لم يكن محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه يوم الجمعة 17 دجنبر 2010 بمدينة سيدي بوزيد التونسية، زعيما سياسيا، ولا قائدا ثوريا، ولا خصما للنظام، وإنما مواطن بسيط، صودِرت عربته التي كان يبيع فيها الخضر والفواكه، وهي مصدر رزقه، وأمام سلبه للعربة والميزان والضرب والإهانة، قرر أن يحتج بشكل فردي، فقام بحرق نفسه، هذا الحدث لم يمر مرور الكرام، وإنما استغله سكان سيدي بوزيد للتضامن مع البوعزيزي وفي نفس الوقت الإحتجاج على غلاء المعيشة والمشاكل الإجتماعية، لتتطور الأمور وتندلع الإحتجاجات في أرجاء تونس الخضراء، وتتحول إلى مطالب سياسية، تنتهي بتنحي الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عن السلطة يوم 14 يناير 2011.هذا الحدث الذي غير مجرى الخريطة السياسية العربية، وخلق خلخلة في بُنى الدول العربية، لم يكن مجرد صدفة عابرة، عشرات الناس ينتحرون إحتجاجا في جميع دول العالم، ولا شيء يحصل، هل تسائلنا يوما: لماذا موت البوعزيزي كان اسثناء تاريخيا؟ ولماذا بلغ أثره كل هذه النتائج؟ وهل حرق مواطن عربي لنفسه يمكن أن تكون له نفس النتائج التي حصلت مع البوعزيزي؟هذه الأسئلة تقودنا إلى عملية مركزية نستشفها من عمق التاريخ البشري، وهي أن أحداث بسيطة تغير مجرى التاريخ، وتصنع أحداث كبرى تنتهي بتغير ملامح الوجود والعمران الإنساني. إن إطلالة سريعة على التاريخ السياسي والإجتماعي والإقتصادي العربي، يعطينا شيئين أساسيين:1- الدول العربية حديثة التكوين، لم تحصل الدول العربية عن إستقلالها إلا في خمسينيات القرن الماضي كمعدل تقريبي.2- لم تستطع الدولة العربية تكوين دولة بمفهوم سياسي مؤسساتي، وإنما بقي أشخاص يحكمون بشكل فردي، ويستأثرون بالسلطة، ولهم أشخاص أوفياء لهم مصالح يتقاسمونها، يسعون للحفاظ على حكم الزعيم العربي، الذي فيه مصلحة لقوى إقتصادية وسياسية.هذا الواقع العربي منذ الإستقلال، وهو يتكرس، والسلطة تحاول بكل الآليات القمعية المحافظة عن وجودها، وتنحية خصومها. مرت 60 عاما على إستقلال الدول العربية كمعدل عام، هو تاريخ ليس بالطويل، حتى أن من ازداد في ذلك التاريخ، معدل عمره اليوم 60 عاما تقريبا، مما يعني أن الربيع العربي يكون أحد أكبر الهزات العنيفة التي استطاعت تغيير ملامح الدول العربية منذ الإستقلال، علما أنه كانت انقلابات وصراعات سياسية، انتهت بحكم هذا وتنحية ذلك، لكن لم ترتقي لحمولة الربيع العربي، لسبب بسيط، هو إتساع دائرة الإحتجاجات العربية لكل الدول العربية من جهة، ومن جهة أخرى تطور الإحتجاجات من مطالب إجتماعية إلى مطالب سياسية، مع عودة الخطاب الثوري من جديد، إضافة إلى الخدمة المعلوماتية التي يسرت إلى حد كبير تواصل المحتجين. مما يعني أن محرك الإحتجاجات العربية لم يكن نخبوي، وإنما انفعال شعبي، تم إستثماره سياسيا.ورغم هذه الحركات العنيفة في عمق التاريخ العربي الحديث إلا أن الشرط التاريخي لم يكن موجودا، ونقصد بالشرط التاريخي الإستعداد النظري لمرحلة ما بعد الإحتجاجات الشعبية، مع الأسف افتقدت الإحتجاجات العربية لمنظومة تنظيرية فكرية تؤطرها، ودخلت في سجالات سياسية حادة، وصراع حول السلطة بأشكال مختلفة، مع تغييب للبعد الإجتماعي في صياغة مرحلة ما بعد الثورة، وبقي السجال سياسي بشكل كبير.هذا الشرط التاريخي أساسي في صناعة تاريخ البشر، والثورات العربية ـ هذا إن كانت تستحق تسمية ثورة ـ كشفت عن مجموعة من الفراغات الرهيبة في المجتمعات العربية، في مقدمتها النخب السياسية التي لها توجهات فكرية، قادرة على قراءة الماضي والحاضر والمستقبل، غياب هذه العينة التي وحدها القادرة على حمل مشعل البناء والتنظير لمشروع وطني يستفيد من مكاسب النظام السابق، ويتبنى رؤية وتصورا واضحا وشاملا، يحدد المرحلة القادمة. ويضع إستراتيجية عملية مؤسساتية ديمقراطية، يشارك فيها الجميع بمختلف الأطياف والتوجهات والألوان.بمجرد أفول شمس بعض الأنظمة حتى بدأنا نقرأ نوايا تريد الكراسي فقط، ولا يهمها وضع البلد في عمومياته، حتى أن الإحتجاج الدائر في بعض الدول حول الإصلاحات الدستورية له أسبابه الموضوعية، كيف يمكن أن نتصور أن شعوبا ضحت بدمائها، وخاضت إحتجاجات انتهت بسقوط رموز الديكتاتورية، اللذين نسجوا في الماضي دساتير شخصية تتماشى ورغباتهم، لتجد هذه الشعوب التاريخ يعيد نفسه، ولكن بمقاييس جديدة وبأقنعة جديدة، خطابا وتصورا. هذا يجعلني شخصيا أتنبأ بقدوم ثورات أعنف في السنوات القادمة.الدير عبد الرزاق[email protected]