يعد الروائي الأردني مؤنس الرزاز من أبرز الروائيين العرب الذين تمكنوا من خلق رواية عربية متقدمة تقنياً، أو ذات طابع مغاير، وبوجه خاص من حيث نزعتها التجريبية ما جعلها متفردة على مستوى الرؤية والتشكيل، كما أن مؤنس الرزاز يعدّ من الأدباء المهمومين بالواقع العربي، ولا أدل على ذلك من رواياته التي رصدت صيغ التحولات التي شهدها الوطن العربي، ولاسيما على مستوى انكسار الأحلام، وهيمنة عصر الانحطاط، وسلسلة الهزائم التي منيت بها.
في رواية «متاهة الأعراب»، يتذبذب القارئ بين مستويين، مستوى العمل الروائي، ومستوى الوعي بالنص، ففي مستوى العمل الروائي يأتي السرد التي يضمنه مؤنس الرزاز في هذه الرواية ليشوش على القارئ في الوقوف على من يتكلم فيها، هل هو مؤنس الرزاز أم حسنين؟ ولكن حسنين في داخل العمل شخصية أصابتها التعرية إذ يقول: «كيف انفلت هذا «العالم ـ العمل» الجديد وأبطاله من بين أصابعي؟ لا أدري»، وفي مستوى الوعي بالعمل، فإن هذه الشخصية كباقي شخصيات العمل، تتحرك في وعي القارئ، كي يتم إنتاجها من جديد، إنها لا تكتفي بالتشكيل الروائي الذي يضعها في حدود التشخيص، بل تخرج من بين الورق إلى فضاء القارئ، إنه تشويش يقصد به نسف كيانات ثابتة ميزت الشخصية التقليدية، وتأتي خاتمة الرواية شاهدا على هذا التشويش، إذ يضع فيها فتيلا (مفجرا) للأزمة التي اصطنعتها الرواية حين يقول: «كنت مزورا وقناعا يلعب دورا، ولا يلتزم بالنص، أنا حسنين الحكيم، آدم، حسن الأول، حسن الثاني، ذياب. ممثل واحد والأدوار ألف».
اللجوء إلى نسف واقعية العمل والشخوص، وهدم الحدود الفاصلة بين عالم الرواية المتخيل وعالم الواقع والتداخل ما بينهما، ما هو إلا إحالة إلى الشك في كينونة الواقع، فهل نحن ضمن هذا الواقع أم نحن خارجه؟
إن اللجوء إلى نسف واقعية العمل والشخوص، وهدم الحدود الفاصلة بين عالم الرواية المتخيل وعالم الواقع والتداخل ما بينهما، ما هو إلا إحالة إلى الشك في كينونة الواقع، فهل نحن ضمن هذا الواقع أم نحن خارجه؟ هذا ما تريده تأكيده رواية أخرى بعنوان «مذكرات ديناصور» حيث تحمل الصفحة الأولى شكلا من أشكال هدم الحدود بين العمل الأدبي والقارئ: «قر قرار الذين ساهموا في كتابة هذا العمل (من زهرة مرورا بمؤنس الرزاز انتهاء بعبد الله الديناصور إضافة للأطياف والأشباح والإيماءات الغامضة). ألا أكتب مقدمة لهذا العمل». تستمر الشخصية في التحلل والتلاشي إلى أن تصل إلى ذروته عبر تحويلها إلى صيغ مجردة خالية من أي دلالة، سوى ضآلة قيمتها يعبر عنها بالحرف والرقم، ومن ذلك رواية «فاصلة في آخر السطر» حيث يحول شخصياته إلى كائنات تفتقر إلى أي بعد. إنها عبارة عن كائنات عالقة في مواقف لا يهم الاسم فيها؛ لأن لا أحد يهتم من تكون. إن هذا النمط من الشخصيات يقترب من التشيؤ، ونمط الرواية الجديدة، فشخصية ميم الروائي في رواية «سلطان النوم وزرقاء اليمامة»، و«سين وصاد»، والرجل الأول، والثاني، والأسير الأول، والثاني، انعكاس لبنية المجتمع الذي لم يعد الشخص فيه يعير اهتماما لمن يقف إلى جانبه، وربما كان هذا النهج تصديقاً لمقولة ألن روب غرييه بخصوص التشخيص، إذ يقول غرييه: «لماذا الإلحاح على اكتشاف اسم رجل في رواية حينما لا يخبرنا هو نفسه؟ إننا نلتقي في كل يوم بأناس لا نعرف أسماءهم». فالاسم لم يعد يشكل القيمة الأهم لأن الهزيمة أصابت بنية مجتمع ومنظومة فكرية كاملة، فكان الإهداء والاستهلال الذي اختزل فيه مؤنس الرزاز وضعا عربيا كاملا في رواية «فاصلة في آخر السطر». «إلى انقلاب 14 رمضان، حرب حزيران، بيروت 1975، بيروت 1982، حرب الخليج الأولى والثانية، مدريد، حرب اليمن، عمان الباحثة عن ملامحها، حلقات العنف المفرغة، الدماء التي سالت هدرا، ضحايا سقطوا عبثا، مفردات لغة التواصل المبتور. إلى كل الأزمنة والأمكنة الحميمة التي ضربتها زلازل الخلط والالتباس وضياع اليقين وتلاشي المسلمات والفوضى الرعناء وغياب المعنى، إلى يقيني الوحيد!».
إن هذا الاستهلال لا يجعل المتلقي يحار أمام شخصيات الرواية، فهذا الواقع السياسي يستدعي شخصيات لا يتم النظر لها إلا من بعد واحد، إنها تعكس فراغها وعدميتها وضآلتها وعبثيتها، إنها تثرثر، ولا تعرف عما تثرثر. إنها انعكاس طبيعي لواقع مأزوم مفلس، كما أنها محملة بإدانة ذاتها عبر إفراغها من الأيدولوجيا، ولنأخذ هذا الحوار نموذجا:
«سين: أنت مش فاهم قصدي… يعني… أنا بقصد مش عارف شو ومش عارف إيش فاهم عليّ؟
صاد: لا يعني أنت اللي مش فاهم عليّ. شايف شو».
يلاحظ كذلك هذا الهدم لواقعية الشخصيات والتأكيد على أنها كائنات ورقية، أو هي نتاج تدخلات الكاتب كما في رواية «فاصلة في آخر السطر».
ويلاحظ كذلك هذا الهدم لواقعية الشخصيات والتأكيد على أنها كائنات ورقية، أو هي نتاج تدخلات الكاتب كما في رواية «فاصلة في آخر السطر». ففي الاستهلالات التي تصدر بها كل لوحة من اللوحات التي شكلت متن الرواية، يصطنع فيها المؤلف موقع الشارح والمقدم للمشهد، ففي لوحة بعنوان «تواصل» يضع مؤنس الرزاز هذا الاستهلال في بدايتها قائلا: «يفترض خيال الكاتب أن «سوزان» التي تجهل الفصحى تماما، أحبت عبد الله الذي يجهل العامية تماما. بعد أن سمعت من اختها ماري عن مواهبه وشخصيته. ويفترض خيال الكاتب أن الحوار بين سوزان وعبد الله لا يمكن أن يتم إلا عبر المترجم الذي يتقن (اللغتين)، وإن حرص المترجم على نجاح مشروع العلاقة بين شخصيتي «سوزان» و«عبد الله» يدفعه إلى الترجمة بتصرف»، وعلى ما يبدو أن مؤنس الرزاز مسكون بهاجس الانهيار بين الواقع والأحلام؛ ولذا فإن أعماله تشهد هذا الانهيار القائم على صيغة تحقيق الانتهاك بين الواقع والمتخيل، فنصوصه مبنية على نقض يقينية السرد، فرواياته دائمة التشكيك كما في «سلطان النوم وزرقاء اليمامة» إذ يقدم العمل ضمن مرويات داخل الرواية، وكل مروية معرضة للتشكيك، أو إعادة التقديم بصورة أخرى، كل ذلك ضمن عملية نقض للمرويات، كما هدمها، حيث يقوم بذلك رواة متعددون، ربما يتناقضون في ما يرون حول هذا العالم العجيب عالم الضاد.
وتستمر «ثيمة» الانشطار والتشظي حاضرة في روايات مؤنس تعبيرا عن تهشم الذات، إذ تبرز شخصية حسنين في رواية مؤنس الرزاز «متاهة الأعراب» كونها الشخصية الأكثر جدلية في هذا المدار، فهي شخصية منشطرة إلى نصفين، ومن ثم تنشطر هذه الشخصية إلى ذوات عديدة، إنها تكون الذات وانهيار الذات في آن واحد، ولعل هذه الفقرة تختزل شخصية حسنين: «أنا حكيم الحسنين، وأنا آدم الحسنين، وحسنين آدم الحسنين، أركض و«ذياب» يلاحقني منذ ما قبل الزراعة والكتابة وتقسيم العمل أكر فيفر، أبسط يدي لأقتله فيتشظى إلى ألف ذيب وذيب، يتدفقون نبضا وإيقاعا في عروق الزمن من «قابيل» حتى بيوتنشيه».
هكذا يقدم الرزاز شخصيته ضمن مساحة زمنية ممتدة تختزل حكاية الذات والبحث عنها، حسنين حكاية الواحد وحكاية الكل، وربما هذا ما جعل الرزاز يعتمد مقولة كارل يونغ، كاستهلال للجزء الأول» من الرواية حيث جاء: «إن وجود اللاشعور والشعور في الفرد الواحد، يعني أن هذا الواحد هو في حقيقة الأمر منفصم إلى اثنين » على أن انفصام شخصية حسنين يدخل المتلقي في التردد بين المعقول واللامعقول، فعندما يستيقظ حسنين في بيته من الموت الافتراضي، لينبثق بعد ذلك حسن الثاني، ليخبر حسن الأول حكايته مع ذياب، بتقنية سرد تشابه تقنية ألف ليلة وليلة، وهنا يبدو تردد القارئ في مواجهة ما يقرأ دليلا على الصيغ الواضحة لمفهوم الشخصية العجائبية. وإذا كان حسنين قد وقع ضحية التمزق بين نموذجي الواقع والمثال.
يمكن النظر إلى الشخصية المضادة التي يصطنعها مؤنس على أنها شكل من أشكال الانتهاك الذي تعرضت له الشخصية الروائية، بالاعتماد على محاولة إفقادها لمفهومها التقليدي في الأعمال الروائية ذات الصبغة الواقعية.
يمكن النظر إلى الشخصية المضادة التي يصطنعها مؤنس على أنها شكل من أشكال الانتهاك الذي تعرضت له الشخصية الروائية، بالاعتماد على محاولة إفقادها لمفهومها التقليدي في الأعمال الروائية ذات الصبغة الواقعية، فهي تبحث عن الجديد من خلال تسليط الضوء على القديم، وبيان هزاله وتفاهته وعقمه، وهي لون من ألوان معارضة الأساليب الروائية الشائعة كما يقول لطيف زيتوني. ويقارب هذا مفهوم السرد المضاد الذي يهدف إلى تبديد وهم القارئ باعتبار القصة صورة واقعية، ومن ثم إعادة الإنتاج لهذا الواقع، وينطلق مفهوم الشخصية المضادة أو كما أطلق عليها «ماكس ف. شولتز» (شخصيات ضد التشخيص)، وهذا من خلال النزوع إلى الرفض التاريخي، وهيمنة الشك الذي حول العالم إلى متاهة بلا مخرج، أو كما يقول «صندوق داخل صندوق». إن المسافة التي يتم النظر فيها إلى الشخصية، يدفعها إلى أن تكون عرضة للبحث، من خلال التحرك الدائم لزوايا الرؤية المصاحبة لها، لذلك فهي عرضة للاختراق وربما النقض.
إن الشخصية المضادة تعني شخصيات لا تتجاوز حدود اللغة، من خلال مؤشرات تتجه إلى جعلها شخصية لسانية، وهذا التأشير واقع في متن العمل الروائي، من خلال تدخل الكاتب في الرواية والإشارة إلى أن هذه الشخصيات ليست كائنات من لحم ودم، وإنما هي مجموعة من الكلمات والحروف، تحقق وظيفة واحدة هي كسر إيهام واقعية العـــــمل، من خـــــلال التدخل السافر كما يسميه سعيد علوش في كتابه «عنف المتخيل» حيث يتخذ التدخل أشكالا كثيرة، منها تدخل الروائي عن طريق الاستطرادات، كالتفسير والتعليق المنفصل عن وحدات العمل السردي، بالإضافة إلى التشويش الذي يتعمده الكاتب، ما يجعل الشخصيات تدخل إلى وعي القارئ لا على أنها نماذج إنسانية، إنما على أنها كيانات مصطنعة ذات مدلول وظيفي، ويوجد هذا الشكل من الشخصيات في عدد من الأعمال الروائية الخاصة بمؤنس الرزاز.
يمكن القول بأن مؤنــــس الرزاز يضع في روايــــته عددا من العوالم تتداخل في ما بينها، فالمتلقي يقف إزاء عالم الرواية المتخـــــيل، وفي داخل الرواية عالم بديل لهذا العالم المتخيل، فالتشويش ينتج من خلال الشعور بأن الشخصيات داخل عمل روائي متخيل منبت الصلة بالواقع، ومن ثم إشارة بأن هذه الشخصيات ما هي إلا كائنات هناك من يحــــركها، وبالتالي فهــــي مصطنعة من خلال تدخلات الكاتب، كما يفعــــل مؤنس الرزاز، حين يضع مسودة للعمل أسماها «العالم البديل» يعرض فيها لتعدد الروايات حول آدم الحسنين في متن الرواية، وهكذا نلاحظ أن العوالم السردية تتسم بعلاقة جدلية مع الواقع، فهي تقاربه، وتنفيه، وربما تختلط فيه، وهذا يحاكي خلق بنية أقرب إلى صيغة الرواية الجديدة، أو الكتابة السردية التي تنتج بفعل انهدام الحدود بين الواقع والمتخيل.
٭ كاتب أردني فلسطيني