أعضاءهم أيضا”.