ماجد عاطف التأبينالمصوّر يركّز عدسته على المنبر. يتقدم الناقد ويلقي كلمته المكتوبة عن الممثل الشهير الذي كانت الدراما تشكل لبّ حياته وكيف أنه أثّر في المسرح المحلي وساهم بنهضة استثنائية ويعدد مآثره وتلامذته. ثم يختم بحب الراحل الشديد للدراما حتى أنه لم يغادر الدنيا إلا بضربة مسرحية، قافزاً عن سطح الطابق العاشر. عندما تنتهي الكلمة يتنبّه الحاضرون الاثنا عشر فيصفقون له. المؤبن الثاني يعدّل الميكرفون ليتناسب مع قامته ويرتجل كلمات ودّية، ويتحدث عن تفاصيل صداقته غير المتكررة مع الراحل/ الحاضر الذي أحبّ كل الناس وأحبّوه؛ وليضفي على الجو نكهة خاصة يروي بعضاً من نوادره، فيمسح المصوّر الحاضرين بعدسته بحثاً عن لقطة متفاعلة، وبالكاد يجد شخصاً أو اثنين يصغيان لما يقال.ثم تتقدّم حبيبة الراحل شبه الرسمية وتتحدث بخجل وحماس وحركات يد متطوحة عن حساسيته المفرطة في تعامله وإنسانيته اللا متناهية وكيف أنه يراعي مشاعر الآخرين واحتياجاتهم.. ولأن المصوّر بحاجة إلى مشاهد متنوّعة يلوّن بها عيون المشاهدين يبحث عن ردات فعل ويسلّط الكاميرا على امرأةٍ غريبةٍ محتارةٍ لم تجد حرجاً في النهوض عن مقعدها ومقاطعة المتكلمة للاستفسار منها بصوتٍ مستغربٍ عن سبب الانتحار.. فيتنبّه الجميع ويرد أكثر من شخص في آن، كأنهم يدفعون تهمة عن أنفسهم، بأن أحداً لا يعرف. عندئذ يتمتم المصوّر لنفسه، مطفئاً الكاميرا، مستاءً من التفاهات التي يضطر للتعامل معها:ـ لو كان للمنتحر قضية حقاً.. أو حبيبة.. أو صديق حقيقي واحد، لما انتحر!مليحةمليحة منذ عامها السادس عشر ذاتُ حسن ودلال. عدا قوامها الذي يشبه قوام مهرة، لها عفوية الأطفال وجاذبيتهم تأسر بهما النفوس، فتعرّفت على ـ وتركت- الكثيرين، الذين سرعان ما تأزّمت حياتهم وتحوّلت إلى حطامٍ عصيٍّ على الإصلاح، يدور في فلكها، يتذكّر ويتذكّر ولا ينسى.. عندما استقرّت في عامها الثلاثين على شخصٍ ناسب طموحها وأرادت أن تبني مستقبلها معه؛ قدّر الله لها، بعد ستة شهورٍ من الزواج، أن تموت بسرطان الدم.لعل موتها كان الطريقة الوحيدة لينساها الذين أسرتهم ويستأنفوا حياتهم.الغرفة الفقيرةالغرفة اليتيمة الضيقة، المخنوقة بقاطنيها السبعة، العارية تقريباً من كل شيء إلا من أفرشةٍ مهترئةٍ ممدودةٍ على الأرض ومتاعٍ خشبيٍ متخلخلٍ منتصبٍ في الزاوية؛ الغرفة المزدحمة هذه، في الليلة الشتائية القارسة، دافئة بأنفاس النائمين فيها.المتزوّجكلما مرّ على صالة أفراح أمامها جمعٌ يتحلّق حول العريسين، وعلى الشارع الضيّق رتل السيارات يتزاحم للاصطفاف، وأصداء الغناء تخيّم على المكان؛ ومن الداخل، عبر الزجاج الواسع، تظهر المشروبات المعدة على الموائد، وفي الأعلى تلمع الأضواء الملوّنة المتدلية؛ كلّما مرّ عن أمر كهذا قال لنفسه: إن شخصاً قد فقد إرادته.’ كاتب من فلسطين[email protected]