جورج زريق، السائق المأجور الذي يحصل على رزقه بصعوبة، أحرق نفسه الأسبوع الماضي في ساحة المدرسة التي درست فيها ابنته، وأثار عاصفة وطنية. زريق الذي لم يكن يستطيع دفع رسوم الدراسة في المدرسة الخاصة، كل ما طلبه هو الحصول من إدارة المدرسة على شهادة ابنته الدراسية كي يستطيع تسجيلها في مدرسة حكومية. قالت له الإدارة إنه لا يستطيع الحصول على الشهادة قبل دفع الدين للمدرسة. انفجر مرة واحدة ذلك الغضب الذي تراكم فيه خلال الأشهر الطويلة التي اضطر فيها في البداية لنقل ابنه من مدرسته، وبعد ذلك أدرك أيضاً أن ابنته لا يمكنها استكمال دراستها في هذه المؤسسة الفاخرة، لقد شعر بأنه عالق في دائرة شيطانية وقرر الانتحار.
قصة زريق تحولت لتصبح العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام اللبنانية التي اتهمت الحكومة الجديدة التي تم تعيينها قبل عشرة أيام من ذلك، بعد فترة حمل طويلة ومؤلمة استمرت تسعة أشهر. «هل سيحدث انتحار زريق ثورة ربيع عربي في لبنان؟»، سأل عنوان في صحيفة «النهار»؛ «قتلة جورج تم إخراجهم من الجنازة»، كتب الكاتب والموسيقار المعروف زياد الرحباني، ابن المطربة فيروز. «جورج شهيد»، كتب شخص ما في «تويتر». ومعلمو المدرسة قرروا الاعتصام أمام وزارة التعليم إلى أن تتخذ خطوات من أجل منع تكرار أحداث مشابهة.
لقضية زريق كما يبدو كل العناصر التي تسببت بالاحتجاج الذي أشعل ثورة الربيع العربي في تونس قبل تسع سنوات، لكن مشكوك فيه أن تثمر نتائج مشابهة في لبنان. لأنه ليس مثلما في تونس 2010، التي تم فيها إغلاق كل آفاق الاحتجاج الإعلامي بواسطة أوامر ووحدات إشراف وحشية، لبنان دولة مفتوحة، والإعلام فيها خاص ـ جزء تسيطر عليه أحزاب وحركات، وجزء آخر هو بملكية رجال أعمال خاصين، مقربين من الشخصيات العامة والزعماء السياسيين ـ لكن الشبكات الاجتماعية هي ميدان واسع ومفتوح، تستطيع تذويب كل ما يمكن أن يتطور إلى مظاهرات عنيفة وتحويله إلى كتابة احتجاجية فقط.
ليس السبب أن مظاهرات كهذه لا توجد في لبنان في السنوات العشرة الأخيرة، منذ انتهاء الحرب الأهلية، الأكثر بل ثمة وحشية وتهديد جرت في 2005 بعد قتل رئيس الحكومة رفيق الحريري، وكذلك مظاهرات الاحتجاج على عدم جمع القمامة الذي هدد بضعضعة التوازن الهش الذي منع تدهور لبنان إلى حرب متاريس، لكن لبنان نجح في الصمود بدرجة ما، ربما بفضل الصدمة العميقة التي خلفتها الحرب الأهلية التي استمرت 15 سنة.
الجهود التي بذلت للحفاظ على سلامة السلاسل الحساسة التي تربط المجتمع اللبناني مع بعضه تم التعبير عنها أيضاً في الحقل السياسي، الذي بين الفينة والأخرى يضع الدولة أمام ما يظهر مثل فرقة إعدام سياسية. تشكيل الحكومة الجديدة مثلاً لم يكن بحاجة إلى كل هذه الإطالة الزمنية التي تسببت بأضرار اقتصادية كبيرة في أعقاب تجميد مشاريع وتعويق دخول مليارات الدولارات التي وعدت بها الدول المانحة للدولة. في نهاية نقاشات كثيرة ومنافسة ليّ الأذرع حصل لبنان على حكومة تسوية كانت متوقعة من البداية، التي حصل فيها حزب الله على وزارة الصحة التي لديها ميزانيات كثيرة. وبالأساس يسيطر على كتلة سياسية تمنحه حق الفيتو على القرارات الأساسية.
يبدو أن الخشية من التمزق الداخلي تغلبت على الخشية من تهديد الولايات المتحدة والسعودية اللتين ضغطتا على الحريري من أجل كبح قوة حزب الله السياسية، وبالتالي إيران. المفاجأة الكبيرة جاءت من الوزيرة الجديدة لشؤون التطوير الإداري مي شدياق، ممثلة حزب «القوى اللبنانية» المسيحي، التي أعلنت «لو أن حزب الله سعى إلى تحدي المجتمع الدولي لما كان عين وزير صحة يرتدي ربطة العنق ويصافح النساء». شهادة تأهيل كهذه بالذات من شدياق لم تهز حزبها فحسب، بل حتى من يؤيدون حزب الله واليسار كان من الصعب عليهم هضم بادرة حسن النية هذه. لأن شدياق من الصحافيات المعروفات والمؤهلات اللواتي عملن في لبنان، ونجت بصعوبة من محاولة اغتيال في 2005، السنة التي قتل فيها اثنان من زملائها الكبار، جبران تويني محرر صحيفة «النهار» وسمير قصير من صحيفة «النهار» أيضاً، كجزء من حملة الإبادة للمعارضين السياسيين الذين عملوا بتعليمات من سوريا.
شدياق فقدت في حينه يدها وساقها، لكنها نجحت في التعافي والعودة إلى السياسة. التوقع منها كان أن تقف على رأس معسكر الصقور ضد حزب الله، وبالتأكيد لا تداعب رأسها. ومثلما حدث مع رئيس لبنان ميشيل عون، الذي كان مقاتلاً عنيداً ضد الاحتلال السوري، وذهب إلى المنفى بسبب ذلك مدة 15 سنة، فقط من أجل العودة إليها كحليف لحزب الله، ومثلما وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي، الذي غير بين فترة وأخرى عباءة الدعم لسوريا بملابس القتال ضدها.. هكذا أيضاً شدياق تأتي الآن بقاموس سياسي جديد. لقد تلقت ضربة على رأسها من بيير أبو صعب، نائب محرر صحيفة «الأخبار» الذي اتهمها في مقال نشره بأنها مثقفة مترفة تحاول التقليل من شيطنة حزب الله. شدياق ذات القلم الحاد واللسان السليط اختارت أن ترد عليه خلافاً لعادتها، بلسان رسمي، فالأساس هو ألا تنقطع الخيوط التي تمسك بالحكومة.
تسفي برئيل
هآرتس 11/2/2019