عام 2012: ألا لا أعادك الله على سورية

حجم الخط
0

د. نور الله السيّد هو العام الثاني للانتفاضة السورية، امتلأ دماً بما لم تعرفه سورية ربما منذ غزو تيمورلنك للمنطقة في مطلع القرن الخامس عشر، ولم تعرف مثيلاً في قسوته جوعاً وبرداً وخوفاً إلا سفر برلك عندما أجبر أبناء بلاد الشام على القتال إلى جانب الأتراك. عرفت سورية أوقاتاً صعبة، ولكنها لم تؤد إلى نزوح الملايين عن ديارهم وبحثهم عن مكان آمن للعيش حتى لو كان العراء، وإلى لجوء مئات الآلاف إلى الدول المجاورة، وتدمير مئات الألوف من البيوت والأرزاق، وقتل عشرات الألوف من أبنائهم، هذا غير المساجين والمفقودين.وفي كل المصائب السابقة فقد كان خلفها قوة غاشمة خارجية، أما ما حدث في العام المنصرم فقد كان على يد الدولة وجيشها العقائدي، اللذين تحولا إلى عصابة وجيش احتلال ‘حقائدي’ ولا مبالغة في ذلك ويكفي مقارنة معاملة إسرائيل وجيشها للفلسطينيين مع معاملة النظام السوري وجيشه للشعب السوري.عانى السوريون في العام المنصرم من القصف المدفعي والصاروخي وقصف الطيران، واستعمل ضدهم القنابل العنقودية والانفراغية والفسفورية وغازات سامة لا تزال مجهولة. وقُصفت قراهم بالبراميل المتفجرة التي ألقيت كيفما اتفق وكان آخر استخدام لها في اليوم الأخير من عام 2012 عندما ألقيت على المستشفى الوطني في بلدة إعزاز وهو ما لم تفعله قوات احتلال أي بلد، عمداً على الأقل. وعرف السوريون الموت أمام الأفران بالقصف الجوي ليغمسوا خبزهم بدمهم. زاد وسطي القتلى عن المائة يومياً في العام 2012، وعرف السوريون عشرات المذابح أولها شهرة مذبحة الحولة وكان نصف ضحاياها الذين زادوا عن المائة من الأطفال والنساء، وآخرها مذبحة دير بعلبة راح ضحيتها حوالي 300 مواطن قضى بعضهم ذبحاً بالسكاكين.وعانى السوريون في هذا العام من الدجل العالمي بكل مستوياته، من منظماته الدولية إلى الدول الصديقة وغير الصديقة. عالم يشاهد ما يحدث بصمت لئيم تاركاً السوريين يقتلون بمفردهم. بادرت الجامعة العربية بحل أعرج وبعثت بمراقبين عرب كجزء من خطتها التي لم ينجم عنها سوى إعطاء المزيد من الوقت للنظام السوري وزيادة وسطي عدد القتلى اليومي، لتسلم بعدها المهمة للأمم المتحدة التي لم تنفك عن الإدانة وإعداد التقارير لكن دونما أي فعل واضح حتى على مستوى استصدار قرار إدانة من مجلس الأمن. أما التقارير ففيها من اللبس ما يُضيّع الحقائق وإن كانت تضع اللوم على النظام بأكثر من المعارضة ولكنها لم ترق لمستوى الإدانة التي تعقبها الملاحقة القانونية لأي ممن شاركوا في كل ما حدث من قتل وتدمير. أليس التعبير عن الرأي من حقوق الإنسان التي تسهر الأمم المتحدة على رعايته؟ ألم يقتل أزلام النظام السوري أكثر من ستة آلاف من المتظاهرين وبأمر من قيادة الدولة العليا؟ ألم تقطع الدولة المياه عن الناس في بلدات سورية كثيرة وهو ما يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون الدولي؟ أليس قتل الأطفال والنساء من الجرائم التي تعاقب عليها القوانين الدولية؟ أليس استخدام القنابل العنقودية والحارقة والغازات السامة ممنوع بالعرف الدولي وخاصة ضد المدنيين؟ سورية ليست ليبيا، فالغرب لم يدخلها ليأتي بمحكمته الدولية.بعثت الأمم المتحدة بموفدها الأول وبمراقبين ليتوقف كل شيء بعد ثلاثة أشهر ولتتحول خطة كوفي عنان إلى فرصة لكسب الوقت للنظام السوري، وليزداد أيضاً وسطي عدد القتلى مرة ثانية. جاء بعدها الأخضر الإبراهيمي ليقدم خطة غامضة بالأحرى وهي اتفاق جنيف ولكن من دون التعرض لمسألة بقاء الأسد في الحكم. نسي الإبراهيمي أن الأسد هو من اغتال كرامة السوريين الذين خرجوا يطالبون بها وبحريتهم، فكيف له أن يتوقع قبولهم ذلك؟ إنها الأمم المتحدة وحلولها العائمة، وفي غضون ذلك يكسب النظام المزيد من الوقت ويعطي لنفسه الحق بممارسة المزيد من العنف وهو ما يفعل منذ غادر الإبراهيمي دمشق.اليوم هو آخر أيام 2012 لم يتوقف القصف في دمشق مساءً وليلاً بأكثر ما فيه من العنف، فجيش النظام يحتفل برأس السنة.وليست الأمم المتحدة وحدها من يعيش سباتاً عميقاً عندما يتعلق الأمر بسورية، فدول الغرب وعلى رأسها أمريكا لم ينفكوا يبحثون عن العذر تلو العذر لينأوا بأنفسهم بالرغم من كل تبجحهم في الدفاع عن قيم الحرية والكــرامة التي لم يطالب الشعب السوري بغيرها. تعـــــلل البعض بانشغال أمريكا بانتخاباتها وها هي قد مضت وزاد الصمت الأمريكي صمتاً. كان الدعم الغربي في المجال الصوتي فقط دون أي فعل في أي اتجاه. كان آخر بلاغ صوتي عن الأسلحة الكيمائية السورية التي ستضطرهم للتدخل فيما إذا استخدمها النظام ضد السوريين. أي أنهم سيتدخلون بعد أن يُقتل السوريون بالسلاح الكيمائي! إنه الازدراء بعينه. وأصدقاء سورية هم في حالة انتظار، لم يقرروا بعد تزويد المعارضة المسلحة بالسلاح الذي له أن يحسم القتال، ولم يزودوا المعارضة السياسية إلا بيسير المال الذي يجعلها قادرة على الفعل على الأرض. وأصيبت المعارضتان بذلك بشلل نصفي.أما الدول الأخرى كروسيا وإيران فهي لم تتوقف عن تقديم العون والدعم للنظام السوري، وهما لم يعترفا حتى بانتفاضة الشعب السوري بل أكدتا مزاعم النظام بالمؤامرة. ولم ينفكا عن إرسال الرسائل المحبطة للشعب السوري ودعوته إلى الحل السياسي على طريقتهما، وهو حل تحت مظلة النظام يُذكّر بإصلاحاته الموعودة! لافروف يكرر منذ أكثر من أربعة أشهر بأن الأسد باق وبأن الحل ممكن ولو تعذر تنحي الأسد! أي إنه يقول إن عام 2013 سيكون أسوأ من عام 2012، كما يؤكد ذلك الإبراهيمي الذي يعد السوريين بالصوملة إن لم يقبلوا بنصف الحل الذي يعرضه. ويصمُّ الغرب أذنيه حتى لا يسمع شيئاً، ويتابع الشعب السوري عامه الجديد على وقع مدافع جيش النظام.بعد عامين لا يعرف السوريون كيف سينتهي بهم الحال، والخشية أن ينتهي بهم إلى الغولنة وليس الصوملة، أي المزيد من تغول النظام عليهم بقوته الهمجية! وليس أمامهم والحال هذه سوى السير حتى نهاية الشوط. وعندما يُسأل السوريون عن إمكانية قبولهم ببقاء الأسد في السلطة يجيب بعضهم بالتساؤل عن مصير الخازوق العثماني الذي بقي على ضفة بردى حتى أربعينيات القرن الماضي… فهل سيكون 2013 عام الخلاص؟ اللهم اجعله كذلك.’ استاذ جامعي سوريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية