الزمن في ‘لا أحد اليوم ولا سبت’

حجم الخط
0

مزوار الإدريسي’سأل أحدهم متصوِّفا قائلا له: ما الوقت يا شيخ؟ فأجابَه: الوقت ما أنت فيه’الرسالة القشيريةالتأمل في الزمن هاجس وجودي وفلسفي بالأساس، له حضوره اللافت في الحياة والدين والفكر والفن، وخصوصا في الشعر، الذي يُعتبر فنًّا زمنيا بامتياز، وضمنَه الشعر العربي الذي نعْلَمُ عنه اهتمامَه بالزمن منذ بداياته، حيث الوقوفُ على الأطلال بدلالاته البليغة، والالتفاتُ إلى أثر الزمن المدمّر، الذي يمحو الماضي بأشيائه، ويعصف بالحاضر، ويُهدّد المستقبل.ولا يخفى أن إشكالية الزمن حضرتْ بقوة لدى شعرائنا العرب في العصر الحديث، لارتباطها بقضايا الإحياء والنهضة والتحديث، خصوصا في العقود الأخيرة، بعد الانفتاح على الكتابات الغربية من خلال القراءة المباشرة أو عبر الترجمة لفلاسفة كبار، الذين يأتي هيدغر على رأسهم… مع الوعي بأنه ليس من الضروري أن يكون الشعراءُ يكتبون بإملاء من قراءاتهم. الحقيقة هي أن الذات الكاتبة تعي، منذ اللحظة الأولى التي تشرع فيها في الكتابة، بأنها تدخل في حال ‘مواجهة’. للمواجهة جبهات عديدة، لكنّ ما قد لا يُختَلَف في شأنه هو أن ميدانَ هذه المواجهة هو البياض، المساحةَ المغرية التي يكون على الكاتب/الشاعر أن يُعمّرها كتابةً بإضافاتٍ نوعية، يُقاومَ بها التكرارَ والنسيان والضحالة… لكنَّ الشيء الأكيدَ هو أن الكتابة قبل ذلك هي رحلةٌ في الزمن ومعه وضدَّه، وهي في الآن ذاته مواجهة معه.ويَعْرِفُ قُرّاءُ الشاعر المهدي أخريف- هذا الشاعر الذي ينتمي إلى جيل شعريّ يكاد يُجْمَع على أنه المؤسس للمغامرة الشعرية الحداثية في المغرب- أن التفكير في الزمن يشغل حيِّزا بارزا من كتابته، ويكفي للتأكُّد من ذلك النَّظرُ السريعُ في دواوينه الأخيرة: في الثلث الخالي من البياض، وبين الحبر وبيني، ومحض قناع. ومِنْ ثَمَّ كانَ الاشتغالُ بقضايا الكتابة وهي هنا القصيدة، في عمقه، تأمُّلا في قضية الزمن، لأن ‘القصيدة لا تتلاشى: لأن الكلمة الشعرية توقف تماما زوال الزمان. إنها أيضا ‘تبقى مكتوبة”.ولعلّ في الديوان الأخير للمهدي أخريف ‘لا أحد اليوم ولا سبت’ ما يؤيّد هذا الافتراض، ذلك أن العتبة الأولى أي العنوان تُحيل صراحةً على موضوعة الزمن مؤكِّدة على انتفائه في صورته التعاقبية لدى الشاعر. الزمن في هذا الديوان إقرارٌ بقيمة’ الهُنَا والآنَ’، وهو زمنُ إبداعٍ مثقلٌ بدلالات تَفْزَع إلى عملية الخلق، باعتبارها سيرورة لا تمنح الشاعرَ هُدنةً. الزمن سِمته- حسب الشاعر- أنه’ زمنٌ محمومٌ من غير نوافذ’ . وتكونُ الكتابةُ سيرورةً لا هوادة لها مع الوقت، فهي لا تعترف بالسبت يوما للانتهاء من الخلق، ولا الأحد يوما للاستواء على العرش أو الراحة. قدَرُ الشاعرِ، إذن، العملُ المتواصل. يقول المهدي: ‘اِمنحْني/ قافيةً شاردةً/ من بين مواسيقِ الألفاظِ لديْكَ/ ستكفيني/ كي أُكمل بيتي/ كي أصلَ الليلَ بيومِ/ فراغٍ/ ضلَّ طريقَهُ في نصي’. ما يتميز بالحضور الدائم هو الموت باعتباره أفقا لكل وجود، وتهديدا متواصلا بالفناء. ولأن كلّ شيء مهدّد بالموت، بما في ذلك الكتابة، فطبيعي أن يطْفحَ الديوانُ بقلق وجودي جلِيٍّ، لأنه يريد أنْ يخلد صوت الشاعر، وأنْ يكونَ مسْكُونا هاجِسُ إنقاذ الشعر شكلا.ولعلَّ العتبة الثانية، وهي هنا ظهرُ الغلاف، تعزِّز هذه الفكرةَ، فكرةَ الوَلَع بقول الغريب حيث الذهاب إلى الأقصى بحثا عن القصيدة عبر استدراجِ’ حاستي التذكر والتوقع، إذ أن[الإنسانَ] يتنظم حياته داخل شبكة نسيجها الماضي والحاضر والمستقبل’، وهو ما أتصوَّرُ المهديَّ يومئ إليه بقصيدة [لا تتريَّثْ الواردة في ظهرُ الغلاف].ويتحقق ذلك القولُ الغريبُ في هذا المقطع الدال:( وقال يُخاطبني بالحرف: تنبَّهْ! لا تُشبِهْ/ ما سوفَ يُراودُ حِبرَكَ من أشعارٍ، لا تتشبَّهْ/ إلاّ بما لن تكتبَ لا غير.) [ص 40]. موضوعة الزمن حاضرةٌ حتى في العتبات التي وضعها لبعض القصائد( نص نيكنور بارَّا ونص كاجنشيراوا كيزاوا [ص 19]). يكون الاحتفاء بالكلمة الشعرية للآخر لأن لديها أسرارَها، ولأن لديها أسلوبَها في الإعلان عن ذاتها، وفي إشهار مقاومتها لما يتهدَّد وجود الكائن والقصيدة. لأن’ الكلمة الشعرية التي من خلال وجودها هناك تكون شاهدة على وجودنا،’ بما لديْها من قدرة خارقة على الإمساك بالواقع وإخضاعه لسلطة الزمن العشري.وبترك العتبات جانبا نكتشفُ الكتابةَ في الديوان باعتبارها مخاضا دائما، لا تنام عنه عين الشاعر، (لا يعنيني/ إن كان من رماد/ هذا الأربعاءُ/غاطس أنا في مدادي)[ص91]. يحلم الشاعر في يقظته بـ’وسادة كيبيدو’ لينامَ فيصحو على غنيمة شعرية تخلده شأنَ الشعراءِ الخالدين (ليتني/ أنام باكرا وأصحو بغنيمة/ تشبه المعلقات) في أتون ذاك المخاض وبموازاة مع الحلم تكون الكتابة زمنا مضاعفا، حيث الانهماك في الكتابة دون كلل(يدي/ مشغولة- لعلها اليمنى-/بنثرٍ جِدّ هامشيٍّ/ ويدي الأخرى- لعلَّها اليسرى-/ تُحاول/ أن تَدُسّ نصْفَ بيْتٍ/ على الأقلّ/ بين صفحةٍ وأخرى.) وحيثُ السعيُ إلى محو الفاصل بين النثر والشعر، بل والتَّوْقُ إلى الاتحاد بين الزمن والكلمة. أليسَ ذلك ما يعنيه طموحُ الشاعرِ بقولِه: (عليَّ بأنْ أختصرَ/ الفاصلَ بين اللحظةِ واللفظة.) ؟تطمح الكتابة-القصيدة عند المهدي إلى الحضور والخلود. وتبتكر لذاتها استراتيجاتٍ متنوعةً، لعلَّ أبرزَ مظاهرِها استضافةُ الآخر (غونثالث روخاس هنا)، التي تغدو إعلانا عن قبول الحوار معه، ومع زمنه، ومن خلالِ ذلك، قَبولُ الرحيل الأبديّ في الزمن عبر فتح حوار لا يكل مع شتى الشعريات والأجناس. لا سبيل إلى إنقاذ الشِّعر سوى هجْرِ القصيدة القديمةِ أي هجْرِ زَمَن تلك القصيدة’ لا تتذكَّرْ ما تنساهُ/ والعكسُ صحيح نسبيا في النص فقط’. ولا سبيل إلى إنقاذِ الشِّعر سوى الهجرةِ إلى الآخر وفي هذا الصدد يقول المهدي’ نَمْ، قلتُ لنصي، مدَّةَ عاميْن على أضأَلِ/ تقديرٍ، واحْلُمْ بالهجرةٍ أيَّانَ تشاءُ/ واعْلمْ أنَّ النصَّ الخالِصَ محضُ هباءٍ’يتخذ الزمن في هذا الديوان وجوها عجيبة، ليست مبعث حيرة القارئ وحدَه، بل هي مثار حيرة الشاعر نفسه، لأنه زمنٌ شعريّ ذاتي(ماذا جرى للروزنامة والبَحرِ غداً؟/ للصبح اليومَ/ يطلّ بلا وقتٍ من منتصف الليل عليَّ.)، لا بداية له ولا نهاية، فالمستَقْبَلَ منه مضى، والحاضر فيه قادم، والماضي أبديٌّ وآتٍ، فـ’السبتُ غداً مَرَّ أُحِسَّ بأن اليومَ/ فراغٌ لا اسمَ له’، إنه زمن تواجهه الذاتُ الشاعرة وتصرخ في وجهه وتحتج، لأنها تحس بالعزلة، وبالغربة، ولأنها تراه صمْتًا عنيفا ومدمِّرا، يتخذ لبوسا مختلفا. هكذا تنقلب الذات التي تواجه الزمن إلى ذوات تتفلَّت من سيطرة الشاعر، وتورِّطه في مغامرة الكتابة (ماذا أصنعُ غدا/ بهذه الصفحات؟!/ أنتَ كتبتَها اليومَ/ وعليَّ أنْ أنشُرَها/ كما هي)، ويكون هدف الكتابة هو تعرُّف الذات على وجه الشاعر الذي يكون دائما آخَر- حسب رامبو- بأكثر من قناع (امنحيني/ وجهك يا مرآة النصِّ الحافي/ أبغي أن أتأمَّل وجهي/ دون قناعٍ آخرَ غير قناعكَ يا وجهي/ أنت الهارب/ دوماً من وجهي.(ديوان لا أحد اليوم ولا سبت للمهدي أخريف ترسيخ لتجربة غنائية وفيّة لذاتها ولمشروعها الإبداعي، اختط فيها الشاعرُ لذاته منذ دواوينه الأولى التأمل الحميم في الكتابة الشعرية وقضاياها من داخل الكتابة، أي ما يُعرَف بالميتاشعر، وهو التفكير في القصيدة من داخل القصيدة، ويؤكّد هذا الديوانُ التوجُّهَ نفسَه، ولو أننا اقتصرنا على التقاط بعض تجليّات الزمن فيه لا غير.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية