لم يخرج الأخضر الإبراهيمي خــــــلال تصريحاته إبان كل زيارة يقوم بها إلى سورية وخلالها وبعدها عن مسكوكات دبلوماسية تعــــود عليها الشعب السوري، من مثل: الوضع بالغ الخطورة، ولابد من حل سياسي، والوضع يتفاقم يوماً بعد يوم، وندعو جميع الأطراف إلى وقف العنف وما إلى هنالك.وفي زيارته الأخيرة قبل أيام، خرج عن ذلك السياق الدبلوماسي، ليقولها بصراحة، محدثاً انزياحاً بالغاً في لغة الدبلوماسية، ولاسيما أن الأخضر يمثل الجامعة العربية والأمم المتحدة معاً، قال الأخضر بالخط العريض: إما الحل السياسي، وإما الجحيم، وإن استمر القتال لعام فسوف يُقتل أكثر من مئة ألف شهيد، وهذا ما لا يريده السوريون طبعاً. نعم يبدو الأخضر محقاً في قولته هذه وصريحاً إلى الغاية، على الرغم من استغراب السوريين من هذا الكلام، فهذا الجحيم الذي يتحدث عنه الأخضر، وهذا الموت المحتمل يعيشونه منذ عامين، ويعرفون أنه سيستمر لو استمر الوضع على ما هو عليه، ولماذا لم يسأل الأخضر نفسه وهو يدخل دمشق من طريق البر، ويظل فيها لأيام ويغادرها على أشلاء أطفال دير بعلبة في حمص، ما الجديد في مقولته تلك، وما هو الجحيم الذي يبشر به السوريين بعد زيارته الأخيرة إلى سورية.لست متحاملاً على الرجل على الرغم من أنني لم أكن متفائلاً بمهته، ولكن لا يقول الدبلوماسي هذه اللغة، وبهذه الطريقة إلا إذا كانت تهديداً، ولمن هذا التهديد إلى الشعب السوري مرة أخرى، فمــــن البداهة أن يصف الأخضر الوضع الذي رآه يزداد تفاقماً، ومن الحكمة الدعوة إلى حـــلول توفر دماء الأبرياء من الشعب السوري، ولكن أليس بديهياً أيضاً أن يكون الحل متفقاً مع طموحات الشعب السوري وتطلعاته التي أكد الأخضر مراراً وتكراراً على شرعيتها، ولذا فإن رسالة الإبراهيمي ينبغي أن توجه إلى المجتمع الدولي وإلى روسيا والصين، لا إلى الشعب السوري الذي ما زال يعيش فصول جحيمه المتواصل، ملوحاً بجحيم من نوع آخر قد يكون غير مسبوق في تاريخ البشرية.يُفهم من تصريحات الأخضر جملة من النقاط، أولها أن الأسد موافق على خطة جنيف واحد والمعدلة في جنيف اثنين بهدف تطويق الثورة بعد أن وصلت إلى أسوار قصره، محاولاً تغيير شكل النظام والحفاظ على مضمونه. وثاني تلك النقاط أن الأسد سيستخدم آخر ما يملكه من أسلحة إذا رفض الثوار هذا الحل، ولعله سيستخدم الكيماوي بعد أن جربه في حمص وهذا الاحتمال تعززه جملة الأخضر السابقة، فهذا الجحيم ليس مما عرفه السوريون سابقاً، بل هو أدهى وأمر. والنقطة الثالثة وهي الأهم أن المجتمع الدولي لن يفعل شيئاً وأن روسيا ستستمر في دعم النظام وفي تعطيل أي قرار يصدر من مجلس وهو أمر بات من الواضح أنه يريح أعضاء مجلس الأمن الآخرين ويعفيهم من المسؤولية فلا يمنحون الشعب السوري سوى الوعود.أليس حرياً بالدبلوماسي العتيق أن يقول ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي من ذلك الجحيم، أليس حرياً به أيضاً أن تكون تصريحاته كما جرت العادة موجهة إلى طرفي النزاع، فلماذا جاءت هذه المرة إلى الشعب السوري فقط، وإذا نظرنا إلى تصريح الأخضر من وجهة نظر أسلوبية فإن بنيته الواضحة والمباشرة: إما الحل وإما الجحيم، تقتضي البحث عن البنى العميقة والنسق المضمر المسكوت عنه، وإن النص الحاضر في هذه العبارة يخفي نصاً غائباً أكثر قسوة وتهديداً مما تقوله العبارة مباشرة، فالحل هو ما يرضاه الأسد وروسيا، والجحيم هو ما لم يذقه السوريون من قبل، والأهم من ذلك كله: الجحيم أيها السوريون ولن نفعل لكم شيئاً.صلاح إبراهيم الحسن – منبج [email protected]