حازم مقداديشكّلَت الثورة التي قادها الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر والتي عُرِفَت دائما بإسم ‘ثورة الثالث والعشرين من يوليو’، شكَّلَت مُنعطفا في التاريخ العربي الحديث، وفتحت الباب واسعا أمام تَغَيُّرَاتٍ مماثلة في مختلف البلدان العربية. فقادَ عبدالكريم قاسم إنقلابا عسكريا ضدّ الحُكم المَلَكِيّ في العراق وكذلك فعلَ مُعَمَّر القذافي في ليبيا، كما تحركت الجماهير في اليمن للتخلص من حكم الإمام، فيما تصاعد الزّخم الثوري المتعلق بالثورة الفلسطينية والثورة الجزائرية، في الوقت الذي فيه عانت بعض المَلَكِيَّات في الأردن مَثَلاً من تَعَاظُمِ المَدّ التّقَدُّمِيّ. وبرغم ما ذهب إليه قادَة تلك التّحَوُّلات من إِسْبَاغِ العديد من الوُصُوف على حَرَكَاتِهم بُغْيَةَ إيجاد عُمْقٍ جماهيريّ وحَوَاضِنَ شَعْبِيّة تُضفي على توجهاتهم الشرعية والشعبية المطلوبتين، برغم هذا كُله فإن تلك التّحَرّكات لا يمكن وصفها بأكثر من إنقلابات قادها عسكريون لغايات مختلفة. ففي الوقت الذي فيه جاء تحرّك الضّباط الأحرار في مِصر مُبَرَّرَاً ورَدَّا طبيعيا على ما شهِدَتْهُ مِصر بَدْءا من صفقة الأسلحة الفاسدة مُرُورا بإنبطاح المَلِكِ وحكوماته لِعَنْجَهِيَّةِ الإحتلال البريطاني وُصُولا لفساد وإنحلال الأُسْرَةِ المالكة نفسها وتكريسها لمنهجٍ طَبَقِيٍّ وإقصائيٍ يستهدف الفلاحين المصريين والطبقة المسحوقة منهم، نرى أن تحرّك الضباط الليبين كان يفتقر للأسباب الموضوعية ويخلُو من برامج واقعية تستجيب لتطلعات الشعب الليبي وطُمُوحاته، مما أدى إلى تبنيها شعارات غريبة وضَحْلَةٍ، كَشِعار: ‘البيت لِمَن يسكنُهُ’ في تَمَاهٍ عشوائي مع شعار ثورة الثالث والعشرين من يوليو: ‘الأرض لمن يَفْلَحُها’. غير أن الخِطَاب الذي تبنته القيادة المصرية آنذاك والذي تَمَثَّل في الإنحياز لحقوق الشعوب في العدالة والكرامة وتوزيع الثروة، وما إتخذته تلك القيادة من قرارات شجاعة، تَمَثَّلَت بقانون الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس وبناء السدّ العالي وبرنامج التحوّل الصناعي، بالإضافة لتجسيد الطموح الجماهيري في طريقة التعاطي مع القضية الفلسطينية والمشروع الإمبريالي، كل ذلك كان من شأنه أن يُحقق العمق الشعبي المطلوب لدعم وترسيخ النموذج المصري الثائر. فسرعان ما بادر جمال عبدالناصر للتخلص من إطار الإنقلاب العسكري وإتجه نحو تَجْيير الظروف العالمية في ذلك الوقت لصالح رُؤيته وفهمه لقضايا وَطَنِهِ وأُمَّتِهِ، وليس أدَلّ على ذلك من تعاضُدِه مع الزعيمين: الهندي آنذاك ‘جواهر نِهْرُو’ واليوغسلافي ‘جوزيف تيتو’ في مشروعهم الذي تَمَثَّلَ في تأسيس ما عُرِفَ لاحقا بإسم حركة عدم الإنحياز. إن الرئيس جمال عبدالناصر، بحضوره وتحركاته، شَكَّلَ ظِلَّاً كثيفا وقيادة حقيقية ورمزية للشعوب العربية، جعلت منه مَحَطّ إهتمام وإستهداف من قِبَلِ قُطبي العالم آنذاك، وكِلاهما يحاول إحتوائه على طريقته. ففي الوقت الذي إستخدمت فيه الولايات المتحدة الأمريكية أسلوب العصا والجزرة، آثر الإتحاد السوفيتي التركيز على القواسم المشتركة مع عبدالناصر ومحاولة تطوير تلك القواسم والبناء عليها. فبَعْدَ اللقاء الأول الذي جَمَعَ عبدالناصر مع الرئيس السوفيتي ‘نيكيتا خروتشوف’ إتجه الأخير نحو تجاهل تحذيرات السفير السوفيتي في مِصر والتي كانت تُحَذِّرُ القيادة السوفيتية من مغبة توسيع العلاقات مع نظام عبدالناصر. وبما أن عبدالناصر لم يكن شيوعيا بالمفهوم الفلسفي، إتجه السوفيت نحو البحث عن مظلة يمكن أن تجمع بين الرؤية السوفيتية بمفهومها الماركسي اللينيني مع الرؤية الناصرية التي لم تتبن أبدا الفكرة الشيوعية بكل أوجهها، ومن هنا إنبثق مفهوم ‘الإشتراكية’. إن مفهوم الإشتراكية وهو مفهوم إقتصادي وإجتماعي لا صِلَةَ له بالمعتقد الديني، ظَهَرَ بشكله المُنْفَرِد كنتيجة موضوعية للتغيير الذي شهدته مِصر والمنطقة العربية في ذلك الوقت مما إستدعى بالضرورة تَحَوُّر المصطلحات والمفاهيم السائدة لإستيعاب ما إستَجَدَّ من أحداث. إن تغيّرا كذاك لَيُعَدُّ نتيجة طبيعية وموضوعية لأي تغيّر في البُنَى والترَاكيب الإجتماعية والسياسية والإقتصادية. وفي هذا السياق يمكن إستذكار مفهومي اليمين واليسار اللذان ظهرا نتيجية للثورة الفرنسية والصراع بين الأرستقراطيين والراديكاليين. فقد إرتبط هذان المفهومان بأماكن جلوس الطرفين المتنافسين تحت قبة البرلمان، ثم ما لبث التطور أن لامَسَهُمَا مع مرور الوقت وتَتَابُع حركات التّغَيُّر والتّحَوُّل، لِيَكْتَسِبَا إطارا فكريا واضحا ومعالم سياسية محددة، ما زالت ممتدة في الواقع السياسي والفكري حتى يومنا هذا. وفي هذا النطاق ذَهَبَ الكاتب رشاد أبوشاور لِيُثِيرَ تساؤلا مُهِمَّاً حول إمبريالية الصين وروسيا (القدس العربي 16- 10- 2012)، إذ يرى أن ما تقوم به تلك الدولتان من دَعْمٍ لِنِظَام بشارالأسد المعزول عن شعبه ليس كافيا لإدراج تلك الدولتين ضمن معسكر الإمبريالية بالمفهوم الذي تحدث عنه لينين. فيعتقد الكاتب أن الفهم اللينيني للإمبريالية بوصفها أعلى مراحل الإستعمار يرتبط بشكل جذريّ بِتَوَسُّعِ دولة خارج حدودها، وتَمَدُّدِهَا بُغْيَةَ السّيطرة على مُقَدَّرَات الشّعوب ومُصَادَرَة قرارها الوطنيّ وإرهابها في سبيل تحقيق ذلك، بل وفَرْضِ نموذجها الثقافي والسِّلَعِيّ على تلك المجتمعات. وبرغم تَوَخِّي الكاتب أبوشاور لِمُتَطَلَّبَات التقييم الموضوعي والفهم العلمي، غير أنه جَانَبَ عَامِلاً مُهِمَّاً في تحليله، إذ ما زال الكاتب مُتَمَسِّكَاً بمضمون المفهوم اللينيني الذي راعى متطلبات وبرامج مرحلة سالفة، وليس متطلبات وبرامج المرحلة الراهنة من الواقع العربي والدولي والتي بالضرورة تتطلب مضمونا مختلفا بشكل أو بآخر، إذ لم يعُد من المنطقي الإكتفاء بممارسة عمليات التوسع خارج الحدود بشكلها الكلاسيكي لإسباغ صفة الإمبريالة على مشروع دولة ما، وإلا فإن سلسلة المطاعم الأمريكية وأفلام هوليوود والسطوة الإعلامية العملاقة لا يمكن إدراجها تحت مسمى الإمبريالية. أضف إلى ذلك أن غَزْوَ الفضاء والتّوجّه نحو بناء مُستوطنات على كواكب غير مَأْهُولَة وليس عليها شُعُوبٌ يمكن أن تُطْمَسَ ثقافاتها أو تُصَادَر حُرِّيَاتها وثرواتها، كل ذلك لا يمكن أن يُأَطَّرَ بإطار الإمبريالية. وبرغم ذلك، فإذا ما أعَدْنَا تطبيق المفهوم اللينيني الكلاسيكي للإمبريالية على الموقف الروسي – الصيني، نجد أن فَهْمَ لينين للإمبريالية تَرَكَّزَ على العلاقة مع الشعب بين داعمٍ لحقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير من جهة، ومُجْحِفٍ لِكُلِّ تلك الحقوق من جهة أخرى، وهنا نسأل: هل يُعْتَبَر الموقف الروسي – الصيني الداعم لنظام الأسد الذي تَجَبَّرَ على شعبه وتَكَبَّرَ على فقرائه وإعتزلهم، ثم ما لبث أن فَرَضَ عملية توريث بائسة على شعبه، ومن ثم أفرَزَ طُغْمَةً حاكمة مُتَحَكِّمَةً إسبتاحت مُقَدَّرَاتِ الوطن وآمال المواطن، هل يُعتبر ذلك الموقف داعما للشعب أم مُجحفا له؟ وإلى أيّ مدىً تعتبر ذرائع ومصالح روسيا والصين في دعمهما لنظام الأسد في تعامله مع شعبه ومُقَدَّرَاتِهِ مختلفة عن تلك الذرائع والمصالح التي يزعمها أيٌّ من رموز الإمبريالية في سياق دعمه لحلفائه ؟.و في سياق مُتّصل، فبعد أحداث 11- أيلول رفض البعض الحديث عن تراجعٍ للديمقراطيات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بعد الإجراءات الأمنية المتشددة التي إتبعتها إدارات تلك البلدان والتي تنتهك وبشكل صارخ خصوصيات الشعوب. فكانت حُجة الرافضين لطرح التراجع الديمقراطي تكمن في أن ‘كارل ماركس’ و’فريدريك آنجلز’ لم يتطرقا في إطار تعريفهما للديمقراطية ومظاهرها، لم يتطرقا لعمليات التفتيش والتضييق على المعابر الحدودية أو مراقبة البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية، وقد تناسى أولئك أن هكذا ظروف لم تكن أساسا موجودة في الواقع العالمي آنذاك، وأكثر من ذلك فظهور هكذا مستجدات يعني بالضرورة تَحَوُّرُ المصطلح وتطوره. غير أن تطبيق مفهوم وإنطباقه على حالة ما لا يعني تحقق ذاك المفهوم، فكثير من الدول والأنظمة تُكرّس جملة من المظاهر الديمقراطية بينما تعتبر هي من أكثر الأنظمة إستبدادا وتَقَوْقُعَاً . إنّ ما وَرَدَ في التحليل الأخير، لَيُؤَكّد على أنّ الحاجَةَ لإعادةِ إطلاقِ المَفَاهيم ومراجعتها قد بَاتَ مُلِحَّاً، وأن تَطَوُّرَ أي فَهْمٍ وتَحَوّله هو سِمَةٌ أساسية، فالمفاهيمُ محكُومَة بالواقعِ الإنساني المُعاش، وليس العكس. فمِن غير المُمكن التمترس عند مفهوم مُتَيَبِّسٍ وآسِنٍ مرتبطٌ بفهم شخص ما لِمَرْحَلِةٍ ما، ومن غير المقبول أن يَتِمَّ التعاملُ مع المفاهيم الفكرية والسياسية على أنها نُصُوصٌ سَمَاوِيَّةٌ. حتى النص السماوي خَاضِع للإجتهاد والتأويل لِيَتَوائَم مع ضرورات الحِقَبِ والمُسْتَجَدَّاتِ. ومن هنا فإنه بالإمكان القول إنّ ما تشهده المنطقة العربية من ثورات متعاقبة وحِرَاكات مُتلازِمة، كانت نتيجة طبيعية لمُتطلبات وضَرُورات الشّعوب والأوطان، لم يكن أَثَرُهُا أساسيا على أنظمة الحكم والبُنَى الإجتماعية والإقتصادية فيها فَحَسْب، بل إنه يتجاوز ذلك لِيَمَسَّ الأُطُر الفِكْرِيَّة والمَفَاهِيم السياسية السائدة.’ كاتب اردني qmdqpt