خطاب للاسد محمل ومثقل بالدلالات يلغي الخصم ويعلي من شأن الذات ويقود البلاد الى نفق مظلم

حجم الخط
0

ابراهيم درويشلندن ـ ‘القدس العربي’ لا بد لمن راقب خطاب الرئيس السوري بشار الاسد، وهو اول خطاب يلقيه منذ حزيران (يونيو) العام الماضي، سيعتقد ان امرا لم يتغير في سورية، فالرئيس بدا وكأنه يمسك بزمام الامر، مع اعتراف منه بان البلاد تعيش ‘ازمة’ تحتاج الى حل امني وسياسي مشروط بالشروط السورية، تشرف عليه الحكومة السورية الحالية. مما يعني ان الحديث عن الحلول السياسية الدولية لا تهم النظام، فكل ما طلبه الرئيس الاسد هو توقف الدول الجارة عن دعم ‘الارهابيين’ والتوقف عن ادخالهم الى سورية وحرمانهم من الدعم العسكري والتمويل.واللافت ان الاسد يريد الحل السياسي ولكنه لا يجد شريكا يمكنه التحاور معه، فالاسد لا يعترف بالمعارضة السورية في الخارج ولا يرى في الربيع العربي سوى ‘فقاعة’ ستنفجر عاجلا او آجلا. وحديث الاسد عن الجهاديين و’القاعدة’ مثير لان نظامه رعى الجهاديين اثناء الحرب على العراق، ولكن مجرد حديثه عن جهاديين هو اعتراف بوجودهم في سورية.اللغة لم تتغيرولم يخرج الاسد في خطابه ولغته، عن اللغة السابقة التي استخدمها في كل خطاباته، اي العاطفية في الحديث عن ضحايا الحرب، وفي هذا الخطاب اضاف مكونا جديدا وهو ان بيته ـ عائلته خسرت في الحرب، في اشارة غير مباشرة لمقتل زوج اخته بشرى، آصف شوكت، نائب وزير الدفاع في تفجير مجلس الامن القومي، في تموز (يوليو) العام الماضي. كما لم يتغير خطاب الرئيس من ناحية تأكيده على دور الجيش السوري في مكافحة ‘الارهاب’ ودفاعه عن كرامة سورية، وقدم بعض الامثلة الهزيلة عن انجازات النظام لمواجهة الجماعات المقاتلة في حمص ودرعا، وربما حاول ان يشير الى ان نظامه كان قادرا على احلال الامن في المدينتين اللتين شهدتا اعنف المعارك في بداية انطلاقة الانتفاضة، فيما اراد من حديثه عن الجهود الشعبية في مواجهة بعض اهالي مدينة الحسكة في الشمال للمقاتلين المتسللين من تركيا، اعطاء فكرة ان نظامه لا يزال يحكم سيطرته على الشمال.ومن هنا فمن تابع خطاب الاسد يجد نفسه امام رئيس ثابت ويقود البلاد ضد مؤامرة تستهدف كرامتها وسيادتها، ويقاتل جماعات ارهابية ‘انبطاحية’ ومستسلمة للغرب، بل وتريد فرض احتلال غربي على البلاد. وما يلفت الانتباه في خطاب الاسد، على الرغم من الهتافات التي هتفت باسمه ومقاطعته المستمرة اثناء خطاب استمر ساعة، ان الاسد ظل يخطئ ويتلعثم احيانا في قراءة خطاب كتب له بلغة شاعرية.لا يريد الرحيلولم يظهر في خطاب الاسد اية نية للتخلي عن السلطة، عندما اكد على ان المصالحة الوطنية والحوار مع الافراد والجماعات السياسية سيتم برعاية من حكومته، وهو وان لم يرفض مبادرة جنيف التي تقدمت بها روسيا الا انه قال ان بعض بنودها غير واضحة، خاصة تلك التي تتحدث عن نقل السلطة، بدا الاسد في خطابه غير معزول ولا خائف، وكأنه اراد ان يبدد الشائعات حول قرب هروبه من العاصمة او خارج سورية وأنه اسير قصره الجمهوري، فقد بدا بين جمهوره المصفق له واثقا من قدرته على البقاء، وكان يتحدث حديث رجل لا يواجه نظامه سيناريو السقوط في اية لحظة، حسب التقديرات الصادرة عن اطراف المعارضة وبعض المحللين الغربيين.