أقامت السينماتيك الفرنسية في العاصمة باريس عروضاً استعادية للمخرج الأمريكي من أصل نمساوي بيلي وايلدر (1906-2002)، وهو أحد أبرز السينمائيين في العصر الذهبي لهوليوود، أو المرحلة الكلاسيكية في هوليوود، الممتدة من سنوات العقد الثاني من القرن العشرين إلى ستينيات القرن.
شملت العروض العديد من أفلامه، ووثائقيات عنه، من بينها كانت تلك الأفلام الأربعة التي تُعدّ من بين أفضل ما أنتجت السينما في الولايات المتحدة: «شارع سَنْسِت»، «البعض يحبه ساخناً» ، «الشقة»، «تأمين مزدوج».
أخرج وايلدر بعضاً من أهم أفلام الكوميديا من كلاسيكيات هوليوود، من بينها «البعض يحبه ساخناً» و«حكّة السنوات السّبع»، وقد قامت ببطولة كل منهما الممثلة مارلين مونرو. ومن ناحية أخرى، بعيداً عن الكوميديا، ساهم وايلدر في تأسيس «الفيلم نوار»، وهي أفلام تميزت أسلوباً وموضوعاً، وتركّزت على قصص التحقيق وجرائم القتل، من بينها «تأمين مزدوج». وقد تنوّع أسلوبياً، وكذلك موضوعاتياً، وكانت له أفلام سوداوية إضافة إلى تلك الكوميدية. قد تكون الخلفية التي أتى منها إلى الإخراج هي التي أتاحت له القدرة على هذا التنويع شكلاً ومضموناً في الأفلام التي أخرجها وساهم في كتابة السيناريو لها، وهي خلفية كتابية، إذ كان كاتب سيناريو لأفلام آخرين، قبل أن يخرج أفلامه الخاصة وينتجها إضافة إلى كتابتها. وقد يكون هذا الغنى الإبداعي هو ما جعله أحد المؤثرين بمخرجي «الموجة الجديدة» في السينما الفرنسية، الذين أتوا، بمعظمهم، إلى الإخراج من الكتابة النقدية.
تأثر وايلدر بالمخرج الأمريكي من أصل ألماني إرنست لوبيتش، في الكوميديا والسخرية، وقد عُرف كل منهما بكوميديا داخل الكوميديا، أو بموقف مضحك يقطع موقفاً مضحكاً آخر، وهذه بحاجة لذكاء في كتابة السيناريو قبل الإخراج. أفلامه الأربعة الأشهر، المتفاوتة في مواضيعها وأنواعها هي:

«البعض يحبه ساخناً» 1929
في فيلم رومانتيك كوميدي، يتنكر رجلان من فرقة موسيقية بملابس نسائية للإفلات من عصابة مافيا ارتكبت جريمة وكان الرجلان، بالصدفة، شاهدين عليها. الفيلم حاضر في معظم اللوائح لأفضل الأفلام في التاريخ منها لائحة مجلة «سايت آند ساوند» الإنكليزية، ونال المركز الأول في لائحة «بي بي سي» لأفضل 100 فيلم كوميدي في التاريخ.
«تأمين مزدوج» 1944
فيلم تحقيق وجريمة، فيه موظف تأمين، وزوجة تنظر يوماً يموت فيه زوجها، ومحقق مهمته التحقيق في الادعاءات الكاذبة. الفيلم تأسيسي في ما بدأ يُعرف وقتها بـ«الفيلم نوار»، فمن ناحية لدينا الامرأة المغرية التي تقف على حافة ثراء وذلك بالتزوير والتحايل على شركة تأمين، والمحقق الذي يخرج من حل لعقدة ليدخل في أخرى إلى أن يجمع الحلول ويصل لنتيجة.
«شارع سَنْسِت» 1950
بعيداً عن الكوميديا، يحكي الفيلم قصة كاتب سيناريو فاشل، يلتقي صدفة بممثلة أفلام صامتة لم تعد صالحة للتمثيل بعد غزو الكلام إلى السينما، هي ممثلة تعيش في عالمها الخاص الذي قضت عليه السينما المتكلمة، وتحلم دائماً بالعودة إلى الشاشة. يقيمان علاقة لا يرغب هو فيها، إنّما يفرضه عليها بؤسه وفقره. ينتهي الفيلم بمأساة بدأت به، فأسلوب السرد ليس تصاعدياً. في الفيلم إحالات عديدة إلى حال السينما الصامتة التي انقطعت عن الشاشات وما عاد المنتجون ينظرون إليها مع دخول الكلام إلى الأفلام.
«الشقة» 1960
موظف تأمين يستخدم شقّته لتحسين وضعه الوظيفي، بمنحها لموظفين أعلى منه لساعات كي يمضوا فيها وقتاً خاصاً وحميمياً مع عشيقاتهم. يتعلّق الموظف بإحداهن، وهي تقيم علاقة مع رئيسه في العمل. رومانتيك كوميدي تدور خلالها الأحداث بمفارقات وتطورات لم يكن يتوقعها الموظف.
هذه هي أجواء أفلام وايلدر، ومعظمها مصوّر بالأبيض والأسود، والكوميديا حاضرة وإن بشكل غير مباشر حتى في أفلام التحقيق والجريمة. لكن ما لا يمكن تخطيه في هذه العجالة عن أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما الأمريكية هو أسلوب السرد في فيلمه «شارع سَنْسِت» وهو برأينا أفضلها- ففيه يسرد بصوت من خلف الشاشة (فويس أوفر) قصة حياة كاتب السيناريو الفاشل، ويسردها من نهايتها، من مشهد لجثته ملقية في مسبح بيت ليس بيته، ويعود بنا السارد إلى القصة من أولها، إذ تقفز الكاميرا زمانياً، لأشهر، إلى اللحظة التي يحاول فيها «البطل» كتابة سيناريو بعد رفض ما كتبه مسبقاً من قبل شركات الإنتاج، وتتطور الأحداث ويتنقل السرد لها بين السارد خلف الشاشة والأحداث الواقعية. فالتنويع هنا كان في الزمن كما كان في الراوي. وقضيتان رئيسيتان في تاريخ السينما طُرحتا فيها: الانتقال من السينما الصامتة إلى المتكلمة، الشقاء الذي يعيشه كتّاب السيناريو وتحكّم شركات الإنتاج بكتاباتهم.
٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا