باريس ـ من الطيب ولد العروسي: يحمل الكائن قناعاته وهمومه وأحلامه أينما حلّ، غير أنه يندهش ويتساءل أمام تلك المفارقات الصارخة في الغرب الذي ينادي بحرية الإنسان واحترام حقوقه، والتي تتركه يستحضر باستمرار ـ إما عن وعي أو غير وعي ـ اهتمامه بالإنسان المتألم في مشارق الأرض ومغاربها. تساؤلات يطرحها أي إنسان يصبو إلى تلمس الخير للبشر منطلقا من الاتفاقيات المبرمة والتي تحث على العدل والمساواة والسهر على تطبيقها في الواقع، خاصة عندما تكون هذه المؤسسة هي منظمة الأمم المتحدة في نيويورك التي تعتبر المكان الأساس الذي انطلقت منه أحداث كتاب ‘مدينة في السماء’ للشاعر والإعلامي والكاتب عيسى مخلوف، هذه المنظمة التي عمل فيها الأستاذ عيسى مخلوف، ما بين عامي 2006 و 2007 كمستشار للشؤون الثقافية، صدر هذا الكتاب في بيروت عن منشورات دار التنوير للطباعة والتوزيع، ويقع في 150 صفحة، ويحتوي على خمسة فصول وهي بعنوان ‘الصيف، الخريف، الشتاء، الربيع، الصيف الثاني’، يختلط فيها الشعر بالخواطر مع الحكمة والفلسفة.وهذا ما يذهب الكاتب في الافتتاحية إليه، حينما يؤكد على أن هناك ‘شيئا ضائعا منذ البداية، نبحث عنه ونعرف مسبقا أنّنا لن نجده، لكننا سنظل نبحث عنه حتى لا نزداد ضياعا’، وهذا التأكيد يأخذنا إلى الصفحة 87 من الكتاب حينما يتطرق الكاتب إلى دور المنظمة قائلا: ‘لا نسمع أنينا داخل المبنى الأنيق، ممثلو الدول الأكثر فقرا في العالم يشبهون في مظهرهم الخارجي ممثلي الدول الأكثر ثراء والأكثر تجبّرا، للمرة الأولى في تاريخ الشعوب تلتقي الأجناس كلها في مكان واحد بحثا عن مصير آخر لوجودها..جميع الدول في مبنى واحد يضغط على أرض تترجرج منذ أن وصل إليها أول الفاتحين’، وفي هذا التأكيد نلمس ثنائية الفقر والثراء، الظاهر الباطن، الحقيقة والواقع، ثنائيات تدل على أن هذا المبنى يتحكّم في مصير العالم، وأن المتجبرين الأقوياء هم الذين ترجع إليهم الكلمة الفصل في ويلات وهموم الناس، فمن هذا المبنى ينطلق المؤلف متحدثا عن إرهاصات الواقع الملموسة ليؤكد في الصفحة 142 بأن هذا المبني الزجاجي الذي يعج بالوفود ‘سيظل ممثلو الأمم يجتمعون (فيه)، جيلا بعد جيل، يتحدثون عن السلام ويرسمون خرائط الخراب’. تطرق المؤلف من خلال هذه الخواطر إلى البعد الاجتماعي والثقافي والتاريخي لمدينة نيويورك التي تخزن في طياتها مجموعة من المتناقضات، وعلى رأسها تعاملها مع السود، حيث يجب أن لا تعطي دروسا في الديمقراطية أو الحرية للآخرين في هذا المجال، ثم يتطرق إلى شوارعها التي تحمل أرقاما وليس أسماء علماء ومخترعين، مما يبيّن بأن تاريخها مرتبط بذلك المتحف الذي يحكي قصة الزنوج الذين تم المجيء بهم واستغلالهم في ظروف بشعة جدا، حتى أصبحت كل موجة جديدة ‘من المهاجرين تسير فوق الدماء المجففة للمهاجرين الذين سبقوهم، نيويورك ناطحة سحاب من المهاجرين يحاصرها الماء الذي يتجاهل الغرقى ولا يحصي دقات القلوب التي تهوى’ كما يؤكد المؤلف على ذلك في الصفحة 19، ثم يشير إلى تلك المفارقات الغريبة لأنه ليس بعيدا عن هذا المتحف الذي ‘يؤرخ’ للمدينة ويشهد على ماضيها الأسود الذي عومل فيه الإنسان بأقصى وحشية لأنه أسود، ولأنه يعني عند الأبيض عبدا، لا أكثر ولا أقل، وعليه كان يعمل على تحقيره و استغلاله حتى غدا قاسما مشتركا لدى الرجال بحيث يؤكد المؤلف قائلا: ‘الأسود في أميركا لم يكن مهاجرا ولا منفيا، كان الغريب والعلامة الفارقة، كان حلول ليل آخر غير هذا الليل ومصيرا يبحث عن نفسه بين المصائر’ (ص.21).بالمقابل إلى هذا المتحف نجد تمثال الحرية والذي يقول عنه الكاتب ‘هل اليد التي تحمل الشعلة تحيي الوافدين إلى القارة الجديدة، أم تستغيث؟ أم أنّ المنارة تقتفي أثر الدماء الجارية من قارّة إلى قارّة ؟’ ( ص.19 ). فالكاتب كما نرى يتغلغل في تناقضات هذه المدينة، وذلك بتطرقه إلى الظلم والقهر الذي كان ضحيته السود الأمريكيين وإلى مساءلة الوقائع المؤلمة التي ساهمت في صنع التاريخ. لكنه في المقابل رسم بعض معالم المدينة من خلاله تجوله في شوارعها ومتأملا مكتباتها واقفا على بعض المؤلفات المهمة في الحضارة الإنسانية، بحيث نلاحظ حضور باريس في الكثير من المواقف والمقارنات التي تفرض نفسها عليه مثل شوارع المدينتين، مكتباتهما، متاحفهما، دور الثقافة في باريس، ومكانتها لدى المثقفين، هذا في مجال الفلسفة والشعر والأدب، أما في مجال النحت والرسم فنجده يستحضر إيطاليا والكثير من مدنها، روما وفلورانس وغيرهما.الجدير بالذكر أن الكاتب لا يستحضر مكان الولادة إلا ققليلا، وهي في أغلب الأحيان لها علاقة بالطفولة وحلم الشباب لتغيير الأوضاع والبحث عن غد أجمل.في مدينة في السماء، نحن أمام استحضار للأماكن المؤثّرة في وجدان وتركيبة المؤلف الثقافية والفكرية، والتطرق إلى تاريخ أمريكا الحافل بالمتناقضات تجاه الهنود من جهة، والسود من جهة أخرى.كما يستحضر مشكلة الهجرة في فرنسا وما نتج عنها من مآرب ومشاكل وأحلام.إننا أمام كاتب رسم لنا بإتقان مفارقات متباينة من خلال الشهادات والمعيش اليومي للمؤلف الذي قضى حوالى سنة في نيويورك، في هيئة الأمم، حيث من المفروض أن تتم مناقشة القضايا الساخنة التي يُسهر فيها من أجل إيجاد حل ‘عادل’ لها، فمن هذه الهيئة يرصد لنا المؤلف بعض مشاهداته ومعايشته مستحضرا بعض صفحات التاريخ لمقارنتها بالحاضر، أو لإثبات بعض فصولها المريبة. وهو متنقل في الكثير من الأحيان في نص واحد إلى عدة إشكاليات لأنه يقسّمه إلى أرقام تمتد من 1 إلى 5 وأحيانا إلى أكثر من ذلك، مما يسمح للكاتب بسرعة الانتقال بنا من مشهد إلى آخر.حيث يؤكد على أن رحلة هذا الكتاب لا تنحصر فقط في ما ‘أوحته لي تلك المنظمة العالمية التي تصاغ فيها خرائط السلم والحرب، بل يذهب أبعد من ذلك في الأمكنة والأزمنة، وفي مقاربة بعض الموضوعات والأسئلة ومنها الجمال والحب، العنف والموتô من خلال سرد يزاوج بين الشعر والتأمل الفلسفي، بين السيرة والتخيّل، وذلك كله ضمن بنية أدبية واحدة’.فعلا نحن أمام خواطر يوهمنا مؤلفها بأن اختيارها تم بشكل بريء ، لكن فعل الحكي صادر عن إرهاصات كاتب متعلق بالقضايا الإنسانية العادلة، والحكي هنا هو فضح بعض من المسكوت عنه باختياره لوقائع تركّز على موضوعات أليمة حدثت منذ قرون قليلة، ولا زال يحاك بعضها في هذه المدينة وهي لا تقل عنفوانا وألما من خلال ما يسمى بمنظمة الأمم المتحدة…qadqpt