‘اليرموك’.. والقيادات المستقيلة من دورها

حجم الخط
0

عبد الرحمن ناصر بعد شهرين من المناوشات المستمرة، ومحاولات قضم أطراف المخيم، تمكّن من يسمون أنفسهم بمقاتلي ‘الجيش الحر’ وجماعات ما تسمى ‘جبهة النصرة’ وأشتات أخرى من دخول المخيم.أدى هذا الدخول الذي كلف عشرات القتلى والجرحى في ساعات من القتال المحموم، إلى تهجير مئات الآلاف من سكان المخيم، علماً أن المخيم الذي يقطنه نحو مليون نسمة، بينهم نحو مئة وسبعين ألف فلسطيني، هم من أضفى على المخيم طابعه، وجعل منه عاصمة الشتات الفلسطيني، وأكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سورية، وقد وفد عشرات الآلاف إلى المخيم خلال الشهور الماضية، ومنذ اشتداد القتال في الأحياء القريبة من مخيم اليرموك، حيث جرى استقبالهم في مراكز إيواء داخل المخيم، وهم اليوم هُجّروا مع من هجر منه، بعد أن اعتقد البعض لوقت طويل أن المكان سيظل ملاذاً آمناً، مع الحديث الكثير عن تحييد المخيم، والابتعاد عن الانخراط في أتون الأزمة السورية.كثيرون وصفوا مشهد التهجير من المخيم اليوم بمشهد النكبة، كان الأمر كذلك إلى حد بعيد.. الآلاف من النسوة والأطفال والرجال الذين خرجوا من بيوتهم على حين غرة، إذ إن ما حدث كان مفاجئاً، فلم يستطع الكثيرون سوى الخروج بما على أجسادهم من ثياب، وعلى امتداد الشوارع المفضية من المخيم إلى الأحياء الدمشقية القريبة، كان كثيرون من هؤلاء يبحثون عن وسيلة نقل، والبعض تعب فافترش الطريق، وهو بانتظار من يأتي ليصطحبه، أو الإعلان عن افتتاح مركز إيواء.لقد هجر أناس من مناطق عديدة في سورية، لكن المشهد في المخيم كان مثيراً على نحو خاص، لعلها الذاكرة المثقلة بآلام التهجير والهجرة، أو لعلها الخصوصية الفلسطينية التي تعطي للوجع طعماً خاصاً أيضاً.تسمع كلمات من قبيل: ضاع المخيم، راح المخيم، ضعنا، رحنا.. هي كلمات تدل على إحساس هائل بالفقد والضياع، لعل هذه حالة المخيم بالنسبة إلى الفلسطيني، المخيم هو الملاذ والبيت بعد أن جرى التهجير الأول، وكان فيه الاقتلاع من البيت والديار، المخيم سواء أكان نموذجاً للبؤس والمعاناة، أم كان مكاناً في درجة من العيش المقبول والمريح، كما كان الحال في ‘اليرموك’، يظل المخيم مكاناً محبباً للفلسطيني؛ هو مكانه في جغرافيا الاقتلاع، يحس بالانتماء إليه، ويحن إليه وكأنه البيت الأول، ببساطة لأن المخيم يدل على البيت الأول، فلولا ضياع البيت الأول، ولولا الاقتلاع واغتصاب الأرض، لما كان المخيم أصلاً.قيلت تفاصيل كثيرة حول الوقائع، وكيف حدث ما حدث في المخيم، والتفاصيل في مثل هذه الحالات تسبب غرقاً، لا يستطيع معه المرء الإبحار نحو ما يزعم أنه الحقيقة.لقد حدث ما حدث، وستتكفل الأيام بكشف الكثير من تلك الوقائع، التي تغرق اليوم تحت رماد هائل من الأكاذيب والشحن العاطفي، وإسقاط الآمال على الواقع، ولكن المقدمـــات لما حدث كانت واضحة، ووقائعها بيـــــنة، وكان يمكن لكل متابع أن يعرف المصير الذي ينتظر المخيم، بسبب أداء القيادات الفلسطينية البائس جداً.وما دمنا تعرضنا لذكر النكبة، فقد سمعنا من الآباء والأجداد دوماً كلمة أثيرة تقول: ‘إن بلاء هذا الشعب في قياداته أساساً’، وها نحن اليوم نشهد فصلاً جديداً يتبين فيه أن بلاء هذا الشعب في قياداته.مع تقدم الأزمة في سورية، حضر موضوع الفلسطينيين في سورية، وتحديداً في مخيم ‘اليرموك’، طرحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة فكرة تشكيل لجان شعبية من كافة الفصائل، ومن أبناء المخيم، لحماية الأمن الداخلي في المخيم، ولمنع دخول المسلحين السوريين إليه (كان هناك إصرار معلَن من هؤلاء المسلحين بالرغبة في السيطرة على المخيم، لإحداث وصل بين الأحياء التي يسيطرون عليها جنوب دمشق)، بمعنى إبعاد المخيم بشكل فعلي عن أتون الصراع، ولكن ما حدث كان نموذجاً من النكايات الفلسطينية، ومثالاً آخر على استقالة القيادات من دورها.شن البعض حملة دعائية قوية ضد الجبهة الشعبية القيادة العامة، ومبادرتها، وعاد البعض للحديث عن النأي بالنفس، وكلما سألته: كيف نحمي المخيم إذاً؟ حلق في سماء التنظيرات الوهمية، ولا يعود لديه أي جواب مقنع.لسنا في معرض الحديث عن موقف الفصائل وقياداتها من الأزمة في سورية إجمالاً. لقد عاش الكثير من هذه القيادات في سورية، وتلقى دعماً استثنائياً منها، وكان لبعضهم وضع يشبه وضع كبار مسؤولي الدولة، وهؤلاء معروفون بأسمائهم وصفاتهم، وكان اللافت أن يطالب معارض سوري معروف، هو هيثم مناع، أن يتذكر خالد مشعل، بالذات، أن كولن باول كان طلب من دمشق في سياق طلباته المعروفة، طرد فصائل المقاومة من سورية، بعد سقوط بغداد بيد المحتلين الأميركيين.هذا التذكير من معارض سوري يعني الكثير، ولعله يقول ببساطة: إذا كنت تقول إنك تنأى بنفسك، فلماذا تحمل علم الانتداب الفرنسي في غزة؟ هذا ليس نأياً بالنفس، هذا تنكّر من جهة، وانحياز من الجهة الأخرى.مع كل ذلك، ليس هذا موضـــــوعنا كما يقـــولون، لكن موضوعنا هو الاستقالة من الدور، لقد استقالت الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس وفتح من دورها في حماية شعبها في مخيم اليرموك، النأي الحقيقي بالنفس كان يتطلب تشكيل إطار وطني جامع في المخيم، يحمي المخيم ويحمي الوجود الفلسطيني في سورية.ما حدث هو العكس تماماً، غادرت القيادات باسم عدم تحملها ما يحدث في سورية، واستقالت قيادات أخرى من دورها، رغم وجودها، واكتفى الجميع بإطلاق التصريحات، أو الاستمرار في المماحكات والكيدية والإساءة أساساً للشعب الفلسطيني، فلو شُكلت لجان شعبية حقيقية تدير شأن المخيم الداخلي، وتحميه من الهجمات عليه، لما وصلنا إلى الحال الذي وصلناه من تهجير كما حدث حتى الآن، ثم ما سيلحق بالمخيم من دمار، حيث انطلقت فيه عمليات النهب والحرق والتخريب.القيادات المستقيلة من دورها أيضاً تركت الآلاف هائمين على وجوههم، ولم تقدم لهم شيئاً، وهي لن تفعل على كل حال، فلو كانت تؤمن بدور حقيقي لها، لكانت بادرت إلى الحركة بشكل مبكر، القيادة هي التي تستطيع المبادرة والفعل قبل وقوع الحدث، وتضع جملة احتمالات وكيفية التعامل مع كل احتمال، وعدم ترك شيء للصدفة.. لقد افتقد الشعب الفلسطيني تاريخياً قيادات من هذا النوع، وها هو يدفع الثمن مجدداً، ثمن صعب وقاس، ولعل السؤال هو: هل يملك هؤلاء بعد الآن قدرة على الوقوف على المنابر، والحديث عن الشعب الفلسطيني وحقوقه وحمايته؟.الأرجح أنهم نعم، سيفعلون ذلك، لأنهم دوماً فعلوا ذلك، إذ ليس ما يشغلهم حقاً هو الشعب الفلسطيني، لكن أشياء كثيرة لعل من بينها تصفية قضية هذا الشعب.البيانات التي صدرت حتى الآن عن القيادات الفلسطينية، تقدم نموذجاً عما سيحدث في الأيام المقبلة.. تباً لقيادات استقالت من دورها، وتشرع الآن في ذرف دموع التماسيح، وإغراق الناس في حمأة الأكاذيب.تظل أسئلة لا يمكن أن تغيب عن البال، على هامش وقائع مخيم اليرموك، مقدماتها ونتائجها الأولى: لماذا ترفض القيادات الفلسطينية حتى الآن الإجابة على سؤال جوهري حول المضمون السياسي لاتفاق التهدئة في غزة؟ ولماذا سُمح لخالد مشعل بالذهاب إلى غزة، وإلقاء الخطابات في ميادينها؟ ولماذا عاد الحديث عن الكونفدرالية مع الأردن مجدداً؟ الحديث عن الكونفدرالية جاء في لقاء خاص عقده محمود عباس مع قيادات فلسطينية، ثم أخبرنا الناطق باسم السلطة نبيل أبو ردينة أن إعلان الاستقلال الفلسطيني ينص على الكونفدرالية، الكلام جدي إذاً، والموافقة في الجمعية العامة على دولة بصفة عضو مراقب تمهيد أولي.. فإذا جرى تهجير الفلسطينيين في أربع جهات الأرض تنزاح عقبة أساسية من أمام التسوية، ما الذي يخطط له حقاً؟.’ كاتب فلسطينيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية