‘ حين تلفَّتَ النهرُ’ لفوزي باكير قصائد تصعدُ نحوَ الماء

حجم الخط
0

مهدي نصيرفوزي باكير شاعر شاب من مواليد نابلس عام 1985 وهذه المجموعة التي تحمل عنواناً ذا مغزى ‘حينَ تلفَّتَ النَّهرُ’ هي مجموعته الأولى والتي جاءت ناضجةً بلغتها ومناخاتها التي تحلِّق في عوالم شعرية أعطت خصوصيتُها نكهةً مميزةً وعاليةً لقصائدها . يقول فوزي باكير في قصيدة قصيرة بعنوان ‘جذر ‘: ‘ تمدُّ الوردةُ جذرها الطَّريَّ قريباً .. في التُّراب ..بينما عطرُها جذرُها السَّماويُّ ينتمي تماماً للرِّياح .. ‘ ص23 سنقرأ في هذا المقطع القصير كثيراً من خصائص قصيدة فوزي باكير الفنيَّة، فهي أولاً قصيدة نثر ولا أثرٌ لإيقاعات سابقة وجاهزة بل كان إيقاع القصيدة القصيرة إيقاعاً خاصاً ومتولِّداً من لغتها ومكوناتها المادية بما تستثيره بالمتلقي من ذكريات وتناصات فردية وخاصة ومتغيِّرة، ثُمَّ سنقرأ لغةً بسيطةً بعيدةً عن البلاغة التي (أي البلاغة) تسحب القصيدة إلى مناخات زائفةٍ ومجلوبةٍ ومحمَّلةٍ بتاريخ قد لا يعيه الشاعر المعاصر حين يستخدم ويُغرق نصَّهُ بتلك الصيغ البليغة وغير البريئة، ثُمَّ سنقرأ ثقافةً عميقةً تقف خلف هذا النص وسنقرأ جدلاً وصراعاً ومواقفَ فلسفيةً حول علاقة الجذور والأصول بالواقع والحياة وجدلها المتجدِّد الذي يرفض أن يبقى حبيساً ويريد أن يولد وينفصل عن جذره ليكون جزءاً من حركة الحياة وصخبها وجدلها ورياحها غير المقيَّدة .من قصيدة بعنوان ‘قصائد ليست لها’ نقرأ هذا المقطع :’ كنتُ أشتهي أن تطولَ طريقي إليها ما دمتُ سأظلُّ مُتعثِّراً بعطرِها .. ‘ ص 30 تحضر المرأة المدهشة القريبة والحميمة والبعيدة الأسطورية واندماجهما وافتراقهما في جدلٍ إنسانيٍّ كان دائماً المكوِّن الأعلى لمناخات الشِّعر الإنساني العالي، في هذا المقطع صورة لتلك المرأة البعيدة الأسطوريَّة (الحلم) التي عطرها منبثٌّ في كل مكان يتحرَّك فيه الشاعر ويقود خطاه إليها فكأن هذا العطر وهذا الحلم وهذا التعثُّر هو جوهر الحياة الإنسانية لذلك يريد الشاعر للطريق (الحياة) أن تطول على أن يكونَ عطرها حوله في كلِّ حركاته وسكناته إنه البحث الإنساني العميق عن الحلم والجمال والحريَّة والتي شكَّلت عبر التاريخ الإنساني أيقونةً عاليةً نبحثُ عنها ولا نصلُ إليها .