نتناول موضوع وضع الدستور وما إذا كانت الجمعية التأسيسية التي أنيط بها وضع المسودة قد قامت بما يجب عمله لإخراج الدستور كما ينبغي له أن يخرج مرضياً لجميع المصرين أم لا؟ وهل أن مدى القبول والرضى عن المسودة يتوقف على طريقة تشكيل الجمعية ومدى التوافق فيها، ونوعية الأعضاء فيها؟ أم أن هناك عوامل أخرى تتحكم بالمخرجات ودرجة القبول والرضى؟ وتمهيداً لذلك ينبغي التوضيح بأن ثمة اختلافاً كبيراً بين مفهوم الجمعية ومفهوم اللجنة المناط بكلٍ منهما وضع مسودة للدستور. فالأولى أي الجمعية عادةً ما تكون منتخبة إما بشكلٍ مباشرٍ من الشعب أو غير مباشرٍ عبر نوابه،كما في الحالة المصرية.أما اللجنة فعادةً ما تكون مكلفة من جهةٍ عليا حاكمة. الملك أو رئاسة الجمهورية أو مجلس النواب.وبالرغم أنه وفي كلتا الحالتين يمكن أن يُمارس عليهما وسائل مختلفة من الترغيب والترهيب لوضع مواد تخدم توجهات هذا الطرف أو ذاك بعيداً عن توخي المصالح العامة. إلا أنه قطعاً أن دستوراً وُضعت مسودة مواده بواسطة جمعية منتخبة ستختلف اختلافاً جوهرياً عن دستورٍ وضعت مسودة مواده لجنة مكلفة من سلطا عليا. يرجع ذلك كما ذُكر إلى اختلاف سلطة التعيين في كلٍ منهما فالجمعية تستمد شرعيتها من الشعب ولا تستطيع أي سلطة حلها وتغييرها أو استبدال أعضاء بآخرين، إذا ما وُجد منهم من يرفض الوصاية وتحقيق رغبات الحاكم. أما اللجنة فتستمد شرعيتها من السلطة التي عينتها ولذلك فهي تعمل تحت ضغط الحل أو التبديل في أي لحظة إذا لم تراعِ رغبات السلطة التي عينتها.لذلك ولما هو أكثر من ذلك تعتبر مصدر الشرعية، شرعية من يضعون مسودات مواد الدستور المحدد الأول والأهم في إخراج دستور يرتضيه كافة أفراد الشعب، للوصول إلى حالة السلم الاجتماعي أولاً، ولتحقيق مصالحه البعيدة المدى ثانياً.وهناك أمر آخر يتحكم في مخرجات الدستور لا يقل أهمية عن مصدر شرعية من يضعون الدستور ومواده، وهو الأسس التي ستُبنى عليها مواد الدستور. وهذه الأسس بالإضافة إلى الجانب الفني المتعلق بطريقة كتابة الدستور عمَّا إذا كان عام أم تفصيلي يمكن حصرها في (هوية وثقافة وتاريخ الشعب، وشكل الدولة، والنظام السياسي، والحقوق والحريات السياسية والعامة).هذه الأسس تتحدث عن أمرين اثنين، الأول يمثل الثوابت الوطنية بشقيها أزلية الأرض والهوية. أزلية الأرض بسمائها وباطنها وبحرها وبرها وتعاقب الأجيال عليها وحقهم في الحفاظ عليها من قبل الجيل الحالي. و(الهوية) تخص كل فرد يعيش على أرض الوطن صغيره وكبيره فاجره وبره حاكماً كان أو محكوماً ولا يحق لأي فرد من أفراد الشعب أو مجموعة منهم سواءاً كانوا حكاماً أو محكومين أن يخفوها أو يتجاهلوها في الدستور وهم لا يستطيعون وإن حاولوا. الأمر الآخر الذي تتحدث عنه أسس أي دستور يتمثل في المحددات القانونية التي يجب أن يختارها الشعب ويرتضيها لنفسه. وهذه يجب لزاماً تحديدها والاتفاق عليها مسبقاً. وإذا ما تم الاتفاق على هذه الأسس فلن تكون هناك أي مشكلة أو خلاف في ما يتعلق بمتن المواد أو صياغتها لأنها بالضرورة لا يجب أن تتعارض أو تخالف أيٍ من الأسس المتفق عليها والمحددة سلفاً.ولأهمية الأمر نورد المثالين التاليين. إذا كان أحد هذه الأسس يتحدث عن أن الشعب يدين بالإسلام وثقافته ومرجعيته إسلامية،فهذا يُلزم ويُوجب على من يضعون مواد الدستور سواءاً كانوا جمعية منتخبة أو لجنة مكلفة عدم وضع أي مادة تخالف هذه الثقافة والمرجعية، فضلاً عن حرمة وضعها شرعاً. وبالمثل إذا كان أحد هذه الأسس يتحدث عن أن المجتمع مجتمعٌ ديمقراطيٌ يقوم على مبدئي الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة فبناء على هذا الأساس يجب عدم وضع أي مادة تُخرج هذا المفهوم من محتواه،بل ويحرم قانوناً وضع أي مادة تتناقض معه بأي شكلٍ أو صيغة.إن عملية وضع الدستور يجب أن تمر بعدة مراحل وتأخذ وقتها الكافي لذا يُقال أنها صناعة ومن الأفضل أن يأتي أعضاء الجمعية التأسيسية مختارين من الشعب مباشرةً وممثلين عنه لهذا الغرض بعينه وتنتهي مهمتهم بذلك.والهدف من هذه التعقيدات والاجراءات الكثيرة لوضع الدستور هو الوصول إلى دستورٍ دائمٍ وثابتٍ للمجتمع بغرض تحقيق السلم الاجتماعي وهو أهم ما يجب أن يحققه أي دستور.والسلم الاجتماعي لن يتحقق إلا بتطور المجتمع وقبله الرقي بسلوك الفرد وهذه مهمة الحكومات وهي لن تتمكن من ذلك إلا من خلال الاستقرار السياسي . ومن المؤكد أن الاستقرار السياسي لن يتحقق إلا من خلال دستور دائم وثابت. ومن هنا تأتي أهمية الدساتير الدائمة والثابتة.وبعد ما سبق أظن أني لست بحاجة إلى توصيف أو نقد ما حدث في مصرنا العظيمة لنستقي منه الدروس والعبر المجانية لنتجاوز بها أخطائهم ونبدأ من حيث ما انتهوا. فقراءة ما بين السطور السابقة يُغني عن ذلك. أنور السبيت – اليمنqmn