وعليه فخطاب الاسد مثقل بالدلالات، والرسائل الموجهة للقوى المحلية والاقليمية والغربية التي اعلنت وفاته وحضرت جنازته، وفيه شحنة من العاطفية من انه كرأس الدولة يشعر مع امهات الشهداء وعائلات المفقودين وان وقف اطلاق النار من جانب ‘الارهابيين’ هو من اجل السماح للمشردين الذين هجروا من بيوتهم بالعودة الى البلاد. ولم يفت الاسد التأكيد وان بحياء على محور المقاومة، وان سورية هي قلعة النضال، والمراد من كل ما يجري هو اضعافه بارسال الجهاديين الى اراضيه كي يتمكن الغرب من اضعاف بلد ظل يمثل تهديدا والتخلص من الجهاديين.المقاومة والجولانومن هنا جاء الحديث عن الجولان والفلسطينيين في سورية الذين رفض زجهم في الازمة وانهم مواطنون سوريون يدافعون عن وطنهم الثاني سورية وليسوا مثل من احتضتنهم سورية ولكنهم انتهزوا الفرصة المناسبة للهروب لانهم تعاملوا مع البلد كفندق فاخر، في تلميح الى حركة حماس التي قررت اغلاق مكاتبها في سورية والخروج منها بعد ان رفضت ان تكون ضلعا في الازمة. مع ان الاسد وهو في دمشق يعرف ما جرى لاهالي مخيم اليرموك من تشرد وقصف الشهر الماضي. هل هو حالم؟وبعيدا عن الخطط التي وضعها الاسد والمقترحات ‘الداخلية’ لحل الازمة فان تساؤلا يطرح ويتعلق بواقعية تحليل الاسد للازمة، فالخطاب ان قرن بالواقع وما يجري من تطورات ميدانية يظهر ان الرئيس معزول عن الواقع ويجهل او يتجاهله، فمن يقف المقاتلون على ابواب عاصمته لا يمكنه ان يتحدث بهذه اللغة، لغة الرئيس المعروفة بالتركيز على التفاصيل، فالاسد يتحدث عن مقترحات تحتوي على تفاصيل فرعية تحتاج لسنوات كي يتم التوصل لتطبيقها، وكأنه يتحدث في وضع طبيعي. فاقتراحاته الاولى مع بداية الازمة رفضت لانها لم توفر الحد الادنى لبدء الحوار، فكيف سيتم تقبل ما يقوله من معارضة باتت موجودة على الارض ومعترفا بها من المجتمع الدولي، على الاقل من جماعة اصدقاء سورية. ففي ظل عدم اعتراف الاسد بحدوث تغير على الارض ووجود معارض له مطالبه ولديه ما يمكنه المقايضة عليه، فانه يختصر الواقع بنفسه وخطابه واضح في القول اما انا او الموت.اعادة انتاج الخطابيمعن الرئيس الاسد في الحديث عن المخاطر التي تعترض بلاده، ويستخدم كل مفردات قاموس الحرب الاهلية، من الطائفية والحقد، ويستمرئ الحديث عن دم الضحايا والقتلى والدمار واللعب على العواطف، والسيادة والقانون، ويريد حكما بناء على الدستور الجديد لحفظ حقوق الناس. عندما يخرج الاسد اعداءه من المعادلة باعتبارهم حفنة من المجرمين والتكفيريين والمستوردين من الخارج والانبطاحيين المؤتمرين بأمر الخارج فهو يقضي على اي مبادرة سياسية، لانه يحصر الحل به وبنظامه. وطالما آمن الاسد بالحل الامني كوسيلة للقضاء على معارضيه فالدم سيسيل وسيتجاوز عدد القتلى الستين الفا الاخير، ومخطط التقسيم سيصبح حقيقة، وسورية الضاربة في التاريخ ستدخل نفقه المظلم، والاسد الذي يبكي على الموت الذي حل ببيته قد لا يجد فرصة اخرى كي يبكي نفسه امام مجموعة هتفت باسمه، لان باب الفرص سيغلق امامه. وفي النهاية ربما يعرف الاسد اكثر مما لا نعرف ويقرأ الخارطة السورية الجديدة التي رسمتها ‘الثورة’ بطريقته الخاصة، فهو ان يرفض تسمية ما يجري في بلاده بالثورة لغياب الفكر والقيادة عنها، ولكن الاسد يعرف ان الناس عندما يطفح الكيل بهم لا يحتاجون لقائد لهم يقودهم، او فكر يوجههم. وماذا ينتظر السوريون بعد، لا احد يعرف ولكن ما سيجري على الميدان سيقرر المصير. والمشهد في سورية اليوم يقوم على ثنائيات الخير والشر، فالنظام يرى المعركة على انها بين شعب ضد مجرمين، والمعارضة تراها معركة بين شعب ورئيس مثل مسرحية امام شبيحته.qarqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية