«رسائل الكرز» للفلسطينية بشرى أبو شرار: مراث تحاول استعادة الوطن المفقود

حجم الخط
0

■ «رسائل الكرز» للكاتبة الفلسطينية بشرى أبو شرار هي الجزء الثاني من ثلاثية بدأت بـ»تاج الياسمين.. أغنية كنعانية»، وستليهما «قارورة عطر»، والرابط بينها تلك الروح المقاومة للظلم والتشريد والاغتراب، التي يعيشها أبناء المنافي في فلسطين وسوريا والعراق واليمن. تحاول من خلال هذه الرواية أن تستعيد الزمن المفقود على أرصفة الغربة، وأن توثق تلك الذكريات التي ذهبت بلا عودة، والأصدقاء الذين استشهدوا في سوريا، حتى الأطفال الأبرياء الذين استشهدوا بدون ذنب. تستعيد صورهم وسيرهم في ما يشبه المراثي الحزينة بألحانها الجنائزية، التي تعلو وتيرة شحنها كلما اقترب اللحن من النهاية المفجعة. إنه حرص الكاتبة على توثيق تلك الحكايات التي دفع أصحابها حيواتهم ثمنًا لبقاء الوطن. فكما قال غيث صالح أحد هؤلاء الأبطال: «هذي بلادي، وكل ما صار يهون لأجلها».

الوطن والأجيال الجديدة

هذه النماذج التي قدمتها الرواية لهؤلاء الأبطال ترسخ مفهوم الوطن لدى الأجيال الجديدة، وترسم الصورة المثلى لهؤلاء الذين قدموا أرواحهم فدية لهذا الوطن، من أجل مستقبل آمن لهذه الأجيال «المنافي خلقت لنا، نحمل صليب الغفران لغيرنا، نحمل عنهم بلاء الحياة، النفي حياة في عمقها روح النور وروح ألم حنون». هذا التوثيق التاريخي لمأساة سوريا خاصة، ومآسي الوطن العربي بشكل عام، تطرحه الكاتبة في شكل رسائل تشبه المراثي، على ما آلت إليه الأوضاع عقب ما سمي بالربيع العربي، وصراعات الساسة على السلطة، التي كانت السبب الرئيس لضياع الدول العربية، وتشتت أبنائها في المنافي، كما يحدث في فلسطين والعراق وسوريا وليبيا وغيرها، وترسم آثار هذا الاستبداد الذي يمارسه هؤلاء الساسة على شعوبهم المقهورة، من أجل الاحتفاظ بالسلطة، إلى جانب أطماع الدول الكبرى في ثروات هذه الشعوب، واستنزافها تحت مظلة التدخل لحمايتها.

تزدحم الرواية بعدد هائل من الشخصيات المأزومة، التي تصارع الموت كل دقيقة، راصدة تفاصيل كل شخصية، لتصوير هذا الواقع المضطرب في ظل آلة الحرب الوحشية، وامتداد آثار تلك الحرب سياسيًا واجتماعيًا.

التوثيق والخيال

ولا يعني مفهوم الرواية التوثيقية غياب التخييل التاريخي عن لغتها التي اختارتها الكاتبة، فالخيال أحد أهم أعمدة صياغة الحدث السردي، بدون تزييف للحقائق، ومن هنا فقد استطاعت المؤلفة عبر رسائلها الموجعة أن تمزج الواقعي بالمتخيل، عبر خطاب لغوي أقرب ما يكون إلى روح الشعر، وعبر جدلية الأمس واليوم، بدون الوقوع في فخاخ الكذب التاريخي، فهي تدرك جيدًا من أين يبدأ الحدث وإلى أين ينتهي وكيف يوثق في متن سردي يحمل فنيات السرد وحقائق التاريخ معًا. كما أن النسق الملحمي الذي صيغت عليه الرواية نسق مغاير وصعب، بحكم تشابك الأحداث في العمل، وتعدد الشخصيات، ولكن يبقى التاريخ هو المرجعية الأساس في هذا النسق، بما يحمله من زخم معرفي، وخيال مؤطر بإطار هذا التاريخ، ووعي المرحلة التي يتناولها العمل، وفنية كتابة هذا الحدث، أي أنه ليس مجرد استلهام لكتابة التاريخ في قالب روائي وحسب «هل غابت «وردة» تقتفي أثر»زنوبيا» التي تقف وحيدة في وجه العاصفة ..» تدمر» مدينة النخل الساكنة من قديم الزمان في المخطوطات البابلية، قيل عنها مملكة «ماري»، «تدمر» تحمل دلالة المقاومة، والبلد الذي لا يقهر، آرامية، سورية، من الآرامية كتبت «تدمرنا» وهي المعجزة، ما الذي تبقى لوردة من أثر الوردة؟

أشباح الموت

تنتقل الكاتبة بالقارئ من سوريا إلى فلسطين إلى بغداد إلى صنعاء، راصدة تلك الصراعات الدائرة هناك، وتلك النزاعات التي تنميها الطائفية وتذكي أوارها العرقية الدينية، والأطماع السياسية، التي يروح ضحيتها كل يوم آلاف الشباب والأطفال الذين هم مستقبل هذا الوطن، وترسم عبر رحلتها الروائية صورة قاتمة للخراب الذي حل بتلك البلاد التي يموت أبناؤها بشكل مجاني، ويسيطر الخوف على الجميع، وما لهذا الخوف من تأثير سلبي على أبناء تلك الشعوب، وما يخلفه في نفوسهم من أمراض وعقد نفسية، وارتباكات عصبية يصعب شفاؤها «في اليمن أطلت أشباح الموت، لونت السماء بلون البارود، تقذف بكرات اللهب، في كل موطئ لقدم، وفي كل مطارح شهدت براعم طفولة وليدة، أطفال تلونت أجسادهم بغبار الردم ورماد البارود، انداحت جلودهم إلى رماد».

شخصيات مأزومة

تزدحم الرواية بعدد هائل من الشخصيات المأزومة، التي تصارع الموت كل دقيقة، راصدة تفاصيل كل شخصية، لتصوير هذا الواقع المضطرب في ظل آلة الحرب الوحشية، وامتداد آثار تلك الحرب سياسيًا واجتماعيًا، واعتنت بشكل خاص برسم صورة المثقف المأزوم إزاء هذه الأوضاع المأساوية التي تمر بها بلاده، وهذا التناقض العجيب بين ما يقوله الساسة وما يجري على أرض الواقع، وإحساس هذا المثقف بخيبة أمل كبرى، في هؤلاء الساسة الذين يتاجرون بدماء شعوبهم، وقدرة هذا المثقف على استشراف عمق الأزمة، فكما كتب ناصر قنديل «في حضرة الشهداء نكتب تاريخ الأمم، وتنتصر الحضارة على التجارة، تنتصر الأخلاق على النفاق، ينتصر الدم على السيف، والعزم على الحزم، ويفهم الفرق كل الفرق البلهاء».
«رسائل الكرز» صرخة مدوية في وجه باعة الأوطان وتجار الشعوب، الذين يجثمون على صدور شعوبهم بكل صلف وجبروت من أجل البقاء في السلطة، حتى لو كان ثمن بقائهم قتل الآلاف من خيرة شباب الوطن وأطفاله، هي نداء في الوقت ذاته أن تمسكوا بأوطانكم ودافعوا عن وجودكم، فالوطن غال حتى إن قسى علينا أحيانا.

٭ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية