أشرف الهور:
غزة ـ ‘القدس العربي’ أبلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس امتعاضه للإدارة الأمريكية بسبب استخدامها حق النقض ‘الفيتو’ ضد قرار إدانة الاستيطان في مجلس الأمن الدولي، في الوقت الذي قالت فيه مصادر خاصة لـ ‘القدس العربي’ انها تتوقع ان تشرع واشنطن بتحرك قريب لدفع عجلة المفاوضات خشية وقوعها في حرج جديد بعد ‘الفيتو’، الذي أكدت تل أبيب أن نتائجه تدل على أنها تواجه ‘عزلة دولية’. وأبلغ الرئيس عباس امتعاضه من القرار الأمريكي للسيناتور جورج ميتشل المبعوث الأمريكي لعملية السلام الذي هاتف الرئيس عباس ليل السبت، وبحث معه في التطورات الأخيرة على ضوء ‘الفيتو’ الأمريكي ضد مشروع قرار إدانة الاستيطان، الذي تقدمت به المجموعة العربية في الأمم المتحدة، لاعتبار الاستيطان ‘غير شرعي ويتناقض مع القانون الدولي’. وخلال المكالمة أكد الرئيس عباس امتعاضه من استخدام الإدارة الأمريكية لـ ‘الفيتو’، وجدد في ذات الوقت تأكيده على وجوب المضي قدماً لإعادة عملية السلام إلى مسارها الطبيعي، لتحقيق إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولتين على حدود 1967. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت قرار النقض ‘الفيتو’ ضد قرار تقدمت به المجموعة العربية في الأمم المتحدة، يطالب بوقف الاستيطان باعتباره غير شرعي ويناقض القانون الدولي، في حين حظي القرار بموافقة كل الدول الممثلة في المجلس وعددها 14 دولة.
وفي السياق توقع مصدر فلسطيني مطلع أن تبادر الإدارة الأمريكية في الوقت القريب إلى تحريك المياه الراكدة في عملية السلام التي تشهد تعثرا كبيرا بسبب تباين المواقف حول البناء الاستيطاني بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وقال المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ ‘القدس العربي’ ان مكالمة ميتشل للرئيس عباس ليل السبت والتي جاءت عقب قرار ‘الفيتو’ كان هدفها تأكيد الإدارة الأمريكية استمرارها في مساعيها لإطلاق عملية مفاوضات ذات مغزى.
وأشار إلى أن ميتشل تعهد بأن لا تقوم إدارته بتقليص المساعدات المالية التي تقدمها للسلطة الفلسطينية، بسبب رفض القيادة الفلسطينية طرح الرئيس باراك أوباما على الرئيس عباس بسحب قرار إدانة الاستيطان قبل طرحه على مجلس الأمن.
وذكر المصدر أن ميتشل أشار خلال المكالمة مع الرئيس عباس إلى تفهم الإدارة الأمريكية للموقف الفلسطيني، وقال ان إدارته لم تكن تستطيع في ذات الوقت عدم اتخاذ قرار ‘الفيتو’، وبحسب المصدر فقد قال ان توجه الإدارة الأمريكية الحالي ربما جاء لعدم وقوع إدارة أوباما في حرج دولي آخر، خاصة وانها أعلنت في أوقات سابقة إدانتها الاستيطان، وتطلعها لقيام دولة فلسطينية، خاصة وأن مواقفها العملية تتناقض مع هذه التوجهات. وفي السياق كشف حنا عميرة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير النقاب بأن الضغوط التي مورست من قبل الولايات المتحدة كانت ‘هائلة’. ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية ‘وفا’ عن عميرة قوله ‘إن المكالمة التي جرت بين الرئيس عباس والرئيس الأمريكي أوباما واستمرت 50 دقيقة كانت صعبة’. وأضاف ‘فخلالها جرى التلويح من قبل الرئيس الأمريكي بأن عرض مشروع القرار على مجلس الأمن يتعارض مع المصالح الأمريكية، ويهدد بالخطر مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وستكون له انعكاسات داخل الولايات المتحدة الأمريكية سواء الكونغرس أو مجلس الشيوخ الأمريكي بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية’. وأضاف’الموقف بالإجماع كان أننا لا نقايض الوطن بالمال’. وكان أوباما أجرى الخميس مكالمة مطولة مع الرئيس عباس طالبه خلالها بسحب مشروع قرار إدانة الاستيطان قبل طرحه على مجلس الأمن، غير أن القيادة الفلسطينية في اجتماع عقد الجمعة ودعا له الرئيس عباس رفضت الطلب. وقال عميرة ان الولايات المتحدة عرضت مقابل سحب مشروع القرار من مجلس الأمن رزمة تتمثل في صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن الدولي بشأن الاستيطان، واستعداد أعضاء مجلس الأمن للقدوم إلى المنطقة، وأن تكون هناك إشارة لحدود 1967 للدولة الفلسطينية في اجتماع اللجنة الرباعية الدولية منتصف الشهر القادم.
وكشف انه جرى اتصال خلال اجتماع القيادة مع مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور الذي أشار إلى أن موقف السفراء العرب في الأمم المتحدة هو الذهاب إلى مجلس الأمن، ما لم تر القيادة الفلسطينية عكس ذلك، وذكر عميرة أن الإدارة الأمريكية من خلال الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون قالوا انه في حال موافقة القيادة الفلسطينية على سحب القرار فان الإدارة الأمريكية ستقنع العرب بسحب القرار.
وفي مكالمة هاتفية أخرى تلقاها الرئيس عباس من الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس تم خلالها بحث آخر المستجدات على الساحتين السياسية والميدانية جدد موقفه بان استئناف المفاوضات مشروط بوقف الاستيطان، وأكد عباس التزامه بعملية السلام ومبدأ حل الدولتين، مشددا على ضرورة وقف كافة أشكال الاستيطان بما يشمل القدس لـ ‘استئناف المفاوضات’. وكانت القيادة الفلسطينية أوقفت عملية التفاوض مع إسرائيل مطلع شهر تشرين الاول (أكتوبر) الماضي، بعد أن رفضت إسرائيل تمديد قرار تجميد الاستيطان، وأعلنت الإدارة الأمريكية بعد سلسلة مداولات بين الطرفين فشلها في حث إسرائيل على وقف الاستيطان.
وقالت السلطة الفلسطينية انها ستلجأ لعدة خيارات كان أولها التقدم بقرار لإدانة الاستيطان في مجلس الأمن، الذي حظي بدعم 14 دولة، لكنه أسقط بسبب ‘الفيتو’ الأمريكي.
وحذرت بسبب التأييد الدولي الكبير للقرار مصادر سياسية في إسرائيل من أن نتائج التصويت على المشروع الفلسطيني تؤكد أن هناك ‘حالة عزلة دولية آلت إليها إسرائيل’. ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن تلك المصادر قولها ‘يستحيل صدور منع قرار مندد بالاستيطان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أن أكد الفلسطينيون أمس عزمهم على السعي لذلك’. وذكرت المصادر ان العلاقات الاقتصادية المتميزة بين إسرائيل وأوروبا قد تتضرر مستقبلاً بفعل الجمود الذي يكتنف عملية السلام.
من جهته أعرب بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي عن تقدير بلاده لقرار الولايات المتحدة استخدام ‘الفيتو’ لإسقاط المشروع الدولي المندد بالاستيطان، وزعم أن إسرائيل ‘ما زالت ملتزمة بدفع عملية السلام على أن يتم ذلك بالتفاوض المباشر’. ويوم أمس اعتبر نائب وزير الخارجية داني أيالون ‘الفيتو’ الأمريكي يمثل دليلاً على أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على المضي قدماً بعملية السلام، ووصف أيالون الأمم المتحدة بأداة ‘طيعة للدول العربية التي تتمتع تلقائياً بأغلبية كبيرة لأي مشروع قرار تقدمه إلى الجمعية العامة’، ودعا أيالون الجانب الفلسطيني إلى ‘إدراك حقيقة عجزهم عن فرض أي إجراءات على إسرائيل واستئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين دون شروط مسبقة’. يشار إلى أن ‘الفيتو’ الأمريكي حظي بموجة انتقادات شديدة من قبل الفصائل الفلسطينية خاصة تلك التي تعارض نهج التسوية، وقالت حركة حماس ان الموقف الأمريكي يعد ‘تصرفا غير أخلاقي واستهتارا بالمجتمع الدولي عامة، وبحقوق شعبنا خاصة، وصفعة لسلطة فريق أوسلو’. وقال خالد البطش القيادي في حركة الجهاد ان استخدام واشنطن لـ ‘الفيتو’ يعد ‘موقفا منحازا للعدو الصهيوني، ودليلا على أن أمريكا شريك للاحتلال في كل الجرائم والاعتداءات فضلاً عن كونه يعبر عن مدى الصلف الأمريكي’، ووصفت الجبهة الشعبية استخدام ‘الفيتو’ الأمريكي بخلاف بقية أعضاء مجلس الأمن بمثابة ‘إطلاق رصاصة الرحمة على مفاوضات ومسيرة أوسلو وموت معلن لما يسمى بعملية السلام وانهيار شامل لمصداقية إدارة أوباما’.