هذا الجدل بين المرأة الحلم والمرأة في الواقع وتبادل الأدوار بينهما في القصيدة والواقع كان واضحاً في كثير من قصائد المجموعة مما أعطى المجموعة ذلك التوتُّر الفاتن والشعرية الغامضة والشفَّافة والقابلة لقراءاتٍ متعدِّدةٍ، نقرأ من نفس القصيدة المشار إليها سابقاً وفي المقطع الخامس من القصيدة صورةً لتلك المرأة الحقيقية تتلبَّس بعضاً من غواية تلك المرأة الأسطورة : ‘ تحكُّ الرِّياحُ قلبي فتنبتُ زهرةٌ على شُرفتِها .. ‘ ص 31 وتبرز هاتان المرأتان وصراعهما وجدلهما في قلب الشاعر ووعيه وعقله بوضوحٍ وضبابيةٍ شعريةٍ عاليةٍ في قصيدةٍ مميزة من قصائد المجموعة : فمن قصيدة ‘إلى غريبة’ نقرأ هذا الجدل الشِّعريَّ العالي الذي يمثِّل روح الشِّعر وحركيته الدائبة في البحث عن الحياة وأنساغها العميقة :’ هل تُدركُ امرأةٌ مرَّت غريبةً في طرقاتِ الليل،أنَّ شاعراً رآها تعبرُ نهرَهُ ثُمَّ عادَ إلى قلبهِ مبلَّلاً بقصيدةٍ تضجُّ فرحاً ببحَّةِ خلخالها الفضيِّ .. ؟ ‘ ص 33ويتابع في القصيدة ذلك الجدل الأنثويَّ بين المرأتين (الأسطورة الواقع(:’ يفرُّ الشَّاعرُ من كاتبِ التقرير والرَّقيب يفرُّ من الغامضِ أيضاً فتظهرُ أنثاهُ لتحذفَ كلَّ امرأةٍ عبرتْ في قصيدةٍ شاردة ! ‘ ص 34 يصلُ التوتُّّّّّّرُ أقصاه في هذه القصيدة حين تتمُّ المواجهة الصامتة بين المرأتينِ في مقطعٍ من أجمل مقاطع القصيدة وأكثرها التقاطاً لتفاصيل اليومي والذهني وجدلهما الصامتُ حيناً والصاخبُ حيناً آخر : ‘ هيَ تفهمُ ما جالَ في عينيكَ من رغبةٍ لكنَّها تُلهي نفسها بتحريكِ السُّكَّرِ في شايهافيما الملحُيتكلَّسُ على ضفافِ قلبِك .. ‘ ص 36 .هناك خصيصةٌ أخرى من خصائص قصيدة فوزي باكير في هذه المجموعة وهي ما يمكن أن أُسمِّيه القصيدة الذهنيَّة المركَّبة والمبنية على فكرة كقصيدة ‘نهايات’ ونقرأ منها :’ ثمَّةَ طفلٌ يأتي الآنَ بصراخهِ وبكائهِ من أقصى الطِّين إلى أقصى الماء ..ثمَّةَ كهلٌ يمضي الآنَ بكاملِ بسمتِهِ من أقصى الماءِ إلى أقصى الطِّين .. ‘ ص 48 في بعضِ قصائد المجموعة ومقاطعها نلاحظ أيضاً الحكمة الشعريَّة الذهنيَّة التي تُذكِّر ببعض ملامحها بشعرية الطبيعيين الألمان الممزوجة بالفلسفة والتصوُّف غير الديني كريلكة ونيتشة، نقرأ من ‘ قصيدة مرآة البسمة ‘ :’ البسمةُ ..؟جرحٌ خلَّفهُ الفرحُ في الوجوهولم يلتئم بعد .. ‘ ص 62 كان حضور المرأة المدهشة طاغياً في كل قصائد المجموعة ورومانسياً وإنسانياً ووليداً للحظةٍ إنسانيَّةٍ وشعريَّةٍ صادقة من قصيدة قصيرة بعنوان ‘مرآة الأرق’ نقرأ :’ مثلَ طفلٍ يُحصي نجومهُ قبلَ أن ينام ,أُحلِّقُ كلَّ ليلةٍ في جسمِها لأُحصي شاماتِها قمحةً قمحة .. ‘ ص 86 فوزي باكير في مجموعته الأولى هذه قدَّم قصيدةً ناضجةً وعاليةً وتقف بسويَّةٍ واحدةٍ مع نماذج قصيدة النثر العربية العالية والواعدة برؤاها وأدواتها والدَّالة على أن هناكَ شعراً كامناً ما زال ينتظر أن تترجمه تجربة فوزي باكير إلى قصائد وأعمالٍ شعريةٍ عالية .qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية